خط كهرباء يربط تركيا بالخليج عبر سوريا.. فرصة اقتصادية تصطدم بواقع الشبكة

2026.10.16 - 17:36
Facebook Share
طباعة

فرصة استراتيجية بشروط
تفتح المباحثات التركية بشأن إنشاء خط للربط الكهربائي بين تركيا والسعودية والأردن وسوريا آفاقاً أمام دور إقليمي محتمل لدمشق في نقل الطاقة، بما قد يوفر عوائد مالية من رسوم العبور وفرصاً لاستيراد الكهرباء. لكن تحويل هذا الطموح إلى واقع يصطدم بتحديات فنية ومالية، أبرزها الأضرار التي لحقت بشبكة الكهرباء السورية خلال سنوات الحرب، ومحدودية قدرتها الحالية على تلبية الطلب المحلي.
وكان وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، قد أعلن أن بلاده تبحث مشروعاً للربط الكهربائي مع السعودية والأردن وسوريا، بهدف تعزيز التعاون الإقليمي ودعم أمن الطاقة في ظل التقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.
ويطرح المشروع تساؤلات بشأن قدرة سوريا على استثمار موقعها الجغرافي حلقةَ وصل بين تركيا والأردن ودول الخليج، والخيارات الفنية المتاحة أمامها قبل استكمال إعادة تأهيل شبكة النقل الكهربائية.

اقرأ أيضاً: وثائق مفقودة وحقوق معلّقة.. معاناة سوريات في تركيا


شبكة متضررة
يرى مختصون في هندسة الطاقة أن الشبكة السورية غير مهيأة حالياً للربط المتزامن مع شبكات الدول المجاورة، ولا سيما في ظل الأضرار التي أصابت خطوط التوتر العالي بجهد 400 كيلوفولت خلال سنوات الحرب.
وأوضح الاستشاري في هندسة الطاقة والكهرباء نضال قرموشة أن الأضرار شملت تدمير أبراج كهربائية وسرقة أجزاء من الموصلات الهوائية، ما يجعل إعادة تشغيل الخطوط المتضررة مرتبطة بتوفير استثمارات كبيرة وأعمال صيانة واسعة.
ولا تقتصر التحديات على البنية التحتية، إذ تواجه المنظومة الكهربائية السورية عجزاً في التوليد وأعطالاً متكررة، إلى جانب عدم قدرتها على تلبية الطلب المحلي واستمرار ساعات التقنين الطويلة.
وبحسب قرموشة، فإن ربط الشبكة السورية بصورة متزامنة مع شبكات إقليمية قد يؤدي إلى انتقال الاضطرابات الفنية بين المنظومات، بما يهدد استقرارها. ويعني الربط المتزامن تشغيل الشبكات المترابطة ضمن تردد كهربائي متوافق، الأمر الذي يجعل استقرار كل شبكة عاملاً مهماً في سلامة المنظومة المشتركة.

اقرأ أيضاً: "سوريا بلا مخيمات".. تحذيرات من عودة النازحين إلى مناطق مدمّرة


حلول قبل التأهيل
رغم هذه العقبات، يمكن اعتماد خيارات فنية تتيح نقل الكهرباء عبر الأراضي السورية أو تزويد مناطق محددة بالطاقة المستوردة، من دون دمج الشبكة السورية بالكامل مع شبكات الدول المجاورة.
ويشرح قرموشة أن أحد الخيارات يتمثل في نقل الكهرباء بين دولتين، مثل تركيا والأردن، عبر خطوط تمر في الأراضي السورية، مع إبقاء الشبكة السورية خارج الربط المتزامن بين الطرفين، وفق التصميم الفني المعتمد للمشروع.
أما إذا رغبت سوريا في استيراد الكهرباء من دولة مجاورة، مثل الأردن، فيمكن اللجوء إلى نظام «الجزر الكهربائية»، الذي يقوم على عزل منطقة محددة عن الشبكة العامة وتغذيتها بالطاقة المستوردة بصورة مستقلة.
ويسمح هذا الخيار، من حيث المبدأ، بتزويد مناطق معينة بالكهرباء من دون تعريض الشبكة الموردة لاضطرابات المنظومة السورية الأوسع، أو جعل تلك المناطق معتمدة بالكامل على الشبكة المحلية المتضررة.
لكن هذه الحلول تبقى جزئية، ولا تغني عن إصلاح خطوط النقل وإعادة تأهيل الشبكة، كما يتطلب تطبيقها تقييماً فنياً دقيقاً وتجهيزات مناسبة لضمان سلامة التشغيل واستقراره.


بوابة نحو الخليج
يتطلب توسيع مشروع الربط ليشمل السعودية ربط الشبكة الأردنية بالجزء الشمالي من الشبكة السعودية، وفق التصور الذي عرضه قرموشة.
وفي حال إعادة تأهيل خطوط النقل السورية وتحسين استقرار المنظومة المحلية، قد تتمكن سوريا من أداء دور في نقل الكهرباء بين تركيا والأردن ودول الخليج، والاستفادة من موقعها الجغرافي ضمن مسارات الطاقة الإقليمية.
غير أن هذا الدور لا يتحقق بمجرد مرور الخطوط عبر الأراضي السورية، بل يحتاج إلى بنية تحتية قادرة على استيعاب عمليات النقل، واتفاقات واضحة بين الدول المشاركة، واستثمارات تضمن كفاءة الشبكة وموثوقيتها.


عوائد محتملة
تتمثل أبرز المكاسب الاقتصادية المحتملة لسوريا في مسارين؛ الأول تحصيل رسوم مقابل عبور الكهرباء عبر أراضيها، إذا أصبحت خطوط النقل السورية جزءاً من شبكة إقليمية متكاملة.
أما المسار الثاني، فيتمثل في إمكانية شراء الكهرباء من الدول المجاورة، خصوصاً خلال الفترات التي تكون فيها أسعار الاستيراد أقل من تكلفة إنتاج الطاقة محلياً.
لكن الاستفادة من هذا الخيار تتوقف على توافر التمويل اللازم لدى الجهات المعنية بقطاع الكهرباء، فضلاً عن القدرة الفنية على استقبال الطاقة المستوردة ونقلها وتوزيعها بأمان.
وبالتالي، فإن المكاسب المحتملة ليست مضمونة تلقائياً، بل ترتبط بشروط تشغيلية ومالية وتجارية ينبغي الاتفاق عليها قبل الانتقال إلى التنفيذ.


تجربة سابقة
سبق لسوريا أن شاركت في مشروع «الربط الثماني» الذي ضم سوريا والأردن ومصر ولبنان والعراق وليبيا وتركيا وفلسطين. وبحسب قرموشة، أُنجز المشروع في نهاية عام 2011، وأتاح تشغيل بعض المنظومات الكهربائية المشاركة بصورة متوازية، إلى جانب إبرام اتفاقات لتبادل الطاقة.
لكن تضرر عدد كبير من خطوط النقل ذات التوتر العالي في سوريا خلال سنوات الحرب أدى إلى خروج خطوط من الخدمة، وأضعف قدرة البلاد على مواصلة الاستفادة من منظومة الربط الإقليمي.
وتأتي المباحثات الحالية في وقت تسعى فيه دول المنطقة إلى تعزيز الترابط الكهربائي وتنويع مصادر الإمداد، إلا أن إحياء دور سوريا يتطلب معالجة الأضرار المتراكمة وتحديث البنية التحتية.


ممر واعد أم فرصة مؤجلة؟
تملك سوريا موقعاً جغرافياً قد يمنحها دوراً مهماً في مشروعات نقل الكهرباء الإقليمية، لكن تحويل هذا الموقع إلى مصدر للعوائد الاقتصادية يحتاج إلى أكثر من اتفاقات سياسية أو خطط للربط.
فإعادة تأهيل خطوط التوتر العالي، وضمان استقرار الشبكة، وتأمين الاستثمارات، وتحديد آليات العبور وشراء الطاقة، تمثل شروطاً أساسية لتحويل المشروع إلى فرصة قابلة للتنفيذ. وحتى استكمال هذه المتطلبات، يبقى دور سوريا المحتمل في شبكة الكهرباء الإقليمية فرصة واعدة، لكنها مرهونة بقدرتها على تجاوز أزمة قطاعها الكهربائي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 9

اقرأ أيضاً