ملف شائك
يتجدد الجدل حول قرى الغمر في ريف الحسكة شمال شرقي سوريا، مع تصاعد مطالب عائلات كردية باستعادة أراضٍ تقول إنها تعود إليها. وتعود جذور القضية إلى سبعينيات القرن الماضي، حين نُقلت عائلات عربية من مناطق في ريفَي الرقة وحلب غمرتها مياه بحيرة الفرات، وأسكنت في قرى بمحافظة الحسكة.
وبعد نحو خمسة عقود، لا تزال ملكية الأراضي والقرارات التي نُقلت أو خُصصت بموجبها محل خلاف، وسط مخاوف من أن تؤدي المعالجة غير المدروسة إلى تهديد استقرار السكان أو تأجيج التوتر بين المكونات المحلية. كما يتقاطع الملف مع إرث مشروع «الحزام العربي» وسياسات تغيير التركيبة السكانية في مناطق حدودية ذات غالبية كردية.
اقرأ أيضاً: من أزمة البنزين إلى عقود النفط.. ما الذي ينتظر رئيس «السورية للبترول» الجديد؟
جذور تعود إلى السبعينيات
في ربيع عام 1974، انتقلت عائلات من ريف الرقة الغربي إلى بلدة القحطانية في ريف الحسكة، بعد حصولها على أراضٍ زراعية تعويضاً عن ممتلكات غمرتها مياه بحيرة الفرات. ويقول أحد السكان إن العائلات سُجلت لدى جهات حكومية قبل نقلها بمركبات رسمية، وإن السلطات قدمت لها مساعدات مالية وغذائية لتجاوز الفترة الأولى من الاستقرار.
وبحسب روايته، كانت بعض الأراضي المخصصة للعائلات قد انتقلت إلى ملكية الدولة بموجب إجراءات الإصلاح الزراعي. ويرى أن الكرد الذين يقولون إن أراضيهم انتُزعت منهم، والعائلات العربية التي فقدت ممتلكاتها بسبب الغمر، تضرروا من قرارات تلك المرحلة، داعياً إلى تعويض المتضررين من الطرفين.
وتتوزع قرى الغمر على مناطق القامشلي والمالكية ورأس العين، حيث استقرت العائلات الوافدة منذ سبعينيات القرن الماضي.
بين الملكية والاستقرار
يقول أحد السكان في ريف القامشلي الغربي إن وصول العائلات المعروفة باسم «المغمورين» أسهم في تقليص ملكيات تعود إلى كرد سوريين، بعد تخصيص أجزاء من أراضيهم، أو مساحاتها كاملة، لعائلات وافدة.
ويؤكد أن تسوية الملف تتطلب مراجعة السجلات العقارية والقرارات المتعلقة بنقل الملكية أو تخصيص الأراضي، وتحديد الحقوق التي يمكن إثباتها بالوثائق. ويحذر في الوقت نفسه من ترك القضية للمطالبات الشعبية والتحركات المنفردة، لما قد تسببه من توتر بين سكان تعايشوا لعقود.
في المقابل، تخشى العائلات العربية المقيمة من تداعيات أي تغييرات على مستقبلها، خصوصاً أن الزراعة تمثل مصدر رزق رئيسياً لكثير منها. ويبرز التحدي في استعادة الحقوق التي تثبت قانونياً، مع مراعاة الأوضاع المعيشية والإنسانية للسكان الحاليين.
العودة والتعويض
تتضمن المقترحات المطروحة مراجعة الإجراءات السابقة المتعلقة بالأراضي، وإعادة الحقوق إلى أصحابها وفق الوثائق القانونية، إلى جانب بحث إمكانية عودة العائلات إلى مناطقها الأصلية في ريفَي الرقة وحلب.
وتحتاج أي تسوية، وفق هذه الرؤية، إلى تشريعات واضحة ولجان مختصة لتدقيق الملكيات وتحديد أصحاب الحقوق، إذ لا تقتصر الأراضي المعنية على ملاك من الكرد، بل تشمل مكونات أخرى أيضاً.
كما تشمل المقترحات تعويض العائلات التي غمرتها مياه الفرات عن خسائرها الزراعية ومنازلها التي لم تعد قائمة، مع توفير مقومات السكن والاستقرار إذا طُرحت العودة خياراً. ويُفترض أن تتزامن هذه الخطوات مع مراجعة ملكيات الأراضي في الحسكة، بما يقلل احتمالات نشوء نزاعات جديدة حول السكن ومصادر الدخل.
السجلات والقضاء
يرى مختصون قانونيون أن حسم النزاعات يتطلب العودة إلى السجلات العقارية والوثائق الرسمية، والتحقق من أصل الملكية وطبيعة تخصيص الأراضي والقرارات التي نظمت انتقالها أو الانتفاع بها.
ويحدد قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 لعام 1958 وتعديلاته إطاراً لتنظيم الملكية الزراعية، لكن تحديد الوضع القانوني لكل عقار يستلزم مراجعة مستقلة للقرارات والوثائق المرتبطة به، ومدى توافقها مع التشريعات النافذة وقت صدورها.
وتشمل المعالجة المقترحة حصر الأراضي وتدقيق القيود العقارية ومراجعة قرارات الاستيلاء والتخصيص والتعويض، مع إحالة النزاعات التي يتعذر حلها إدارياً إلى القضاء المختص.
ويشدد مختصون على ضرورة التمييز بين ملكية العقار وحقوق الانتفاع أو الإشغال أو التخصيص؛ فالإقامة لعقود لا تمنح بالضرورة حق الملكية، كما أن المطالبة بملكية أصلية لا تكفي وحدها لاسترداد الأرض من دون إثبات قانوني. كما ينبغي الفصل بين الحقوق الوطنية والمدنية للكرد والحقوق العقارية، إذ يخضع كل ملف لنطاق قانوني مختلف.
موقف حكومي حذر
في نهاية أيلول الماضي، بحث مسؤولون في محافظة الحسكة مع وفد من عشائر الغمر أوضاع الأراضي الزراعية والإشكالات المرتبطة بحراثة بعض المزارعين لأراضيهم، خلال اجتماع في القامشلي تناول سبل معالجة الخلافات وفق الأطر المعتمدة.
وأكد المشاركون رفض أي تصرف يمس الأمن والسلم الأهلي، فيما شددت الجهات الأمنية على حماية الممتلكات العامة والخاصة والحفاظ على الاستقرار.
وفي المقابل، أشارت جهة إعلامية في المحافظة إلى أن فتح الملف لا يزال مبكراً، في ظل مرحلة دمج المؤسسات المحلية بمؤسسات الدولة، موضحة أن القضية تقع ضمن صلاحيات الوفد الرئاسي ومسؤولي المحافظة، وأن الإجراءات ستُعلن في حال بدء معالجتها رسمياً.
تسوية تحفظ الحقوق
يبقى ملف قرى الغمر اختباراً لقدرة السلطات على معالجة إرث قرارات سابقة خلّفت مطالبات متعارضة ومخاوف اجتماعية. ولا يقتصر الحل على استعادة الأراضي أو تثبيت أوضاع العائلات المقيمة، بل يتطلب التحقق من الملكيات، ومراجعة القرارات، وتعويض المتضررين، والاحتكام إلى القضاء عند الضرورة.
وتبرز الحاجة إلى آلية شفافة تضمن حق جميع الأطراف في تقديم وثائقهم ومطالباتهم، وتمنع فرض الأمر الواقع أو تحويل الخلاف العقاري إلى مواجهة بين المكونات المحلية. فالتسوية المستدامة تقوم على إثبات الحقوق قانونياً، مع ضمانات تحمي الاستقرار وكرامة السكان.