البرلمان اللبناني في مئويته بين التاريخ والهوية الدستورية

2026.10.17 - 12:22
Facebook Share
طباعة

كتب الوزير السابق جورج كلاس: هل تكون سنة 2027 مئوية تأسيس البرلمان اللبناني بصيغته الكيانية الحالية؟ ولماذا لا يكون للمؤسسات الدستورية عيد سنوي؟

 

تشكل نشأة المؤسسات الدستورية في الكيان اللبناني، واختلاف تواريخ تأسيسها، مدخلاً لدراسة تطور الحياة الدستورية، وتحليل ما طرأ عليها من تعديلات وتحديثات في الاسم والمفهوم والدور والمعنى. فهل يتكرس حضور رئاسة الجمهورية والبرلمان ومجلس الوزراء من خلال الالتزام بأدوارها الدستورية فحسب؟ وما القيمة التي يضيفها تخصيص أعياد أو أيام وطنية لهذه المؤسسات؟

 

تكشف قراءة تاريخ المؤسسات الدستورية اللبنانية أن نشأة الدولة لا يمكن اختزالها في تاريخ واحد، فالكيان السياسي سبق الجمهورية، كما سبقت الجمهورية اكتمال المؤسسات الدستورية بصيغها المستقرة. ولا تقتصر أهمية هذه الفوارق الزمنية على اختلاف التواريخ، بل تكشف طبيعة التجربة اللبنانية ومسار انتقال البلاد من نشوء الكيان إلى بناء الدولة، ثم تثبيت مؤسساتها الدستورية وتوزيعاتها الطائفية.

 

في الأول من أيلول 1920، أُعلن قيام دولة لبنان الكبير، وهو التاريخ الذي يمثل بداية نشوء الكيان السياسي اللبناني بصيغته الحديثة.

 

مع صدور الدستور اللبناني في 23 أيار 1926، دخل لبنان مرحلة جديدة، إذ أصبح الكيان إطاراً لنظام دستوري يحدد السلطات والمؤسسات. وقد أكدت المادة 101 هذا التحول، فنصت على أن «ابتداءً من 1 أيلول 1926 تدعى دولة لبنان الكبير بالجمهورية اللبنانية». لذلك، ينبغي التمييز بين تاريخ صدور الدستور في 23 أيار 1926، بوصفه محطة تأسيس النظام الجمهوري دستورياً، والأول من أيلول 1926، بوصفه موعد اعتماد تسمية الجمهورية اللبنانية رسمياً وفق النص الدستوري.

 

يكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند تناول مفهوم الكيانية اللبنانية، التي لم تتشكل مكتملة في لحظة واحدة، بل تطورت عبر مراحل متعاقبة، ارتبطت كل منها بأسئلة سياسية ودستورية تتعلق بطبيعة السلطة، وحدود صلاحياتها، وآليات إدارة التعدد، وشروط بناء مؤسسات تضمن استمرارية الدولة واستقرارها.

 

يمثل تاريخ لبنان الدستوري، بهذا المعنى، مساراً انتقل فيه الكيان من الوجود السياسي إلى محاولة بناء دولة قادرة على تنظيم تعددها وضمان استمراريتها.

 

تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً عند دراسة نشأة المؤسسة التشريعية. فقد تعود الجذور الأولى للحياة التمثيلية إلى 22 أيلول 1920، مع إنشاء اللجنة الإدارية التي شكلت إحدى البدايات العملية للتمثيل في دولة لبنان الكبير. ثم أُنشئ المجلس التمثيلي للبنان الكبير في 8 آذار 1922، بموجب القرار رقم 1304 مكرر، لتبدأ مرحلة أكثر وضوحاً في الحياة النيابية والتشريعية.

 

مع صدور دستور 23 أيار 1926، أصبح التمثيل النيابي جزءاً رئيسياً من البناء الدستوري للدولة. ثم أسهم إلغاء مجلس الشيوخ عام 1927 في استقرار التسمية البرلمانية على مجلس النواب، قبل أن يبدأ في 18 تشرين الثاني 1928 أول مجلس يحمل هذه التسمية بصيغتها التي أصبحت لاحقاً جزءاً ثابتاً من النظام الدستوري اللبناني.

 

بناءً على هذا التسلسل، فإن اعتماد عام 1928 بدايةً لتاريخ مجلس النواب يستند إلى استقرار التسمية والصيغة المؤسسية، لكنه لا يلغي الجذور السابقة للحياة النيابية، الممتدة إلى عام 1920، مروراً بالمجلس التمثيلي عام 1922، وصولاً إلى الإطار الدستوري الذي أرساه دستور 1926.

لا يمثل هذا التدرج مجرد مسار إداري، بل يعبر عن محاولة بناء التمثيل السياسي داخل كيان شديد التنوع، يبحث عن صيغة تحفظ وحدته وتصون خصوصيات مكوناته التأسيسية.

 

أما مجلس الوزراء، فقد اكتسب موقعه الدستوري مع صدور دستور 23 أيار 1926، الذي نصت المادة 17 منه على إناطة السلطة الإجرائية به. وبدأت ممارسة الحكومة الدستورية عملياً مع تشكيل حكومة أوغست باشا أديب في 31 أيار 1926، لتكون أول حكومة في ظل النظام الدستوري الجديد.

 

يبرز هنا الفرق بين نشوء المؤسسة في النص الدستوري وبدء ممارستها الفعلية لصلاحياتها؛ فالأول يرتبط بصدور الدستور، فيما يتصل الثاني بتشكيل الحكومة ووضع النص الدستوري موضع التطبيق.

في السياق نفسه، يمكن فهم تتابع التسميات الأولى للمؤسسات الدستورية اللبنانية بوصفه جزءاً من عملية بناء الدولة. فقد انتُخب شارل دباس في 26 أيار 1926 أول رئيس للجمهورية، فيما ارتبطت البدايات البرلمانية بحبيب باشا السعد، الذي تولى رئاسة المجلس التمثيلي النيابي منذ 25 أيار 1922. أما أوغست باشا أديب، فقد شكل أول حكومة في مرحلة ما بعد صدور الدستور، ليكون أول رئيس للحكومة في النظام الدستوري اللبناني.

 

تتوزع لحظة التأسيس اللبنانية الحديثة على ثلاث حلقات متمايزة زمنياً: عام 1920، بوصفه محطة نشوء الكيان السياسي؛ وعام 1926، بوصفه مرحلة ولادة الجمهورية والنظام الدستوري؛ وعام 1928، بوصفه مرحلة تثبيت مجلس النواب بتسميته وصيغته المستقرة.

تستدعي هذه التواريخ دراسة تحليلية باعتبارها حلقات متكاملة في تاريخ بناء الدولة اللبنانية.

 

تكتسب هذه الوقائع دلالتها ضمن مفهوم «الكيانية القلقة»، الذي يتشكل في ظل النظام التوافقي والطائفي. فالقلق الكياني اللبناني لا يعني إنكار وجود لبنان ككيان، ولا اعتباره مجرد حادثة سياسية عابرة، بل يشير إلى التحديات التي رافقت تحويل وجوده السياسي إلى دولة مستقرة، قادرة على إدارة تعددها، وتحويل خصوصيات مكوناتها إلى مواطنة مشتركة، ضمن نظام برلماني يقوم على التكاملية في تركيبته وفلسفة دوره التشريعي والرقابي.

 

منذ التأسيس، واجه لبنان تحدي تثبيت وجوده السياسي، إلى جانب بناء مؤسسات قادرة على التعبير عنه وإدارة شؤونه بعدالة وميثاقية. وهكذا، انتقل تدريجياً من دولة لبنان الكبير عام 1920، إلى المجلس التمثيلي عام 1922، ثم إلى الدستور عام 1926، وصولاً إلى استقرار مجلس النواب بصيغته المعروفة عام 1928.

 

يكشف هذا المسار عن عملية متواصلة لبناء الكيانية اللبنانية؛ فالمؤسسة الدستورية ليست مجرد هيكل قانوني، بل إحدى أدوات تثبيت الكيان في الوعي السياسي والممارسة الوطنية. ومن هذا المنطلق، يشكل تاريخ المؤسسات الدستورية جزءاً أساسياً من تاريخ الكيانية القلقة، إذ أعادت كل مرحلة طرح العلاقة بين الكيان والدولة، وبين التعدد والمؤسسة، وبين الجماعة والمواطنة، وبين الخصوصية الوطنية والمرجعية الدستورية.

 

ينظم الدستور تكامل السلطات، في محاولة تاريخية لمنح الكيان اللبناني شكلاً مؤسسياً قادراً على حماية تنوعه وصون خصوصيات مكوناته، وترسيخ نظام سياسي يعبر عن طبيعة المجتمع اللبناني.

لا تنحصر أهمية العودة إلى هذه التواريخ، في مئوية الدستور والمؤسسات الدستورية، في الاحتفال بالسنوات، بل تمتد إلى استعادة المعاني التي تحملها. فالكيانية لا تُقاس بتاريخ إعلانها وحده، بل بقدرتها على إنتاج مؤسسات تحميها، كما أن الدولة لا تستقر إلا باستمرارية مؤسساتها واحترام قواعدها.

 

يتجاوز دور البرلمان كونه مجلساً منتخباً، ليشكل إحدى العلامات الأساسية على انتقال المجتمع من التمثيل الطائفي أو الأهلي إلى التمثيل الوطني، ضمن التكاملية اللبنانية التي تنظم التنوعات المجتمعية وتحفظ خصوصياتها.

إن التمييز بين تاريخ نشوء الكيان، وتاريخ إعلان الجمهورية، وتاريخ نشوء المؤسسات الدستورية بصيغتها الحالية، لا يقتصر على استعادة مناسبات تاريخية، بل يمثل ضرورة لفهم التجربة اللبنانية بطبيعتها التعددية والتكاملية.

يمثل عام 1920 لحظة ولادة الكيان السياسي الحديث، فيما شهد عام 1926 ولادة الجمهورية والنظام الدستوري، وجاء عام 1928 مرحلة لتثبيت مجلس النواب بتسميته المستقرة. وبين هذه المحطات، تتضح حقيقة لبنان ككيان نشأ قبل اكتمال دولته، وجمهورية احتاجت إلى دستور لتحديد مؤسساتها، ومؤسسات احتاجت إلى الزمن حتى تستقر في صيغتها العملية.

 

يجعل هذا المسار «الكيانية القلقة» مفهوماً تفسيرياً للتجربة اللبنانية، لا وصفاً لحالة عابرة. فالقلق هنا هو المسافة الدائمة بين وجود الكيان واكتمال الدولة، وبين النص الدستوري وممارسته، وبين قيام المؤسسة وقدرتها على أداء وظيفتها الوطنية.

كلما نجح لبنان في تثبيت مؤسساته الدستورية، اقترب من تحويل القلق الكياني إلى استقرار. أما تعطيل المؤسسات أو إخضاع الدولة لتوازنات تتجاوز الدستور، فيعيد السؤال الكياني إلى الواجهة.

 

لا تكون مئوية المؤسسات الدستورية اللبنانية، بناءً على ذلك، مجرد مناسبة لإحصاء السنوات، بل فرصة لإعادة قراءة المسار الذي انتقل فيه لبنان من كيان سياسي إلى جمهورية، ومن جمهورية إلى دولة دستورية، ومن مؤسسات ناشئة إلى مؤسسات يفترض أن تكون الضامن الفعلي لاستمرار الكيان.

فالتاريخ اللبناني ليس تاريخ إعلان فحسب، بل تاريخ تأسيس مستمر. ومن دون هذا التأسيس، تبقى الكيانية معرضة للقلق، ويبقى الوطن في حاجة دائمة إلى إثبات قدرته على صون وجوده وسيادته، وحماية تعدده ضمن وحدة مؤسساته.

تشكل هذه التوثيقات التاريخية ركائز أساسية لفهم أسباب القلق الكياني في لبنان، إذ تحول التواريخ من مجرد تسلسل للأحداث إلى مدخل لتحليل العلاقات بين الجماعات، والعمل على تصويبها، وتحويل التوافقات التي تحمي خصوصيات المكونات إلى عناصر داعمة للكيانية الوطنية، بما يعزز استقرار الدولة ويحصن وحدتها.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8

اقرأ أيضاً