عاد الملياردير الأمريكي إيلون ماسك إلى واجهة الاهتمام بعد كشفه عن نسخة من سيارة «تسلا رودستر» مزودة بمحركات دفع تتيح لها الارتفاع عن الأرض والهبوط، في استعراض تقني يتزامن مع استمرار الجدل حول مواقفه السياسية وعلاقته بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وما ترتب على هذا التحالف من تداعيات داخل الولايات المتحدة.
ويضع الإعلان الجديد ماسك أمام مفارقة تتجاوز حدود الابتكار الهندسي؛ فبينما تواصل شركاته تطوير تقنيات تستهدف تغيير النقل واستكشاف الفضاء والذكاء الاصطناعي، باتت مواقفه السياسية حاضرة بقوة في تقييم صورته العامة، وسط انقسام بين من يراه رائداً تكنولوجياً ومن يعتبره أحد أبرز وجوه نفوذ أصحاب المليارات في صناعة القرار الأمريكي.
وقال أندرو سيليباك، المتخصص في شبكات التواصل الاجتماعي بجامعة فلوريدا، إن ماسك يعمل على تحقيق تصورات ارتبطت منذ خمسينيات القرن الماضي بمستقبل البشرية، مثل السفر إلى الفضاء والسيارات الطائرة، لكنه أشار إلى أن هذه الإنجازات قد لا تحظى بالقدر المتوقع من الاهتمام والإعجاب.
ابتكارات تتجاوز حدود السيارات
لا تقتصر طموحات ماسك على قطاع السيارات الكهربائية، إذ تواصل شركة «سبيس إكس» العمل على تطوير مركبات فضائية تستهدف خفض كلفة الوصول إلى المدار وتمهيد الطريق لرحلات مستقبلية إلى المريخ.
وفي تطور مرتبط بهذا المسار، بلغ صاروخ «ستارشيب» المدار الفضائي في 28 أيلول الماضي، وفق المعلومات الواردة، ونشر 26 قمراً اصطناعياً تابعاً لشبكة «ستارلينك»، قبل أن يهبط في المحيط الهادئ. وتمثل هذه الخطوة جزءاً من سلسلة الاختبارات التي تسعى الشركة من خلالها إلى تطوير قدرات الإطلاق الفضائي.
لكن التوسع التكنولوجي للشركات التابعة لماسك لا ينفصل عن الاستخدامات العسكرية والسياسية لبعض خدماتها. فقد أبدت أوكرانيا مخاوف بشأن اضطرابات في شبكة «ستارشل드»، النسخة العسكرية من «ستارلينك»، التي تعتمد عليها قواتها المسلحة في الاتصالات خلال الحرب مع روسيا.
وتكشف هذه القضية عن حساسية الدور الذي تؤديه تقنيات الاتصالات الفضائية في النزاعات، إذ لا تقتصر أهميتها على الابتكار التجاري، بل تمتد إلى العمليات العسكرية وقدرة الدول على تأمين الاتصالات في ظروف الحرب.
وفي مجال آخر، تحولت منصة «إكس»، التي استحوذ عليها ماسك عام 2022، إلى ساحة رئيسية للنقاشات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والسياسة والهجرة، كما أصبحت تصريحاته الشخصية جزءاً من الجدل الذي يرافق نشاط شركاته.
تحالف مع ترمب يثير الانقسام
سياسياً، استعادت العلاقة بين ماسك وترمب مسارها السابق بعد خلاف نشب بينهما عقب مغادرة الملياردير العمل الحكومي في أيار من العام الماضي. وجاء التقارب في وقت لا تزال فيه آثار السياسات التي دعمها ماسك خلال مشاركته في إدارة ترمب موضع جدل، خصوصاً ما يتعلق بخفض الإنفاق العام وتقليص الوظائف في المؤسسات الفدرالية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
وفي مؤشر على عودة التقارب، منح ترمب ماسك الأسبوع الماضي أرفع وسام علمي في الولايات المتحدة، واصفاً إياه بأنه «كنز وطني» وشبّهه بالمخترع توماس إديسون.
غير أن هذا التكريم لم ينهِ الانتقادات الموجهة إلى الملياردير، إذ يرى منتقدون أن دعمه السياسي لترمب، ومشاركته في الدفع نحو تقليص مؤسسات وبرامج حكومية، جعلا تقييمه يتجاوز أداء شركاته إلى مواقفه من دور الدولة والإنفاق العام والهجرة.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح على منصة «إكس»، حيث تتجاور منشورات ماسك المتعلقة بالصواريخ وروبوتات سيارات الأجرة والذكاء الاصطناعي مع تصريحات مثيرة للجدل بشأن الهجرة وقضايا اليمين المتطرف. ونتيجة لذلك، يصعب فصل صورته بوصفه رجل أعمال تكنولوجياً عن حضوره السياسي وتأثيره في النقاش العام.
أموال الانتخابات ونفوذ التكنولوجيا
يمتد دور ماسك السياسي إلى تمويل الحملات الانتخابية؛ إذ أنفق ما لا يقل عن 276 مليون دولار لدعم مرشحين جمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من تشرين الثاني المقبل، مع تخصيص نحو 158 مليون دولار لولاية تكساس، بحسب الأرقام الواردة في التقرير.
ويأتي هذا الإنفاق في وقت تشير فيه استطلاعات انتخابية، وفق المعلومات المتاحة، إلى تقدم مرشح ديمقراطي لمجلس الشيوخ في تكساس على منافسه الجمهوري، ما يسلط الضوء على الرهانات السياسية المرتبطة بتوجيه الأموال إلى سباقات انتخابية محددة.
ويرى معلقون من اليسار أن ماسك بات يمثل تقاطعاً بين مصالح ترمب ونفوذ أصحاب الثروات في قطاع التكنولوجيا، أكثر مما يمثل نموذجاً لمخترع يسعى إلى توظيف قدراته حصراً لخدمة البشرية. ويستند هذا النقد إلى تداخل مصالحه التجارية مع علاقاته السياسية، وإلى الدور الذي يؤديه تمويل الحملات في التأثير على المشهد الانتخابي.
وفي هذا السياق، يتناول فيلم وثائقي عن ماسك، يُعرض حالياً في دور السينما الأمريكية، شخصيته ومسيرته وعلاقته بالفوضى والمخاطرة. وقالت زوجته الأولى، جاستن ماسك، في حديث للصحفية كارا سويشر، إنه قادر على القفز من تلّة وابتكار مظلة أثناء سقوطه، مضيفة أنها تعتقد أنه يستمد طاقته من الفوضى.
كما أشارت إلى أنها تميل إلى افتراض وجود منطق وراء تصرفاته، لكنها طرحت احتمال أن تكون بعض تحركاته الاستعراضية نوعاً من التضليل أو المناورة.
مشروعات كبرى رهينة التمويل والموافقات
على الرغم من اتساع مشروعات ماسك، فإن شركاته تعمل ضمن منظومة تعتمد جزئياً على التمويل الحكومي والقرارات التنظيمية. فشركة «سبيس إكس» تستفيد من عقود بمليارات الدولارات مع وكالة الفضاء الأمريكية ووزارة الدفاع، فيما لا يزال التوسع في مشروع سيارات الأجرة ذاتية القيادة الذي تطوره «تسلا» مرتبطاً بالحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة.
وتضع هذه المعطيات مسيرة ماسك أمام اختبار مزدوج: مواصلة تحقيق تقدم تقني يبرر التوقعات المرتفعة المحيطة بمشروعاته، والحفاظ على ثقة الجمهور في ظل تصاعد الجدل حول مواقفه السياسية واستخدام نفوذه المالي.
وبين السيارة القادرة على الارتفاع عن الأرض والمشروعات الفضائية والرهانات الانتخابية، تتداخل لدى ماسك حدود الابتكار والأعمال والسياسة. وقد تمنح الإنجازات التقنية شركاته فرصاً جديدة للنمو، لكنها لا تضمن بالضرورة تراجع الانتقادات المرتبطة بخياراته السياسية أو فصلها عن تقييم إرثه العام.