كشف تقرير ديوان المحاسبة بشأن ملف الإنترنت غير الشرعي في لبنان عن حجم الهدر المالي والخسائر التي تتكبّدها الخزينة العامة، وسط مطالبات نيابية بتحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصّرين، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات بشأن أسباب استمرار المخالفات رغم وجود مراسيم تنظيمية تحدّد آليات معالجة الشبكات غير القانونية.
أقرا أيضاً: من أزمة السفير إلى مفاوضات واشنطن.. لماذا تتحرك إيران لبنانياً؟
أكد مقرر لجنة الاتصالات النيابية، النائب ياسين ياسين، أن التقرير يتضمن معطيات تستوجب المتابعة والمحاسبة، مشدداً على ضرورة تحرّك وزارتي الاتصالات والمالية لتطبيق القوانين والمراسيم النافذة، ووضع حد للخسائر المقدّرة بنحو 128 مليون دولار سنوياً. واعتبر أن استمرار هذا الواقع يفرض الانتقال من تشخيص المشكلة إلى اتخاذ إجراءات عملية تحمي المال العام وتعيد الإيرادات المستحقة للدولة.
وأوضح ياسين أنه تواصل مع مكتب لجنة الاتصالات النيابية بشأن التقرير، لافتاً إلى أن وزارة الاتصالات مطالبة بالتحرّك خلال مهلة 15 يوماً، بالتنسيق مع وزارة المالية، نظراً إلى ارتباط القضية بحقوق الخزينة العامة. وأشار إلى أن الملف يثير تساؤلات بشأن تقصير الحكومات المتعاقبة في تطبيق المراسيم التنظيمية، ولا سيما المرسومين رقم 3260 و9458 وتعديلاتهما، إلى جانب المراسيم التطبيقية التي تنظّم معالجة الإنترنت غير الشرعي.
وشدد النائب على أن اللجنة ستدعو وزارتي الاتصالات والمالية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة، متسائلاً عن الخطوات التي ستُعتمد لوقف الهدر، وعن الجهات التي ستتحمّل مسؤولية الخسائر المالية المتراكمة. وتكتسب هذه المطالب أهمية إضافية في ظل الضغوط المالية التي تواجهها الدولة اللبنانية، والحاجة إلى حماية إيراداتها وتعزيز الرقابة على القطاعات التي تستثمر فيها أموالاً وأصولاً عامة.
شبكات غير شرعية وخسائر مستمرة
يتجاوز ملف الإنترنت غير الشرعي مسألة المخالفات التقنية، إذ يرتبط بتنظيم السوق وضمان خضوع الشركات والموزعين للقواعد القانونية والمالية المعتمدة. وأوضح ياسين أن الجهات العاملة في القطاع متعددة، بدءاً من شركات نقل المعلومات، وعددها ست شركات رسمية، مروراً بمزوّدي خدمات الإنترنت وشركات التوزيع، وصولاً إلى ما يُعرف بـ«ديوك الحي»، في إشارة إلى الجهات التي تدير شبكات توزيع محلية خارج الأطر القانونية.
ولفت إلى أن المراسيم التنظيمية وتعديلاتها تحدّد ثلاث فئات من الشبكات غير الشرعية، ما يتيح تحديد الإجراءات المناسبة لمعالجة أوضاعها ونقلها إلى المنظومة القانونية. وشدد على ضرورة تطبيق الأحكام ذات الصلة بصورة كاملة، بما يضمن ضبط السوق وحماية حقوق الدولة والحد من استمرار المخالفات التي تحرم الخزينة من إيراداتها.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات حول آليات الرقابة على شبكات توزيع الإنترنت، ومدى التزام الجهات المعنية بالتراخيص والشروط التنظيمية، فضلاً عن دور الوزارات والمؤسسات المختصة في متابعة المخالفات. كما تضع الجهات المسؤولة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحويل النصوص القانونية القائمة إلى إجراءات تنفيذية ملموسة.
إصلاح القطاع قبل إطلاق مشاريع جديدة
اعتبر ياسين أن معالجة ملف الإنترنت غير الشرعي وإصلاح الاختلالات القائمة يجب أن يتقدما على إطلاق مبادرات جديدة في قطاع الاتصالات، متسائلاً عن جدوى إنشاء شركة اتصالات وطنية، مثل «ليبون تيليكوم»، في ظل وجود أكثر من مليون مشترك خارج المنظومة القانونية، وفق الأرقام التي أشار إليها.
ورأى أن استمرار هذا الوضع يثير علامات استفهام بشأن الأولويات المعتمدة في إدارة القطاع، خصوصاً مع وجود خسائر مالية وعدم الاستفادة الكاملة من البنية التحتية التي تملكها الدولة. وأكد أن معالجة المخالفات القائمة ينبغي أن تشكّل خطوة أساسية قبل الانتقال إلى مشاريع جديدة تتطلب تحديداً واضحاً للأهداف والكلفة والجدوى الاقتصادية.
كما أثار ملف الألياف الضوئية التي مُدّت في بيروت ومناطق لبنانية أخرى، مشدداً على ضرورة تفعيل هذه الشبكة والاستفادة منها لمصلحة الدولة اللبنانية. وتبرز هذه المسألة في سياق النقاش بشأن كيفية توظيف البنية التحتية العامة لتحسين خدمات الإنترنت وزيادة الإيرادات، بدلاً من استمرار وجود شبكات تعمل خارج الأطر القانونية.
علامات استفهام حول «ليبون تيليكوم» وإدارة الشركتين
انتقد مقرر لجنة الاتصالات النيابية التوجّه إلى تلزيم إدارة شركتي «تاتش» و«ألفا»، بالتوازي مع مشروع إنشاء «ليبون تيليكوم»، معتبراً أن هذه الخطوات تثير إشكاليات قانونية تستوجب توضيحها قبل المضي في التنفيذ.
واستند ياسين إلى المادة 44، ولا سيما الفقرتين الرابعة والخامسة، من القانون رقم 431، مشدداً على ضرورة تحديد أهداف الشركة الجديدة وطبيعة عملها والوظائف التي ستتولاها، قبل الانتقال إلى تقييم أصول الدولة أو شرائها أو نقلها إليها.
وتساءل عن الغاية الفعلية من إنشاء الشركة والمهام التي ستُناط بها، معتبراً أن تقييم أصول الدولة لا ينبغي أن يسبق تحديد هوية المؤسسة الجديدة وأهدافها وآلية عملها. ويضع هذا الطرح مشروع «ليبون تيليكوم» أمام مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالإطار القانوني والاقتصادي، وكيفية إدارة الأصول العامة وضمان استخدامها بما يحقق المصلحة العامة.
ويشير موقف ياسين إلى ضرورة الفصل بين إصلاح الاختلالات القائمة في القطاع وبين إعادة هيكلة المؤسسات أو إطلاق شركات جديدة، بما يضمن وضوح الصلاحيات والمسؤوليات، ويحول دون اتخاذ قرارات إدارية أو مالية قبل استكمال المتطلبات القانونية اللازمة.
مساءلة الوزراء ومطالب بتحديد المسؤوليات
أكد ياسين أن لجنة الاتصالات النيابية ستواصل متابعة ملف الإنترنت غير الشرعي ومساءلة الوزراء المعنيين بشأن الإجراءات المتخذة لمعالجته. وأشار إلى أن اللجنة سبق أن وجّهت أسئلة إلى الوزير السابق، وستواصل مساءلة الوزير الحالي، مشدداً على أن القضية لن تُترك من دون متابعة.
وقارن واقع الشبكات غير الشرعية بحالات التفلت التي يشهدها عدد من القطاعات الأخرى، ومنها قطاع المولدات الكهربائية، لكنه اعتبر أن خصوصية ملف الاتصالات تكمن في وجود مراسيم تنظيمية واضحة أعدّتها وزارة الاتصالات وأقرّها مجلس الوزراء. وتساءل عن أسباب عدم
تطبيق هذه النصوص، رغم أنها تحدّد الأطر القانونية لمعالجة المخالفات.
كما أشار إلى أن تقرير ديوان المحاسبة سلّط الضوء على مسؤوليات مرتبطة بالملف، من بينها مسؤولية أربعة وزراء، وفق ما ذكره. وشدد على أن هذه المعطيات تستدعي تحديد المسؤوليات بدقة، والتحقق من أوجه التقصير، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من تثبت مسؤوليته عن الخسائر التي لحقت بالمال العام.
ويضع هذا الملف الجهات الحكومية المعنية أمام استحقاق يتعلق بتنفيذ المراسيم النافذة، وتوضيح أسباب التأخير، والكشف عن التدابير التي ستُعتمد لمعالجة المخالفات واسترداد حقوق الدولة. كما يعيد فتح النقاش بشأن فعالية الرقابة الإدارية والمالية على قطاع الاتصالات، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على منع تكرار الخسائر.
من التقرير إلى المحاسبة
تتمثل القضية الأساسية في قدرة الجهات الرسمية على الانتقال من رصد المخالفات وتحديد الخسائر إلى تنفيذ إجراءات فعلية تنهي عمل الشبكات غير القانونية، وتضمن خضوع العاملين في القطاع للأطر التنظيمية المعتمدة. فوجود المراسيم وحده لا يكفي، ما لم يقترن بتطبيقها ومتابعة تنفيذها ومحاسبة الجهات التي يثبت تقصيرها.
وختم ياسين بالتأكيد على ضرورة وقف الهدر واستعادة حقوق الدولة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن الخسائر التي تكبّدتها الخزينة العامة. وبين مطالب لجنة الاتصالات النيابية وما كشفه تقرير ديوان المحاسبة، يبقى التحدي الأساسي في ترجمة المعطيات الواردة في التقرير إلى خطوات تنفيذية واضحة، تحدّ من المخالفات وتحمي المال العام وتضع قطاع الاتصالات على مسار إصلاحي أكثر شفافية.