بين صلاحيات المركزي وضغوط المصارف.. لبنان أمام اختبار الإصلاح

2026.10.16 - 18:01
Facebook Share
طباعة

معركة تتجاوز النص القانوني
أعاد الطعن الذي قدمه الرئيس اللبناني جوزف عون بالمادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف أمام المجلس الدستوري فتح النقاش حول مستقبل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وحدود صلاحيات مصرف لبنان، والجهة التي ينبغي أن تتولى معالجة أوضاع المصارف المتعثرة. وبينما تؤكد الحكومة تمسكها بالقانون باعتباره خطوة أساسية في مسار الإصلاح المالي، يبرز تساؤل أوسع بشأن مدى كفاية التشريعات وحدها لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي ومعالجة الخسائر المتراكمة.
وقال وزير المالية ياسين جابر إن الحكومة لا ترى مخالفة دستورية في القانون الذي أقره مجلس النواب، معرباً عن اعتقاده بأن المجلس الدستوري لن يطلب تعديلات عليه. ونفى أن يكون النص قد انتقص من صلاحيات حاكم مصرف لبنان، مؤكداً استمرار الحكومة في مسار الإصلاح المالي.
وأشار جابر إلى أن إقرار قانون إصلاح المصارف وتنفيذه يمثلان، وفق موقف صندوق النقد الدولي، خطوة أساسية نحو التوصل إلى اتفاق مع لبنان، محذراً من أن تعديلات لا تنسجم مع المعايير الدولية قد تعرقل هذا المسار.
ولفت أيضاً إلى وجود ضغوط من مجموعات مصرفية محلية على الحكومة، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مناقشة مشروع قانون الانتظام المالي وتحديد الفجوة المالية في مجلس النواب، وهو التشريع المنتظر أن يضع إطاراً قانونياً لمعالجة الخسائر وتوزيعها.

اقرأ أيضاً: لبنان يمدّد تسوية أوضاع المخالفين لنظام الإقامة حتى 2027


من يملك سلطة المعالجة؟
يتجاوز الجدل حول المادة الثالثة حدود تفسير الصلاحيات الدستورية، ليطرح مسألة بنيوية تتعلق باستقلالية الرقابة المصرفية، والجهة المخولة اتخاذ القرارات بشأن المصارف المتعثرة وإعادة هيكلتها، خصوصاً في ظل الدور المحوري الذي يؤديه مصرف لبنان في الأزمة المالية.
وفي هذا السياق، يدعو الخبير الاقتصادي والمالي وليد أبو سليمان إلى دراسة التجارب الدولية، ولا سيما التجربة الآيسلندية، لاستخلاص الدروس المتعلقة بإدارة الأزمات المصرفية وتحديد المسؤوليات الرقابية.
ويوضح أبو سليمان أن الأزمة المصرفية التي ضربت آيسلندا عام 2008 أظهرت أهمية وجود هيئة رقابية قادرة على التدخل عند تعثر المصارف واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الاستقرار المالي. ويشير إلى أن البلاد أعادت لاحقاً تنظيم بنيتها الرقابية، عبر دمج هيئة الرقابة المالية بالمصرف المركزي، الذي يتولى اليوم مهام الرقابة إلى جانب وظائفه النقدية.
وبرأيه، تؤكد هذه التجربة أن معالجة الأزمات المصرفية لا تعتمد على إقرار القوانين وحده، بل تحتاج أيضاً إلى توزيع واضح للمسؤوليات، وأدوات قانونية ومؤسسية تسمح بالتدخل الفعال وتحد من تضارب المصالح.

اقرأ أيضاً: جدول المحروقات الجديد في لبنان يحمل أخباراً سارّة للسائقين


مقترح سلطة مستقلة
يقترح أبو سليمان دراسة إنشاء سلطة مستقلة ومتخصصة تتولى معالجة أوضاع المصارف وإعادة هيكلتها، على أن تتمتع بصلاحيات محددة وخبرات مهنية، وتخضع للمساءلة والرقابة القضائية.
ويؤكد أن هذا الطرح لا يستهدف بالضرورة إضعاف مصرف لبنان أو سحب صلاحياته، بل يهدف إلى إعادة تنظيم الأدوار بين السياسة النقدية والرقابة المصرفية والقرارات المتعلقة بإعادة الهيكلة وتسوية أوضاع المصارف.
ويرى أن تداخل هذه الوظائف من دون ضوابط مؤسسية واضحة قد يزيد مخاطر تضارب المصالح، ويحد من القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، لا سيما عندما تكون الجهة الرقابية معنية بدورها بجوانب من الأزمة المالية.
لكن إنشاء هيئة مستقلة لا يمثل، بحد ذاته، ضمانة للنجاح. ففاعليتها، بحسب أبو سليمان، ترتبط باستقلاليتها الفعلية عن الضغوط السياسية والمصرفية، ومعايير تعيين أعضائها، ووضوح صلاحياتها، وخضوع قراراتها للمراجعة القضائية، فضلاً عن توافر الموارد البشرية والمالية اللازمة.

اقرأ أيضاً: روبيو يطالب عون بمحاسبة المسؤولين عن شحنة متفجرات حزب الله


اختبار للمعايير الدولية
يشدد أبو سليمان على ضرورة أن تنسجم أي إعادة هيكلة مؤسسية مع المعايير الدولية ومتطلبات صندوق النقد الدولي، وأن تتكامل مع قانون الانتظام المالي وتحديد الفجوة وتوزيع الخسائر.
ويحذر من أن تعدد الهيئات، إذا لم يقترن بتحديد دقيق للاختصاصات، قد يؤدي إلى تشتيت المسؤوليات وتأجيل القرارات الصعبة بدلاً من تسريع الإصلاح.
ويأتي هذا النقاش في وقت يواجه فيه لبنان تحدياً مزدوجاً: إعادة تنظيم القطاع المصرفي من جهة، ووضع إطار قانوني لمعالجة الخسائر المالية من جهة أخرى، وسط استمرار أزمة الثقة بين المودعين والمصارف والدولة.


استعادة الثقة تبدأ بالمحاسبة
يشكل الطعن بقانون إصلاح المصارف محطة مهمة في مسار الإصلاح المالي اللبناني، لكنه يفتح أيضاً نقاشاً يتجاوز مصير مادة قانونية واحدة إلى طبيعة المؤسسات التي ستتولى تطبيق الإصلاح ومراقبة تنفيذه.
فنجاح المعالجة لا يتوقف على حسم حدود الصلاحيات فحسب، بل يتطلب منظومة واضحة للمساءلة، وآليات مستقلة وفعالة للتعامل مع المصارف المتعثرة، وقواعد شفافة لمعالجة الخسائر وتوزيعها.
وفي بلد تضررت فيه الثقة بالقطاع المصرفي وتراكمت الخسائر على المودعين والاقتصاد، يبقى التحدي الأساسي تحويل الالتزامات التشريعية إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، تضمن وضوح المسؤوليات والشفافية، وتضع استعادة الثقة والاستقرار المالي في صدارة الأولويات. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 6

اقرأ أيضاً