110 آلاف متهرب من التجنيد.. قنبلة سياسية تهدد نتنياهو

2026.10.21 - 10:04
Facebook Share
طباعة

تكشف الزيادة المتسارعة في أعداد المتخلفين عن التجنيد في إسرائيل، التي بلغت نحو 110 آلاف شخص، بينهم قرابة 88 ألفاً من اليهود الحريديم، عن أزمة متفاقمة داخل المؤسسة العسكرية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الجنود وتتراجع فاعلية إجراءات إنفاذ القانون، رغم القرارات القضائية التي أنهت الأساس القانوني للإعفاء الجماعي لطلاب المعاهد الدينية.

أقرا أيضاً: شبح الهزيمة يطارد نتنياهو.. وإسرائيل أمام مأزق الحكم

 


لم تعد القضية مقتصرة على الخلاف بشأن التزامات الخدمة العسكرية، بل تحولت إلى محور رئيسي في المعركة الانتخابية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مع تمسك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بمواصلة تشريع إعفاءات للحريديم، مقابل دعوات المعارضة إلى فرض التجنيد وتقليص الامتيازات الممنوحة للممتنعين عن الخدمة. وتزداد تعقيدات المشهد مع إعادة الأحزاب الدينية حساباتها السياسية استعداداً لمفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.

 

وبحسب تقرير لمراسل الشؤون الأمنية في هيئة البث الإسرائيلية «كان 11»، روعي يانوفسكي، ارتفع عدد المصنفين متخلفين عن الخدمة من 75 ألفاً مطلع العام إلى 110 آلاف، بزيادة قدرها 35 ألفاً، أي نحو 47% خلال أقل من 10 أشهر.

وتشير التقديرات العسكرية إلى أن الحريديم يمثلون نحو 88 ألفاً من الإجمالي، مع توقعات بارتفاع العدد مع دخول أوامر استدعاء إضافية حيز التنفيذ. وتشمل هذه الأرقام أشخاصاً لم يستجيبوا لإجراءات التجنيد، ولا تقتصر على الجنود الذين التحقوا بالخدمة ثم فروا منها.

وكانت المراسلة العسكرية في صحيفة «يسرائيل هيوم»، ليلاخ شوفال، قد كشفت في 17 مايو/أيار عن وجود 38 ألف متخلف عن التجنيد، إلى جانب 52 ألفاً في مراحل قانونية قد تنتهي بتصنيفهم ضمن الفئة نفسها، ما يعكس اتساع نطاق الأزمة خلال الأشهر الماضية.

 

إنفاذ القانون يتعثر أمام اتساع الظاهرة

 

يتزامن ارتفاع أعداد المتخلفين عن الخدمة مع محدودية إجراءات الاعتقال والملاحقة. وذكر يانوفسكي أن حملات متفرقة أسفرت عن اعتقال 14 حريدياً و13 من غير الحريديم، باستثناء الموقوفين في مطار بن غوريون.

وفي تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 6 أكتوبر/تشرين الأول، أفاد إليشع بن كيمون ومئير تورجمان بأن الشرطة العسكرية نفذت خلال سبتمبر/أيلول 15 محاولة اعتقال استباقية، لم تنجح خلالها سوى في توقيف 8 أشخاص من المتخلفين عن التجنيد والفارين من الخدمة، من أصل قاعدة ضمت آنذاك 80 ألف مطلوب. وتمثل هذه الحصيلة نحو 0.01% من إجمالي المطلوبين.

 

كذلك أفاد يعقوب هيرشكوفيتش، في صحيفة «يسرائيل هيوم» بتاريخ 15 أكتوبر/تشرين الأول، بأن الشرطة طلبت تخصيص 300 عنصر من الشرطة العسكرية لتنفيذ حملة اعتقالات واسعة، لكن خلافاً بشأن توزيع المسؤوليات أدى إلى إلغائها، وفق ما أوردته «كان 11».

تتعارض هذه المعطيات مع توجه المحكمة العليا الإسرائيلية، التي أنهت في يونيو/حزيران 2024 الأساس القانوني للإعفاء الجماعي من التجنيد، قبل أن تطالب في أبريل/نيسان 2026 بتفعيل عقوبات تمس الامتيازات الاقتصادية، بما يشمل دعم الحضانات وتخفيضات المواصلات والسكن.

 

وتكشف بيانات أخرى عن تفاوت بين حجم الظاهرة وفاعلية الملاحقات. فقد أشار الكاتب آفي بن هار، في موقع «زمان إسرائيل» بتاريخ 31 أغسطس/آب، إلى أن الحريديم شكلوا 14% فقط من الموقوفين في العمليات الاستباقية حتى منتصف يناير/كانون الثاني، و7% من لوائح الاتهام خلال يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط، رغم أنهم يمثلون غالبية المتخلفين عن التجنيد.

جيش منهك ونقص متزايد في القوى البشرية

 

تتجاوز تداعيات الأزمة الخلافات الدينية والسياسية، لتطال قدرة الجيش الإسرائيلي على مواصلة عملياته في ظل اتساع المهمات العسكرية وتزايد الضغط على القوات النظامية والاحتياطية.

خلال اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغر في مارس/آذار 2026، حذر رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير من خطورة الوضع، قائلاً: «أرفع 10 أعلام حمراء.. الجيش الإسرائيلي سينهار من الداخل».

 

ونقل يارون أبراهام، في القناة 12 الإسرائيلية بتاريخ 26 مارس/آذار، تحذيرات زامير بشأن أزمة القوى البشرية، في ظل اتساع نطاق المهمات العسكرية وتأخر التشريعات المتعلقة بالتجنيد والخدمة النظامية والاحتياط.

على صعيد آخر، خلصت دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 20 أغسطس/آب، بمشاركة الباحثات عيديت شفران غيتلمان ويردين أسراف وعنات شابيرا ودانا كارنيئيلي، إلى أن قوات الاحتياط «تحولت فعلياً إلى منظومة خدمة دائمة، خلافاً لإرادة أفرادها»، نتيجة الاستدعاءات المتكررة.

 

كما قدّر الباحث رام أميناح، في دراسة للمعهد بتاريخ 21 ديسمبر/كانون الأول 2025، النقص بنحو 12 ألف جندي في كل فوج تجنيد، خصوصاً في صفوف المقاتلين وعناصر الإسناد.

ورغم ارتفاع عدد المجندين الحريديم من 2811 إلى 4298 خلال سنة التجنيد 2025، وفق بيانات أوردتها القناة 12 في 18 أغسطس/آب 2026، فإن هذه الزيادة لا تزال دون الاحتياجات التي يعلنها الجيش، في ظل استمرار الخلاف بشأن إلزام طلاب المعاهد الدينية بالخدمة.

 

كلفة اقتصادية واجتماعية متصاعدة

 

لا تقف تداعيات أزمة التجنيد عند حدود المؤسسة العسكرية، إذ تمتد إلى الاقتصاد الإسرائيلي، مع تزايد الاعتماد على قوات الاحتياط وما يرافقه من غياب الموظفين عن أعمالهم وارتفاع تكاليف التعويضات والتشغيل العسكري.

وفي تقرير نشرته صحيفة «غلوبس» في 5 يوليو/تموز 2026، نقل الصحفي أساف زغريزك تحذيراً لوزارة المالية من أن استمرار الاتجاهات الديمغرافية والاقتصادية المرتبطة بالحريديم قد يستدعي زيادة الضرائب بنسبة 16% خلال 30 عاماً للحفاظ على مستوى الخدمات العامة.

 

غير أن هذا التقدير يمثل سيناريو اقتصادياً مشروطاً، يرتبط أيضاً بمعدلات المشاركة في سوق العمل، ولا يعكس تكلفة مباشرة للإعفاء من الخدمة العسكرية وحده.

سياسياً، أظهر استطلاع نشره معهد دراسات الأمن القومي في يوليو/تموز 2025 أن 71% من اليهود المشاركين توقعوا تضرر دافعية الخدمة القتالية نتيجة إعفاء معظم الحريديم من التجنيد، بينما أيد 89% تغيير نظام التجنيد القائم، في مؤشر على اتساع الاعتراض على التفاوت في توزيع الأعباء العسكرية.

 

نتنياهو يتمسك بالإعفاءات في المعركة الانتخابية

 

دخل الملف مرحلة أكثر حساسية مع اقتراب الانتخابات، بعدما تعهد نتنياهو، في مقابلة مع إذاعة «كول براما» الحريدية يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول، باستئناف تشريع قانون ينظم إعفاء طلاب المعاهد الدينية خلال ولايته المقبلة.

ونقلت «يديعوت أحرونوت» عنه وصف اعتقال طلاب المعاهد الدينية بأنه «غير مقبول»، مشيراً إلى أن ائتلافه السابق اقترب من تمرير القانون قبل أن يفشل بفارق صوت واحد. لكنه لم يلتزم بإقرار التشريع قبل تنصيب الحكومة المقبلة، رغم مطالب الأحزاب الحريدية، في محاولة للحفاظ على دعمها من دون إغلاق الباب أمام شركاء ائتلافيين آخرين.

 

في المقابل، وصف رئيس حزب «يشار» ورئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت الانتخابات بأنها مواجهة بين حكومة يقودها نتنياهو وتمنح الإعفاءات، وأخرى تتبنى فرض الخدمة العسكرية.

أما رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب «بيحاد» نفتالي بينيت، فاتّهم نتنياهو بعقد صفقة سياسية مع الحريديم تقوم على تبادل الإعفاءات مقابل ضمان استمرار حكمه، بحسب ما أوردته «يسرائيل هيوم» في 20 أكتوبر/تشرين الأول.

 

الحريديم يعيدون حساباتهم السياسية

 

تزداد أهمية موقف الأحزاب الحريدية في ظل الشكوك بشأن استمرار تحالفها مع نتنياهو. فقد أعلن رئيس كتلة «يهوديت هتوراه» البرلمانية، يعقوب آشر، في مقابلة مع الصحفي آري كلمان بموقع «آي 24 نيوز» بتاريخ 18 أكتوبر/تشرين الأول، تراجع الثقة برئيس الوزراء، ولم يستبعد المشاركة في حكومة يقودها آيزنكوت.

واشترط آشر إقرار قانون ينظم مكانة طلاب المعاهد الدينية قبل الانضمام إلى أي حكومة، مؤكداً أن حزبه لم يحسم دعمه لأي مرشح. وفي مقابلة مع إيلي هيرشمان على القناة 12 نُشرت في 19 أكتوبر/تشرين الأول، قال إن العقوبات الاقتصادية والاعتقالات لن تدفع المجتمع الحريدي إلى التجنيد، بل ستؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات.

 

تضع هذه المواقف المعارضة أمام معادلة سياسية معقدة؛ إذ يتمسك آيزنكوت بإلغاء الإعفاء الجماعي، ويؤكد استعداده لخوض انتخابات جديدة بدلاً من التراجع عن موقفه، بينما يعارض كل من رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» أفيغدور ليبرمان ورئيس حزب «الديمقراطيين» يائير غولان إشراك الأحزاب الحريدية في الحكومة وفق شروطها الحالية.

ثلاثة سيناريوهات للحكومة المقبلة

 

تفتح نتائج الانتخابات الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية: عودة نتنياهو إلى التحالف مع الأحزاب الحريدية مقابل تمرير قانون للإعفاء من التجنيد، أو تشكيل حكومة معارضة تتبنى توسيع نطاق الخدمة العسكرية، أو تعثر المفاوضات إذا أصبح دعم الأحزاب الدينية شرطاً ضرورياً لتأمين أغلبية برلمانية تبلغ 61 مقعداً.

وقد تفرض الحسابات البرلمانية تسويات جزئية تتضمن تحديد أهداف تدريجية لتجنيد الحريديم وفرض عقوبات محدودة على الممتنعين، لكن هذه الخيارات ستظل خاضعة لاختبارين أساسيين: موقف المحكمة العليا من أي تشريع جديد، ومدى قدرة الجيش على تلبية احتياجاته من القوى البشرية.

 

بهذا، تتحول أزمة 110 آلاف متخلف عن التجنيد إلى اختبار سياسي وعسكري يتجاوز مسألة الإعفاءات، ليضع الحكومة المقبلة أمام صراع بين مطالب المؤسسة العسكرية بتوفير مزيد من الجنود، وشروط الأحزاب الحريدية، ومواقف المعارضة بشأن المساواة في تحمل أعباء الخدمة. كما ستحدد نتائج هذا الصراع قدرة الائتلاف المقبل على الجمع بين متطلبات الجيش والحسابات الانتخابية التي تحكم تشكيل السلطة في إسرائيل.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 3

اقرأ أيضاً