حروب بلا حسم.. كيف تستنزف سياسات ترامب قوة أمريكا

2026.10.18 - 14:37
Facebook Share
طباعة

حروب متشابكة وضغوط متصاعدة
تواجه الولايات المتحدة ضغوطاً متزايدة مع استمرار الحروب وتداخل تداعياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، في وقت تثير فيه سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على التأثير في مسارات الصراعات، والحفاظ على تماسك تحالفاتها، واحتواء الانعكاسات الاقتصادية داخل البلاد.
وتسلط ثلاثة مقالات نشرتها صحيفة «آي بيبر» البريطانية وصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية الضوء على هذه التحديات، من خلال تناول الحروب الممتدة، والتحولات في السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا، وتداعيات القرارات الاقتصادية والعسكرية على الداخل الأمريكي.
وتتقاطع هذه القراءات عند مسألة أساسية: لم يعد التفوق العسكري والاقتصادي كافياً لضمان حسم الصراعات سريعاً، بينما تتزايد كلفة المواجهات على الدول المنخرطة فيها، وتنعكس قرارات السياسة الخارجية بصورة متزايدة على الاستقرار الداخلي والعلاقات مع الحلفاء.

اقرأ أيضاً: الديزل مقابل العقوبات.. قرار ترامب يفتح جبهة خلاف مع أوكرانيا والكونغرس


حروب طويلة بلا انتصارات سريعة
في مقال بعنوان «الحروب الأبدية تتراكم، وترمب لا يستطيع الإفلات منها»، يرى الكاتب باتريك كوكبيرن، في صحيفة «آي بيبر» البريطانية، أن الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط واليمن تعكس تحولات أوسع في النظام الدولي، بعدما تجاوزت آثارها ساحات القتال لتطال أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي والحسابات السياسية الداخلية.
ويشير المقال إلى الصعوبات التي تواجهها القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، في تحقيق حسم عسكري سريع أمام خصوم يمتلكون موارد أقل، لكنهم قادرون على إطالة المواجهات ورفع تكلفتها.
ويعزو الكاتب جانباً من هذا التحول إلى انتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة الأقل تكلفة نسبياً، التي أتاحت لخصوم القوى الكبرى استهداف منشآت حيوية وفرض أعباء إضافية على منظومات الدفاع وحماية القواعد العسكرية والبنية التحتية.
وتُظهر هذه التطورات، وفق قراءة المقال، أن التفوق العسكري التقليدي لا يضمن منع الخصم من إلحاق أضرار استراتيجية، ما يزيد احتمالات استمرار الحروب ويجعل كلفة تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية أعلى.


القوى المتوسطة أمام خطر التهميش
لا تقتصر تداعيات التحولات الدولية على القوى الكبرى، إذ تواجه دول متوسطة الحجم مخاطر متزايدة على مصالحها الاقتصادية والسياسية، من دون أن تمتلك بالضرورة القدرة على التأثير في مسارات الأزمات.
ويستحضر المقال دعوة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى تعزيز التنسيق بين دول، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا والهند والبرازيل وأستراليا، لتجنب تهميشها في نظام دولي تتزايد فيه النزعة الأحادية.
لكن تحويل المصالح المشتركة لهذه الدول إلى قوة سياسية مؤثرة لا يزال يواجه تحديات، في ظل استمرار تنافس القوى الكبرى وهيمنة الأطراف المنخرطة في الصراعات على تحديد مساراتها.
وفي هذا السياق، تثير سياسات ترامب المتقلبة تساؤلات بشأن استقرار الالتزامات الأمريكية تجاه الحلفاء، وحدود قدرة واشنطن على فرض رؤيتها في ملفات دولية متشابكة.


أوكرانيا في قلب الاضطراب الأمريكي
في الملف الأوكراني، تنتقد افتتاحية لصحيفة «واشنطن بوست» ما وصفته بالفوضى في السياسة الأمريكية تجاه الحرب، ولا سيما القيود المرتبطة بالاتصالات العسكرية الفضائية الأوكرانية، بالتزامن مع ضغوط على كييف لوقف الهجمات على منشآت النفط الروسية.
وترى الافتتاحية أن هذه الإجراءات أثرت في بعض القدرات العسكرية الأوكرانية، بما فيها أنظمة الطائرات المسيّرة المستخدمة في اعتراض الهجمات وحماية المدن، من دون أن يتضح أنها حققت الهدف المتمثل في الحد من الضربات الأوكرانية على المنشآت الروسية.
كما يشير المقال إلى اضطرابات في خدمة الاتصالات الفضائية «ستارشيلد»، التابعة لشركة «سبيس إكس»، تزامنت مع تكثيف روسيا هجماتها على البنية التحتية الأوكرانية. ووفق الأرقام التي أوردها المقال، تسببت الهجمات في انقطاع الكهرباء عن نحو 600 ألف شخص، إلى جانب أضرار طالت منشآت الطاقة واضطرابات في إمدادات المياه ببعض مناطق كييف.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات بشأن الجهة التي اتخذت قرار تقييد الخدمة وأسبابه، في ظل تضارب الروايات حول دور البيت الأبيض وإيلون ماسك، ونفي ترمب مسؤوليته عن القرار.


ازدواجية في إدارة الحرب
تنتقد الافتتاحية المقاربة الأمريكية التي تضغط على أوكرانيا لتقييد هجماتها، من دون ضمان التزامات روسية مقابلة بشأن وقف استهداف المدن والمنشآت الحيوية.
كما تعتبر أن تعليق تطبيق بعض العقوبات المفروضة على صادرات روسية وشخصيات روسية يثير تساؤلات حول اتساق السياسة الأمريكية، خصوصاً إذا تزامن تخفيف الضغط على موسكو مع تقليص بعض القدرات الدفاعية الأوكرانية.
وتحذر الصحيفة من أن تراجع الثقة الأوروبية في الاعتماد على التقنيات الأمريكية قد يدفع دولاً في القارة إلى تسريع تطوير بدائل مستقلة في مجالات الاتصالات والأقمار الصناعية العسكرية، بما قد يقلل اعتمادها على واشنطن على المدى الطويل.
ويمتد أثر هذه الخيارات، وفق هذا الطرح، إلى ما هو أبعد من ميدان المعركة، ليطال الثقة السياسية والتعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين.


ارتدادات القرارات على الداخل الأمريكي
أما مقال كيت أندروز في صحيفة «واشنطن بوست»، فيتناول التداعيات الداخلية لسياسات ترمب الاقتصادية والعسكرية، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وترى الكاتبة أن النهج القائم على إحداث تغييرات حادة في العلاقات الدولية بدأ يواجه ضغوطاً داخلية، بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار الحرب مع إيران، وتراجع الثقة بالآفاق الاقتصادية.
ويستند المقال إلى دراسة لبنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، تفيد بأن الرسوم الجمركية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية عام 2025 أسهمت في زيادة تضخم أسعار السلع بنحو 2.9% بحلول فبراير/شباط 2026، وفق الأرقام الواردة فيه.
ويشير الطرح إلى أن الشركات الأمريكية تحملت جزءاً من تكاليف الرسوم، قبل نقل جانب منها إلى المستهلكين، خلافاً لتأكيدات الإدارة أن الدول الأجنبية تتحمل العبء الأكبر منها.
كما يربط المقال بين الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود، مشيراً إلى زيادة أسعار البنزين بنحو 50% والديزل بنحو 70%، وفق البيانات التي أوردها.


الاقتصاد والانتخابات تحت الضغط
تضع هذه التطورات إدارة ترمب أمام تحدي التوفيق بين وعود خفض الأسعار وتجنب الحروب المكلفة، وبين تداعيات القرارات التي تتخذها في ملفات التجارة والسياسة الخارجية والأمن.
يرى المقال أن الضغوط الاقتصادية قد تنعكس على شعبية الرئيس والحسابات الانتخابية للحزب الجمهوري، ولا سيما في الولايات المتأرجحة. غير أن هذه المؤشرات لا تحسم مسبقاً نتائج الانتخابات، بل تعكس حجم التحديات التي تواجه الحزب الحاكم مع اقتراب الاستحقاق.
وتبرز أهمية هذا الجانب في ظل الترابط المتزايد بين السياسة الخارجية والاقتصاد المحلي، إذ لم تعد تكاليف الحروب تقتصر على الإنفاق العسكري أو الخسائر الميدانية، بل باتت تمتد إلى أسعار الطاقة، والإنفاق الاستهلاكي، وثقة المستثمرين والناخبين. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4

اقرأ أيضاً