تتبع زمني يفنّد رواية نتنياهو بشأن الاعتداء على مصورة واشنطن بوست

2026.10.19 - 21:47
Facebook Share
طباعة

كشفت عملية تحقق أجرتها وحدة صحافة البيانات في «الجزيرة نت» عن تناقضات في الروايات الإسرائيلية بشأن الاعتداء على مصورة صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية هايدي ليفين، خلال هجوم نفذه مستوطنون على قاطفي الزيتون الفلسطينيين في خربة أبو فلاح شمال شرق رام الله، يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مستندة إلى تحليل أكثر من 20 مقطع فيديو وصورة، إلى جانب مطابقة المواقع الجغرافية وترتيب الأدلة زمنياً.


أقرا أيضاً: الأمم المتحدة: شبكات التهريب تستحوذ على نصف واردات الوقود في ليبيا

 


أظهرت المواد التي خضعت للتحقق أن تحركات المستوطنين سبقت الاعتداء، وأن مركبات عسكرية إسرائيلية مرّت في المنطقة قبل تقدم الملثمين نحو المزارعين والصحفيين، من دون أن تظهر في المقاطع المتاحة محاولة لمنعهم. كما وثّقت التسجيلات إحراق أشجار الزيتون والاعتداء على ليفين، في وقت أثار فيه موقف مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تساؤلات بشأن تجاهل أدلة مصورة على ما جرى.


أقرا أيضاً: أوباما يهاجم ترامب: استهداف إلهان عمر تهديد للديمقراطية الأمريكية

 

 


أدلة بصرية تكشف تسلسل الهجوم

 

اعتمد التحقيق على مراجعة تسجيلات نشرها صحفيون وشهود عيان عبر منصات التواصل ومجموعات إخبارية محلية، مع التواصل مع صحفيين ميدانيين ومقارنة معالم المشاهد بالخرائط المفتوحة. وأتاح هذا المسار إعادة بناء تسلسل تقريبي للأحداث وتحديد مواقع التجمعات ومسار تقدم المهاجمين.

وبحسب التتبع الزمني، بدأت التحركات قرابة الثامنة صباحاً، عندما ظهرت مركبة دفع رباعي تقل مستوطنين متجهة نحو المنطقة، أعقبتها ست دراجات نارية. وبعد التاسعة بقليل، أظهر تسجيل تجمع نحو 30 مستوطناً قرب المنطقة التي كان الفلسطينيون يعملون فيها.

 

 


وقالت مراسلة الجزيرة ثروت شقرا، التي كانت موجودة في المكان، إن آليات عسكرية إسرائيلية مرّت في المنطقة قبل نزول المستوطنين باتجاه المزارعين والصحفيين. كما أفاد الصحفي الإسرائيلي المستقل أورن زيف بأن المركبات العسكرية لم تحاول ضبط الملثمين، وفق شهادتهما الواردة في التحقيق.

لاحقاً، أقدم المستوطنون على إشعال النار في أشجار الزيتون، ثم تقدموا نحو قاطفي المحصول، قبل أن يرشقهم شبان فلسطينيون بالحجارة. وتُظهر تسجيلات أخرى الاعتداء على ليفين بعد إسقاطها أرضاً، فيما تعذّر على زملائها الوصول إليها إلا بعد تراجع المهاجمين بفعل تصدي الشبان لهم.

مصورة أمريكية تتعرض لإصابات خطيرة

أُصيبت ليفين، البالغة من العمر 63 عاماً، بكسر في أحد الأضلاع وكسور في أربع فقرات، إضافة إلى جروح في يدها استدعت تدخلاً جراحياً، رغم ارتدائها سترة صحفية واضحة أثناء التغطية.

وكتب الصحفي الأمريكي جاسبر ناثانيال، الذي ساعد في إبعادها عن موقع الاعتداء، أن الشبان الفلسطينيين وفروا غطاءً بالحجارة مكّنه من الوصول إليها، في مواجهة مستوطنين وجنود كانوا يحملون أسلحة رشاشة وقنابل غاز. وأضاف أن القوات الإسرائيلية لاحقت الشبان الفلسطينيين بعد الهجوم، بدلاً من ملاحقة المستوطنين، وفق روايته المنشورة على منصة «إكس».

 

كما وثّق أحد المقاطع أصوات أربع طلقات نارية أعقبتها طلقتان أخريان، فيما أكدت شقرا أن مصدر إطلاق النار كان المستوطنين. وأظهرت تسجيلات لاحقة انتشار قوات إسرائيلية قرب المنطقة التي وُجد فيها المستوطنون، قبل إطلاق الغاز المسيل للدموع باتجاه الفلسطينيين، وإصابة عضو المجلس المحلي عبد الجابر عبيد بالرصاص، وفق ما أورده التحقيق.

تناقضات بين مكتب نتنياهو والجيش الإسرائيلي

 

شكك مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في وضوح ملابسات الواقعة، معلناً أن الأحداث المحيطة بما وصفه بالمواجهة لا تزال قيد التحقيق. واستند المكتب إلى تقارير تحدثت عن مواجهة بين نحو 200 عربي وناشط من اليسار المتطرف، ونحو 40 شاباً إسرائيلياً.

لكن الأدلة المصورة التي حللها التحقيق أظهرت تجمع المستوطنين وتقدمهم نحو المزارعين، وإحراق الأشجار قبل رد الشبان الفلسطينيين بالحجارة، كما وثّقت الاعتداء على المصورة الأمريكية. وبذلك، تتعارض هذه المواد مع الرواية التي شكك بها مكتب نتنياهو في وضوح ما حدث، وفق تحليل «الجزيرة نت».

 

في المقابل، لم ينفِ الجيش الإسرائيلي وقوع الاعتداء، بل أقر بإصابة صحفية أجنبية، وقال إن قواته وصلت عقب بلاغ عن «مواجهة عنيفة»، وإن الجنود استخدموا وسائل تفريق الشغب وأطلقوا طلقات تحذيرية في الهواء، قبل إطلاق النار باتجاه شخص قال إنه ركض نحوهم حاملاً أداة حادة.

غير أن البيان العسكري لم يذكر المستوطنين أو إطلاق النار المنسوب إليهم. كما نقل التحقيق عن المتحدثة الدولية باسم الجيش، أرييلا مازور، قولها لصحيفة «واشنطن بوست» إن الجنود كانوا يحاولون تفريق حشد كبير وعنيف، وإنهم لم يشاهدوا الاعتداء على ليفين.

 

وتشير هذه التصريحات إلى وجود قوات إسرائيلية في المنطقة خلال الأحداث، بما يتقاطع مع شهادات الصحفيين بشأن مرور الآليات العسكرية قبل الهجوم، ثم انتشار القوات لاحقاً قرب المستوطنين. ويرى التحقيق أن تسلسل الوقائع يثير تساؤلات جدية بشأن تعامل الجيش مع الاعتداءات، واحتمال توفيره غطاءً ميدانياً لتحركات المستوطنين، وهي مسألة تحتاج إلى مساءلة استناداً إلى الأدلة المتاحة.

 

تحديد موقع الاعتداء يكشف قربه من البؤرة الاستيطانية

حدّد التحقيق موقع الاعتداء عند الإحداثيات 32°01’13.5″ شمالاً و35°18’40.7″ شرقاً، على بعد نحو 455 متراً جنوب غرب بؤرة استيطانية تقع على التلة من جهة مستوطنة «مشولاش»، ونحو 120 متراً شمال الأرض التي كان الفلسطينيون يقطفون فيها الزيتون.

 

كما رصد غرفاً زراعية فلسطينية تبعد نحو 430 و500 متر شمال شرق موقع الاعتداء. ونقل عن صحفي محلي، فضّل عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، قوله إن أصحاب هذه الغرف لم يعودوا قادرين على الوصول إليها، وإن المستوطنين يستخدمونها للتجمع والإقامة.

وأوضح الصحفي أن البؤرة تقع في منطقة مصنفة «ب» وفق اتفاقية أوسلو، حيث تتولى السلطة الفلسطينية الشؤون المدنية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية. وأضاف أن عدد المستوطنين الموجودين فيها عادة محدود، لكنه يرتفع خلال الأحداث إلى عشرات القادمين من بؤر أخرى، قبل تحركهم نحو الحقول.

 اعتداءات موسم الزيتون تتواصل في الضفة الغربية

جاء الهجوم على قاطفي الزيتون في أبو فلاح ضمن موجة أوسع من الاعتداءات التي شهدتها الضفة الغربية خلال موسم الحصاد. ففي 16 أكتوبر/تشرين الأول، أُصيب 19 شخصاً على الأقل جراء 34 اعتداءً نفذها الجيش الإسرائيلي ومستوطنون في مناطق متفرقة، واستهدفت مزارعين وقاطفي زيتون، فضلاً عن إحراق خمس مركبات، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

 

وسجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، وفق حصيلة أولية، 136 واقعة مرتبطة بموسم الزيتون خلال الأيام الاثني عشر الأولى من أكتوبر/تشرين الأول 2026. وشملت الاعتداء على القاطفين، ومنع الوصول إلى الأراضي، وسرقة المحصول، وإتلاف الأشجار، بحسب بيان الهيئة الذي نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا».

وأثار الاعتداء على ليفين إدانات دولية، إذ طالب السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بسجن المهاجمين لسنوات، واصفاً الاعتداء على مصورة غير مسلحة بأنه عمل إرهابي نفذه ملثمون.

ويخلص التحقيق إلى أن جمع الأدلة المصورة وترتيبها زمنياً، وربطها بالمواقع الجغرافية وشهادات الصحفيين، يضع الروايات الإسرائيلية أمام أسئلة يصعب تجاوزها. فالمقاطع لا توثق الاعتداء على الصحفية الأمريكية فحسب، بل تكشف أيضاً تسلسلاً للأحداث يبدأ بتحركات المستوطنين وينتهي بتدخل القوات الإسرائيلية ضد فلسطينيين، ما يستدعي تحقيقاً مستقلاً في سلوك المستوطنين ودور الجيش خلال الهجوم.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2

اقرأ أيضاً