بين المساعي الدبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي ومخاطر انزلاق لبنان إلى مواجهة جديدة، تكثّف الدولة اللبنانية اتصالاتها الداخلية والخارجية لفصل الوضع اللبناني عن أي حرب محتملة، ولا سيما في حال اتساع المواجهة مع إيران. وتتزايد المخاوف من استغلال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المرحلة المحيطة بانتخابات الكنيست لتوسيع نطاق التصعيد، بما يضع لبنان أمام تحديات أمنية وسياسية متشابكة.
أقرا أيضاً: غارات وتفجيرات إسرائيلية جنوب لبنان.. توغل جديد في كفرشوبا
في موازاة ذلك، تجاوزت تداعيات ملف شاحنة المتفجرات حدود التحقيق الأمني والقضائي، لتتحول إلى اختبار سياسي جديد للحكومة اللبنانية في ظل ضغوط أميركية متصاعدة لتشديد الإجراءات ضد حزب الله. وتواجه السلطات صعوبة في الموازنة بين المطالب الأميركية من جهة، والحاجة إلى ضمانات تحد من الاعتداءات الإسرائيلية وتخفف الأعباء عن لبنان من جهة أخرى.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية مطالب تتعلق بمحاسبة المسؤولين عن نقل شحنة المتفجرات وتمويلها، ورفض إعادتها إلى حزب الله. وشملت المطالب المطروحة بحث التواصل العسكري المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، إلى جانب إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955. وتفتح هذه المطالب نقاشاً يتجاوز معالجة الحادثة نفسها إلى طبيعة الخيارات السياسية والأمنية المطلوبة من لبنان، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من اتساع المواجهة على الحدود الجنوبية.
على خط موازٍ، تتجه الأنظار إلى زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ووزيرة الجيوش أليس روفو إلى بيروت، اليوم وغداً، لبحث مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في الأول من كانون الثاني 2027. وتتمحور المحادثات حول آليات استمرار الحضور الدولي وتفادي أي فراغ أمني، إلى جانب مواصلة دعم الجيش اللبناني ومواكبة تنفيذ الاتفاق الإطاري في مرحلة تزداد فيها الحاجة إلى تثبيت الاستقرار.
وتكتسب التحركات الفرنسية أهمية خاصة مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، وسط تساؤلات بشأن طبيعة الترتيبات التي يمكن اعتمادها لمراقبة الوضع الميداني ومنع تجدد المواجهات. ويبرز مستقبل القوة الدولية بوصفه أحد الملفات الأساسية في الاتصالات الجارية، في ظل مخاوف من أن يؤدي غيابها إلى إضعاف آليات مراقبة الحدود وتقليص فرص احتواء التوتر بين لبنان وإسرائيل.
وشدد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام، جان بيير لاكروا، في ختام زيارته إلى لبنان، على أهمية القرار الدولي 1701، محذراً من مخاطر التصعيد بعد انتهاء ولاية اليونيفيل. وأكد الحاجة إلى وجود طرف ثالث يسهم في منع تفاقم التوتر بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني، في وقت تتواصل فيه التساؤلات الأممية بشأن مستقبل الخط الأزرق والآليات التي ستضمن الاستقرار في الجنوب بعد مغادرة القوة الدولية.
ويثير انتهاء ولاية اليونيفيل مخاوف من حدوث فراغ في منظومة مراقبة الوضع الميداني، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتوترات الحدودية. وتبرز الحاجة إلى تحديد طبيعة أي آلية بديلة وصلاحياتها، ومدى قدرتها على مراقبة الالتزام بالقرار 1701، وتوثيق الخروقات، والمساهمة في احتواء الحوادث قبل تحولها إلى مواجهات أوسع.
في المقابل، يواجه لبنان ضغوطاً سياسية وأمنية متزامنة، مع مطالب أميركية تتصل بملفات حساسة، ومساعٍ فرنسية للحفاظ على الاستقرار بعد انتهاء المهمة الأممية. ويضع هذا المشهد الحكومة اللبنانية أمام تحدي منع ربط مستقبل الوجود الدولي بتنازلات سياسية لا تقابلها ضمانات واضحة بشأن وقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية.
ومن المنتظر أن يزور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بيروت الأسبوع المقبل، حيث يلتقي الرؤساء اللبنانيين الثلاثة وعدداً من الشخصيات، لبحث سبل تطوير العلاقات الثنائية. وتأتي الزيارة في وقت يسعى فيه لبنان إلى توسيع اتصالاته العربية والإقليمية بالتوازي مع التحركات الدولية المتعلقة بأمنه واستقراره.
بين الضغوط الأميركية والتحرك الفرنسي والمخاوف الأممية، يبقى مستقبل اليونيفيل أحد أبرز الملفات المطروحة أمام لبنان مع اقتراب نهاية ولايتها. ويتوقف تجنب الفراغ الأمني على التوصل إلى ترتيبات واضحة تضمن استمرار مراقبة الحدود، وتعزيز دور الجيش اللبناني، والحفاظ على آليات تمنع التصعيد وتدعم تطبيق القرار 1701، بما يحول دون انزلاق الجنوب إلى مواجهة جديدة.