أعاد توقيف معراج أورال، المعروف باسم «علي كيالي» والملقّب بـ«جزار بانياس»، تسليط الضوء على ملف ملاحقة المتهمين بارتكاب انتهاكات وجرائم بحق السوريين خلال عقود من حكم نظام الأسد، ولا سيما سنوات الثورة التي اندلعت عام 2011. ويأتي توقيفه، وفق ما أعلنته السلطات السورية اليوم الخميس، ضمن مسار أوسع لملاحقة شخصيات أمنية وعسكرية وسياسية ارتبطت أسماؤها باتهامات تتعلق بالقتل والتعذيب وقمع الاحتجاجات والهجمات على المدنيين.
أقرا أيضاً:استهداف خط غاز الجبسة يشعل حريقاً في ريف الحسكة
منذ سقوط نظام بشار الأسد، أعلنت السلطات السورية توقيف عدد من المسؤولين السابقين والضباط والشخصيات المرتبطة بأجهزة النظام الأمنية والعسكرية، فيما بدأت إجراءات قضائية بحق بعضهم، صدرت في إطارها أحكام متفاوتة، بينما لا تزال ملفات أخرى في مراحل التحقيق أو المحاكمة. وتندرج هذه الإجراءات ضمن مسار العدالة الانتقالية الرامي إلى كشف ملابسات الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإنصاف الضحايا وذويهم.
وفي ما يلي أبرز 10 شخصيات وردت أسماؤها في ملفات تتعلق باتهامات بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق السوريين، وفق المعلومات الواردة بشأنها.
1. معراج أورال.. المتهم بمجازر بانياس
وُلد معراج أورال في مدينة أنطاكيا جنوبي تركيا عام 1956، وحصل على الجنسية السورية خلال حكم حافظ الأسد في ثمانينيات القرن الماضي، ليُعرف لاحقاً باسم علي كيالي.
بدأ أورال نشاطه ضمن تنظيمات يسارية مسلحة في تركيا، من بينها منظمة «عاجلجيلر»، قبل انضمامه إلى مجموعة عُرفت باسم «جبهة تحرير لواء إسكندرون». واعتُقل عام 1978 على خلفية اتهامات تتعلق بتفجير القنصلية الأميركية في أضنة والسطو على بنك، وتنقّل بين عدد من السجون التركية، قبل أن يتمكن من الفرار عام 1980 عقب انقلاب الجنرال كنعان إيفرين، ويصل إلى سوريا حيث التحق بالجيش السوري.
أقرا أيضاً:ديون بالمليارات.. هل تنجح الحكومة في إنقاذ "السورية للتجارة"؟
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عاد أورال إلى الواجهة من خلال قيادته مجموعة مسلحة حملت اسم «المقاومة السورية – الجبهة الشعبية لتحرير لواء إسكندرون»، وتمركزت في ريف اللاذقية وقاتلت إلى جانب قوات النظام السابق.
وتلاحق أورال اتهامات بالضلوع في جرائم حرب وانتهاكات ذات طابع طائفي استهدفت مدنيين، أبرزها مجزرتا البيضا ورأس النبع قرب بانياس. وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، تجاوز عدد ضحايا المجزرتين 450 مدنياً، بينهم 92 طفلاً و71 امرأة، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
كما ارتبط اسمه باتهامات تتعلق بمجزرة الحولة في ريف حمص، التي وقعت في مايو/أيار 2012 وأسفرت عن مقتل 111 مدنياً، غالبيتهم من النساء والأطفال. وأكسبته هذه الاتهامات لقب «جزار بانياس»، في انتظار ما قد تسفر عنه الإجراءات القضائية المتعلقة بالجرائم المنسوبة إليه.
2. أحمد حسون.. مفتي النظام السابق
وُلد أحمد بدر الدين حسون في حلب يوم 25 أبريل/نيسان 1949، وعُرف خطيباً في مساجد المدينة قبل تعيينه مفتياً للجمهورية خلال حكم بشار الأسد.
مع انطلاق الثورة السورية، تبنّى حسون خطاباً مؤيداً للنظام، ووصف الاحتجاجات بأنها «مؤامرة تستهدف أمن سوريا يقف وراءها إرهابيون»، الأمر الذي جعله موضع انتقادات من معارضي النظام، الذين أطلقوا عليه لقب «مفتي البراميل».
أُلقي القبض عليه عام 2025 أثناء محاولته مغادرة البلاد، وواجه اتهامات بالتحريض على القتل والاشتراك في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي 24 أغسطس/آب 2026، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكماً بالسجن المؤبد بحقه، مع الحجز على أمواله المنقولة وغير المنقولة ومصادرتها لصالح الخزانة العامة.
3. وسيم الأسد.. اتهامات بالقتل الجماعي والتعذيب
وُلد وسيم الأسد عام 1980، وهو ابن عم الرئيس المخلوع بشار الأسد، وبرز اسمه ضمن شبكة من الشخصيات المحلية المسلحة المرتبطة بالنظام السابق في محافظة اللاذقية.
وُجهت إليه اتهامات بفرض إتاوات على التجار، وتهريب الوقود، وتشكيل مجموعات مسلحة تورطت في ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين. وأُلقي القبض عليه في 21 يونيو/حزيران 2025، خلال عملية نفذها جهاز الاستخبارات العامة بالتعاون مع وزارة الداخلية.
وفي 18 أغسطس/آب 2026، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكماً بالإعدام بحقه، بعد إدانته بتشكيل مجموعات مسلحة نفذت عمليات قتل جماعي، إضافة إلى جرائم تعذيب صُنفت ضمن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب
4. أمجد يوسف.. المتهم الرئيسي في مجزرة التضامن
وُلد أمجد يوسف عام 1986 في قرية نبع الطيب بمنطقة الغاب شمال غربي حماة، وعمل ضابط صف في جهاز الأمن العسكري التابع للنظام السابق، حيث ارتبط اسمه بعمليات أمنية في جنوب دمشق.
تلاحقه اتهامات تتعلق باعتقال مدنيين ومعارضين وتعذيبهم وقتلهم، كما يُتهم بالمسؤولية الرئيسية عن مجزرة حي التضامن التي وقعت عام 2013، وأثارت لاحقاً اهتماماً واسعاً بعد ظهور أدلة مصورة على عمليات قتل وإعدام ميدانية.
وأعلنت السلطات السورية القبض عليه في 24 أبريل/نيسان 2026، بعد عملية أمنية استمرت أشهراً في ريف حماة. ويُنتظر أن يشكّل ملفه أحد القضايا المهمة في مسار التحقيق في الانتهاكات التي شهدتها مناطق جنوب دمشق خلال سنوات الثورة.
5. عاطف نجيب.. قضية أطفال درعا
وُلد عاطف نجيب عام 1960 في مدينة جبلة، وتولى رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا قبل اندلاع الثورة السورية. وارتبط اسمه بقضية اعتقال أطفال وتعذيبهم في المدينة عام 2011، بعد كتابة شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم، وهي الحادثة التي أصبحت من أبرز الوقائع المرتبطة ببدايات الاحتجاجات.
كما وُجهت إليه اتهامات بالتورط في انتهاكات بحق المتظاهرين والمدنيين، من بينها قضية الطفل حمزة الخطيب، التي أثارت موجة غضب واسعة داخل سوريا وخارجها.
وأُلقي القبض عليه في 31 يناير/كانون الثاني 2025 في ريف اللاذقية. وفي 11 أغسطس/آب 2026، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكماً بالإعدام بحقه، بعد إدانته باقتحام المسجد العمري في درعا وقيادة العمليات الأمنية ضد المدنيين عام 2011، وفق المعلومات الواردة في التقرير.
6. محمد الشعار.. وزير الداخلية السابق
وُلد محمد الشعار عام 1950 في مدينة الحفة بريف اللاذقية، وتولى وزارة الداخلية السورية بين عامي 2011 و2018، وهي فترة شهدت قمع الاحتجاجات واتساع الاعتقالات والانتهاكات التي ارتبطت بالأجهزة الأمنية.
وتتعلق الاتهامات المنسوبة إليه بدوره في منظومة القمع خلال سنوات الثورة، بما في ذلك تعذيب المعتقلين والتعامل الأمني مع الاحتجاجات. كما ارتبط اسمه بملفات أخرى تتعلق بانتهاكات سابقة، من بينها أحداث سجن صيدنايا عام 2008 وأحداث باب التبانة في لبنان عام 1986.
وسلّم الشعار نفسه إلى السلطات السورية في 4 فبراير/شباط 2025، بحسب المعلومات الواردة في التقرير. ويُعد ملفه من القضايا التي تثير تساؤلات بشأن المسؤولية السياسية والأمنية عن الانتهاكات التي وقعت خلال فترة توليه مناصب رسمية.
7. إبراهيم حويجة.. رئيس المخابرات الجوية الأسبق
يُعد إبراهيم حويجة من أبرز الشخصيات الأمنية التي شغلت مناصب رفيعة في عهد حافظ الأسد. وبرز اسمه بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، قبل أن يتولى رئاسة إدارة المخابرات الجوية عام 1987 خلفاً للواء محمد الخولي، ويستمر في منصبه حتى إقالته بقرار من بشار الأسد عام 2002.
ارتبط اسم حويجة بدور المخابرات الجوية في قمع انتفاضة حماة عام 1982، كما وُجهت إليه اتهامات بالتخطيط لاغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط عام 1977. وتضعه هذه الملفات ضمن الشخصيات الأمنية التي يُطالب حقوقيون بالكشف عن دورها في الانتهاكات والعمليات التي شهدتها سوريا ولبنان خلال العقود الماضية.
وأُلقي القبض عليه في 6 مارس/آذار 2025 في منطقة جبلة بريف اللاذقية. وفي 17 أغسطس/آب 2026، دعا مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، رديف مصطفى، ذوي الضحايا إلى تقديم ادعاءاتهم وشهاداتهم ضد حويجة أمام الدوائر القضائية المتخصصة.
8. وجيه علي العبد الله.. مدير مكتب الشؤون العسكرية
تولى اللواء وجيه علي العبد الله منصب مدير مكتب الشؤون العسكرية للرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو موقع أتاح له العمل ضمن الدائرة المقربة من الرئاسة ومتابعة ملفات عسكرية وأمنية.
وتنسب إليه اتهامات تتعلق بدوره في تنسيق ممارسات قمعية خلال السنوات الأخيرة من حكم النظام السابق، خصوصاً بين عامي 2015 و2018، وهي فترة شهدت تصعيد العمليات العسكرية والأمنية في عدد من المناطق السورية.
وأعلنت وزارة الداخلية السورية القبض عليه في 10 مايو/أيار 2026 خلال عملية أمنية. ويُنتظر أن تسهم التحقيقات في تحديد طبيعة المسؤوليات المنسوبة إليه، ومدى ارتباطه بالقرارات والعمليات التي استهدفت المدنيين خلال تلك المرحلة.
9. أحمد حبيب علي.. اتهامات مرتبطة بالأسلحة الكيميائية
وُلد العقيد أحمد حبيب علي في بلدة حرف المسيترة بريف القرداحة في محافظة اللاذقية، وتولى رئاسة مركز الدراسات والبحوث العلمية، وهو مركز ارتبط اسمه ببرامج تطوير الأسلحة الكيميائية في سوريا.
وتشير الاتهامات الواردة بحقه إلى مسؤوليته عن مستودعات غاز السارين وعمليات التصنيع الكيميائي في الوحدة 417، فضلاً عن الإشراف على تصنيع نحو 20 قنبلة محمّلة بغاز السارين، يُقال إنها استُخدمت في هجمات استهدفت مدناً وبلدات سورية خلال عامي 2013 و2017.
وأُلقي القبض عليه في 15 يوليو/تموز 2026 خلال عملية أمنية نفذتها وزارة الداخلية في اللاذقية، وفق المعلومات الواردة في التقرير. ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة بسبب ارتباطه بالهجمات الكيميائية التي شهدتها سوريا، وما تثيره من مطالبات بمحاسبة المسؤولين عن استخدام الأسلحة المحظورة ضد المدنيين.
10. إبراهيم محلا.. رئيس أركان الفرقة 22 الجوية
وُلد اللواء الطيار إبراهيم محلا عام 1963 في بلدة عين العروس بمنطقة القرداحة في محافظة اللاذقية، وتولى منصب رئيس أركان الفرقة 22 في القوات الجوية السورية.
وتتعلق الاتهامات المنسوبة إليه بالضلوع في عمليات جوية وضربات استهدفت مناطق مدنية خلال سنوات الحرب، في سياق العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الجوية التابعة للنظام السابق ضد مناطق خارجة عن سيطرته.
وأُلقي القبض عليه في 15 مايو/أيار 2026، بحسب المعلومات الواردة في التقرير. ومن شأن التحقيقات المتعلقة بملفه أن تسهم في تحديد طبيعة دوره في العمليات الجوية، ومدى مسؤوليته عن الضربات المنسوبة إلى القوات التي عمل ضمن قيادتها.
العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات
تكشف ملفات الشخصيات العشر عن تنوع مستويات المسؤولية التي يجري التحقيق فيها، من القيادات الأمنية والعسكرية إلى المسؤولين السياسيين والشخصيات المرتبطة بمجموعات مسلحة. كما تتوزع الاتهامات بين القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وقمع الاحتجاجات، وصولاً إلى الجرائم المرتبطة بالهجمات الكيميائية والعمليات العسكرية ضد المناطق المدنية.
ولا يقتصر مسار المحاسبة على توقيف المتهمين، بل يتطلب جمع الأدلة، والاستماع إلى شهادات الناجين وذوي الضحايا، وتحديد المسؤوليات الفردية، وضمان إجراءات قضائية تستند إلى أدلة موثوقة وتتيح للمتهمين حقوق الدفاع. وتبرز أهمية هذه الخطوات في ظل حجم الانتهاكات التي شهدتها سوريا على مدى سنوات، وتعدد الجهات والأجهزة التي يُشتبه في تورطها فيها.
يمثّل توقيف معراج أورال تطوراً جديداً في ملف ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم خلال سنوات الثورة، لكنه يظل جزءاً من مسار أوسع يرتبط بقدرة المؤسسات القضائية على معالجة الملفات بصورة مستقلة وشفافة، وضمان حقوق الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب. فنجاح العدالة الانتقالية لا يُقاس بعدد التوقيفات أو الأحكام وحدها، بل بمدى كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات، وتحقيق الإنصاف للمتضررين، وترسيخ ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات.