ترتيبات الحسكة الأمنية.. تباين إعلامي ومخاوف بشأن مستقبل السيطرة

2026.10.17 - 21:48
Facebook Share
طباعة

 تتواصل التساؤلات في محافظة الحسكة بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية والإدارية، مع تباين الروايات الإعلامية حول التعيينات والتحركات الجارية، في وقت لا تزال فيه عملية دمج المؤسسات والقوى الأمنية ضمن هياكل الدولة السورية تواجه أسئلة تتعلق بحدود الصلاحيات والمرجعيات القائمة على الأرض.

ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع احتجاجات شهدتها المدينة، وسط تداول منشورات من حسابات وناشطين محسوبين على قوات سوريا الديمقراطية «قسد» المنحلة، تقدم بعض التطورات باعتبارها مؤشرات على استمرار حضور كوادرها في المؤسسات المحلية، مقابل نقص التوضيحات الرسمية التفصيلية بشأن طبيعة هذه التعيينات وعلاقتها بمسار الدمج.

ولا يقتصر النقاش على طريقة عرض الأحداث، بل يمتد إلى تساؤلات لدى سكان المحافظة بشأن الجهة التي تتولى إدارة الملف الأمني، ومدى انتقال الصلاحيات إلى المؤسسات الحكومية، ووضع التشكيلات المسلحة التي لم يتضح بعد شكل اندماجها في الترتيبات الجديدة.

 

تباين الروايات وغياب التفاصيل الرسمية

يقول الناشط الإعلامي محمد الأحمد إن عدداً من الصحفيين والنشطاء المحسوبين على «قسد» ينشرون مواد متقاربة في مضمونها، تركز على تحركات كوادر سابقة وتعييناتها الإدارية والأمنية، بما يعزز في الخطاب المتداول صورة استمرار حضور هذه الكوادر في مؤسسات المحافظة رغم الإجراءات المعلنة لدمج المؤسسات والقوى الأمنية.

وفي المقابل، يرى الأحمد أن الرواية الحكومية لا تحضر بالمستوى نفسه في النقاش الإعلامي المحلي، في ظل عدم توافر توضيحات تفصيلية كافية بشأن الجهات التي تتبع لها التعيينات المتداولة، وطبيعة صلاحيات المسؤولين، ومدى ارتباط هذه الإجراءات بالقرارات الرسمية المتعلقة بالدمج.

وتظهر منشورات مؤيدين للحكومة السورية روايات أخرى عن التطورات الميدانية، لكنها تبقى متفرقة، بحسب الأحمد، ولا تقدم إجابات متكاملة عن الأسئلة المرتبطة بمستقبل الإدارة والأمن في الحسكة.

ويشير هذا التباين إلى ضرورة التمييز بين الوقائع الميدانية الموثقة والتفسيرات السياسية والإعلامية التي تقدمها الأطراف المختلفة، خصوصاً أن تداول أخبار التعيينات والتحركات لا يكفي وحده لتحديد حجم النفوذ الفعلي لأي جهة أو طبيعة الصلاحيات التي تحتفظ بها.

ويؤكد الأحمد أهمية التحقق من مصادر المعلومات ومقارنتها بالقرارات والإعلانات الرسمية، بدلاً من الاكتفاء بإعادة نشر مواقف الأطراف أو اعتماد رواية واحدة لتفسير التطورات.

 

أسئلة حول المرجعية الأمنية والإدارية

تتركز المخاوف المحلية على مدى التقدم الفعلي في نقل الصلاحيات إلى مؤسسات الدولة السورية، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات الحكومية والهياكل التي كانت تعمل ضمن الإدارة الذاتية، إضافة إلى الجهة المسؤولة عن الإشراف على الأجهزة الموجودة في المحافظة.

ويقول يوسف علي، وهو محامٍ من الحسكة، إن القلق لدى شريحة من الأهالي، ولا سيما من العرب، يرتبط بعدم وضوح مستقبل الترتيبات الأمنية والإدارية، والحاجة إلى معرفة الجهات التي تتولى إدارة الشؤون العامة والصلاحيات الممنوحة لها.

ويضيف أن السكان يحتاجون إلى وضوح بشأن المرجعيات القانونية والإدارية التي تخضع لها الجهات القائمة، وكيفية تطبيق القوانين على الجميع من دون تمييز على أساس الانتماء القومي أو الموقف السياسي.

ولا تقتصر هذه المطالب على تحديد المسؤوليات الأمنية، بل تشمل أيضاً ضمان وضوح آليات التعامل مع الشكاوى والخلافات، وتحديد الجهة التي يتحمل المسؤولون أمامها مسؤولية قراراتهم وإجراءاتهم.

وفي ظل غياب معلومات تفصيلية كافية، تبقى بعض التفسيرات المتداولة بشأن استمرار نفوذ كوادر سابقة أو انتقال الصلاحيات إلى المؤسسات الحكومية بحاجة إلى توثيق، بما يسمح بتقييم واقع الإدارة بعيداً عن الاستنتاجات التي تستند إلى المنشورات وحدها.

 

تعدد التشكيلات الأمنية يعقد المشهد

يتزامن الجدل الإعلامي مع مرحلة انتقالية تشهد توسعاً تدريجياً في انتشار قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية في الحسكة، بالتوازي مع استمرار وجود أشخاص عملوا سابقاً ضمن الهياكل المرتبطة بـ«قسد»، سواء في أطر رسمية أو خارجها.

كما تشير المعلومات الواردة من المحافظة إلى استمرار وجود مجموعات مسلحة لم يتضح مدى اندماجها الفعلي في الترتيبات الأمنية الجديدة، مع احتفاظ بعضها بالسلاح ونشر مقاطع مصورة لاستعراض القوة وبيانات تتحدث عن مواصلة نشاطها.

ويطرح هذا الواقع أسئلة بشأن العلاقة بين هذه المجموعات والمرجعيات الأمنية القائمة، ومدى خضوعها لإشراف المؤسسات الحكومية، وطبيعة الإجراءات المتخذة لتنظيم وجودها ضمن الترتيبات الجديدة.

ولا يمكن تحديد الوضع القانوني أو التنظيمي لكل مجموعة استناداً إلى مقاطع الفيديو والبيانات وحدها، إذ يتطلب ذلك معلومات موثقة بشأن تبعيتها وقرارات دمجها أو وضعها ضمن المنظومة الأمنية.

ويجعل تعدد الجهات والتشكيلات الموجودة على الأرض توضيح المرجعيات والصلاحيات أمراً أساسياً لفهم مسار الانتقال الأمني في المحافظة، خصوصاً في ظل استمرار التساؤلات بشأن حدود مسؤولية كل جهة وآليات التنسيق بينها.

 

مخاوف من انعكاسات التوتر على السلم الأهلي

يرى يوسف علي أن التباين في المواقف السياسية والإعلامية بشأن مستقبل السيطرة في الحسكة يتقاطع مع مخاوف لدى السكان من انعكاس التوتر على العلاقات بين المكونات الاجتماعية في المحافظة.

ويشير إلى أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب ضمان التعامل مع الخلافات والشكاوى وفق قواعد واضحة، بعيداً عن ربط الحقوق والخدمات والمساءلة بالانتماء القومي أو الموقف السياسي.

من جانبه، يقول الناشط المدني علي الجلاد إن التطورات الأخيرة تثير تساؤلات بشأن تأثير الخلافات السياسية والأمنية على السلم الأهلي، في ظل تعدد المواقف من الترتيبات القائمة.

ويضيف الجلاد أن التعامل مع هذه المخاوف ينبغي أن يتجنب التعميم على المكونات الاجتماعية، وأن يتيح للسكان التعبير عن مطالبهم وملاحظاتهم من دون تحويل الخلافات السياسية إلى أحكام جماعية بحق أي مكون.

وتكتسب هذه المسألة أهمية في محافظة تضم مكونات اجتماعية متعددة، إذ إن غموض المسؤوليات وتضارب المعلومات قد يفتحان المجال أمام تفسيرات متباينة للتطورات، بينما يتطلب احتواء التوتر توفير معلومات موثوقة وآليات واضحة لمعالجة الخلافات.

 

مسار الدمج من الاتفاق إلى التنفيذ

شهدت الحسكة خلال مطلع عام 2026 تغيرات ميدانية، تمثلت بسيطرة الجيش السوري على مناطق في الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الأرياف الغربية، فيما انكفأت «قسد» إلى المدن الرئيسية في المحافظة، وفي مقدمتها الحسكة والقامشلي.

وأوجدت هذه التحولات واقعاً إدارياً وأمنياً معقداً، في ظل تداخل الهياكل القائمة واختلاف المرجعيات التي عملت ضمنها المؤسسات والقوى الموجودة في المحافظة.

وفي 29 كانون الثاني 2026، اتفقت الحكومة السورية و«قسد» على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن الهياكل الوزارية الحكومية، وبدأ تنفيذ العملية تدريجياً خلال شباط، وفق المعطيات الواردة بشأن الاتفاق.

وفي 25 آب، أعلن مظلوم عبدي حل «قوات سوريا الديمقراطية» والتشكيلات التابعة لها، قبل أن يصدر الرئيس أحمد الشرع، في 27 آب، مرسوماً بتعيين عبدي مستشاراً في رئاسة الجمهورية.

لكن هذه التطورات لا تحسم وحدها جميع الأسئلة المتعلقة بكيفية تنفيذ الدمج على الأرض، أو وضع الأفراد والتشكيلات التي عملت سابقاً ضمن الهياكل المرتبطة بـ«قسد»، أو طبيعة الصلاحيات التي انتقلت فعلياً إلى المؤسسات الحكومية.

 

توضيحات مطلوبة لحسم الأسئلة العالقة

تتمحور أبرز الأسئلة المطروحة في الحسكة حول مدى تنفيذ اتفاق الدمج، والجهات التي تشرف على المؤسسات الأمنية والإدارية، وطبيعة العلاقة بين قوات الأمن الداخلي الحكومية والأفراد الذين عملوا سابقاً ضمن الهياكل الأمنية للإدارة الذاتية، إضافة إلى مصير المجموعات المسلحة التي لم يتضح وضعها التنظيمي.

كما يتصل جانب من هذه الأسئلة بقدرة الصحفيين والسكان على الوصول إلى معلومات رسمية تسمح بالتحقق من الأخبار المتداولة، ومقارنة الروايات الإعلامية بالقرارات والإجراءات المعلنة.

وفي ظل استمرار التباين الإعلامي وتعدد التشكيلات الموجودة على الأرض، يبقى توضيح المرجعيات والصلاحيات وتقديم معلومات موثقة عن مراحل الدمج من أبرز العوامل اللازمة لفهم طبيعة المرحلة التي تمر بها الحسكة، وتقييم انعكاساتها على الاستقرار والعلاقات بين السكان.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9

اقرأ أيضاً