تتصاعد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، بين مصادرة الأراضي وهدم المنشآت الزراعية وملاحقة المزارعين والاعتداء على قاطفي الزيتون، بالتزامن مع استمرار القصف على القطاع رغم وقف إطلاق النار. وتكشف التطورات الميدانية اتساع الضغوط على الفلسطينيين، من خلال توسيع الاستيطان وحرمان السكان من مصادر رزقهم في الضفة الغربية، واستمرار سقوط الشهداء والجرحى في غزة.
أقرا أيضاً: الضفة الغربية.. اعتداءات المستوطنين تحوّل قطاف الزيتون إلى موسم خوف
مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان
أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن سلطات الاحتلال أصدرت إعلانين جديدين يقضيان باعتبار 182.81 دونماً من أراضي بلدات بتير في محافظة بيت لحم، وسعير والشيوخ في محافظة الخليل، «أراضي دولة»، في خطوة تعزز السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتمهد لتوسيع المشاريع الاستيطانية.
يشمل الإعلان الأول 64.06 دونماً من أراضي بتير ضمن ما يسمى مستعمرة «بار كوخبا»، المرتبطة ببؤرة «ناحال هيلتس» السابقة والمعروفة حالياً باسم «نفيه أوري». أما الإعلان الثاني، فيطال 118.75 دونماً من أراضي سعير والشيوخ ضمن ما يسمى مستعمرة «باني كيدم»، التي كانت بؤرة استعمارية قبل إقرار تحويلها إلى مستعمرة مستقلة في 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، ضمن قرار إسرائيلي شمل 19 مستعمرة.
أقرا أيضاً:تتبع زمني يفنّد رواية نتنياهو بشأن الاعتداء على مصورة واشنطن بوست
وفي منطقة القنية غرب بلدة الشيوخ شمال الخليل، جرفت قوات الاحتلال أكثر من عشرة دونمات، واقتلعت ما يزيد على 300 شجرة مثمرة، ودمرت مساحات مزروعة بالخضراوات، وهدمت غرفاً زراعية وبئراً للمياه وجدراناً استنادية.
وقال رئيس المجلس القروي عيسى عياد إن عمليات التجريف ألحقت أضراراً مباشرة بالمزارعين، وسط مخاوف من الاستيلاء على نحو 290 دونماً سبق أن أعلنت سلطات الاحتلال أنها «أراضي دولة». وأكد أن أصحاب الأراضي يمتلكون وثائق تثبت ملكيتهم لها، لكن اعتراضاتهم أمام محاكم الاحتلال لم تسفر عن نتائج تنصفهم.
وفي محافظة جنين، سلّمت سلطات الاحتلال أكثر من 20 إخطاراً بهدم منشآت زراعية وتجارية، بينها بيوت بلاستيكية وغرف زراعية ومتنزه وموقف لعرض السيارات. وتركزت الإخطارات في المنطقة الممتدة من دوار البادية قرب بلدة عابا إلى دوار الشهيد شميخ أبو الرب قرب المدرسة الأميركية، ما يهدد مصالح المزارعين وأصحاب الأنشطة التجارية.
اعتداءات المستعمرين تستهدف موسم الزيتون
رصدت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان ما لا يقل عن 20 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستعمرون يوم الاثنين، بين السادسة صباحاً والسادسة مساءً، في محافظات رام الله والبيرة ونابلس وسلفيت والخليل وجنين وقلقيلية. وشملت الهجمات ضرب المزارعين وإجبارهم على مغادرة أراضيهم وإطلاق النار باتجاههم، إلى جانب سرقة المحاصيل والمعدات الزراعية وإحراق مركبات ومحاولات استهداف منازل.
وفي منطقة المنقعة غرب قرية فرخة جنوب غرب سلفيت، أُصيب ثلاثة فلسطينيين بعدما طارد مستعمرون مركبة تقل مزارعين كانوا يقطفون الزيتون ورشقوها بالحجارة، ما أدى إلى انقلابها. ونُقل المصابون إلى مستشفى ياسر عرفات لتلقي العلاج.
كما أُصيب فلسطينيان جراء اعتداءات بالضرب في ترمسعيا ودير أبو مشعل بمحافظة رام الله والبيرة. وشهدت ترمسعيا إحراق مركبة ومحاولات لإحراق منزلين، فيما أُحرقت مركبتان في منطقة وادي الشعر شرق سلفيت.
وفي محافظة رام الله والبيرة، أُجبر مزارعون على مغادرة أراضيهم في ترمسعيا ودير أبو مشعل وبرقا ومنطقة غرابة في سنجل، وأُطلق الرصاص باتجاه مزارعين في منطقة الجورة قرب رمون، كما سُرقت ثمار الزيتون من منطقة الباطن في المزرعة الشرقية.
أما في نابلس، فطالت الاعتداءات مزارعين قرب مدرسة جالود، وفي منطقة بئر قوزة ببلدة بيتا وبلدة بورين ومنطقة المسعودية، حيث أُجبر فلسطينيون على ترك أراضيهم، وسُرق محصول الزيتون في المسعودية.
وفي الخليل، هاجم مستعمرون، تحت حماية قوات الاحتلال، مزارعين من عائلتي المحانية والدعاجنة في وادي أبو خشبة قرب منطقة البويب شرق يطا، واعتدوا عليهم بالضرب وسرقوا محصول الزيتون ومعدات زراعية، قبل اعتقال ثلاثة منهم. كما سرقوا محصول مزارع ومحفظته قرب منطقة الكرمل، وأطلقوا مواشيهم في حقول بمنطقة سكة، وهاجموا عائلة في شعب البطم، واعتقلوا فلسطينيين خلال اعتداءات أخرى.
وفي جنين، مُنع مزارعون في منطقة العرقة من قطف الزيتون وأُجبروا على مغادرة أراضيهم. كذلك لاحق مستعمر مسلح مزارعين في وادي ياسوف، المعروف أيضاً بالوادي الأحمر، شرق مردا شمال سلفيت، بالتزامن مع تحليق طائرة مسيّرة، ما دفع عدداً منهم إلى الانسحاب خشية التعرض للاعتداء.
وشملت الوقائع المسجلة اعتقال شاب من دير أبو مشعل وأربعة فلسطينيين، بينهم طفلان، أثناء قطف الزيتون في كفر قدوم، فضلاً عن الاعتقالات في الخليل، ليصل عدد المعتقلين في الاعتداءات التي رصدتها الهيئة إلى عشرة فلسطينيين على الأقل.
تحذيرات أممية من تهديد سبل عيش المزارعين
حذّر سبعة خبراء مستقلين تابعين للأمم المتحدة، بينهم فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصوفيا مونسالفه سواريز، المقررة الخاصة المعنية بالحق في الغذاء، من المخاطر المتزايدة التي تهدد سبل عيش المزارعين الفلسطينيين وحقوقهم الثقافية وأمنهم الغذائي.
وأوضح الخبراء أن سلطات الاحتلال أمرت بإزالة الغطاء النباتي عن نحو 339 ألف متر مربع من الأراضي الزراعية في شمال الضفة الغربية ووسطها، بما يشمل بساتين زيتون في جنين وقباطية وبيت ريما. كما أفادت المعطيات بتدمير أكثر من ستة آلاف شجرة وشتلة، في حصيلة تقارب ضعف ما سُجل خلال عام 2024، وتُعد الأعلى خلال ست سنوات.
ودعا الخبراء المجتمع الدولي إلى الضغط من أجل حماية المزارعين وضمان وصولهم الآمن والمستمر إلى أراضيهم، ووقف سياسات الضم والاستيلاء على الممتلكات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة خلال موسم الزيتون، الذي يشكل مصدراً رئيسياً للدخل لآلاف العائلات الفلسطينية، فضلاً عن ارتباطه بالأرض والتراث الزراعي.
اقتحامات في بلدات الضفة الغربية
واصلت قوات الاحتلال اقتحاماتها لعدد من البلدات الفلسطينية. ففي دير أبو مشعل شمال غرب رام الله، داهمت القوات منزلاً وفتشته وعبثت بمحتوياته، بينما انتشرت في مناطق من يبرود شرق المحافظة من دون تسجيل اعتقالات خلال الاقتحامين.
وفي دير دبوان شرق رام الله، أطلقت القوات قنابل الصوت وأوقفت مركبة قبل انسحابها باتجاه بلدة برقا المجاورة، من دون الإبلاغ عن إصابات أو اعتقالات. كذلك اقتحمت بيت فجار جنوب بيت لحم وانتشرت في شوارعها من دون تسجيل اعتقالات.
وفي حادث منفصل عند المدخل الجنوبي لمدينة جنين، توفي فلسطيني يبلغ من العمر 52 عاماً إثر انقلاب حفّار عليه أثناء عمله. وقال المتحدث باسم الشرطة لؤي ارزيقات إن طواقم الاستجابة نقلته إلى مستشفى الرازي، حيث أُعلن عن وفاته، فيما فُتح تحقيق في ملابسات الحادث.
غزة تحت القصف رغم وقف إطلاق النار
في قطاع غزة، استشهد فلسطيني وأُصيب ستة آخرون جراء استهداف طائرة مسيّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين في شارع الجلاء شمال غرب مدينة غزة. وفي هجومين منفصلين، استشهد ثلاثة فلسطينيين، بينهم طفلان، وأُصيب آخرون؛ إذ أسفر استهداف حي الشيخ رضوان شمال غرب المدينة عن استشهاد فلسطيني وإصابة عدد من المواطنين، فيما استشهد طفلان في منطقة قيزان رشوان جنوب خان يونس.
وبحسب البيانات الصحية، ارتفعت حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 74,480 شهيداً و175,539 مصاباً. واستقبلت المستشفيات خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية خمسة شهداء، بينهم أربعة جدد، إضافة إلى 22 مصاباً.
ومنذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/أكتوبر من العام الماضي، بلغ عدد الشهداء 1,522، فيما وصل عدد المصابين إلى 5,421، وتمكنت الطواقم من انتشال 839 جثماناً من تحت الأنقاض. ولا تزال جثامين ضحايا عالقة تحت الركام وفي الطرقات، وسط تعذر
وصول سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ إلى عدد من المواقع.
وتكشف التطورات استمرار استهداف الفلسطينيين على جبهات متعددة؛ إذ تتسع في الضفة الغربية عمليات مصادرة الأراضي وتدمير المنشآت والاعتداءات التي تحرم المزارعين من محاصيلهم، بينما تتواصل الهجمات على قطاع غزة وتخلّف مزيداً من الشهداء والجرحى. ويضاعف هذا التصعيد الأعباء الإنسانية والاقتصادية على السكان، ويهدد قدرتهم على الوصول الآمن إلى أراضيهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم.