163 دار نشر في بيروت لإحياء المشهد الثقافي

2026.10.15 - 19:45
Facebook Share
طباعة

تستعيد بيروت جانباً من حيويتها الثقافية مع انطلاق الدورة الـ67 من «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، التي تجمع دور النشر اللبنانية والعربية والدولية في فعالية موحّدة، بعد سنوات من الانقسام بين «النادي الثقافي العربي» و«نقابة اتحاد الناشرين في لبنان». ويأتي المعرض هذا العام في «سي سايد أرينا»، بالتزامن للمرة الأولى مع تظاهرة «بيروت كتب» التي ينظّمها المعهد الفرنسي، بمشاركة أكثر من 163 دار نشر، إلى جانب نحو 280 كاتباً وفناناً يشاركون في أكثر من 95 ندوة وجلسة حوارية.

 

 

تكتسب هذه الدورة أهمية تتجاوز عرض الإصدارات الجديدة، إذ تعيد طرح أسئلة تتعلق بمكانة بيروت في المشهد الثقافي العربي، وقدرتها على استعادة دورها بوصفها مساحة للقاء الكتّاب والناشرين والقرّاء، في ظل الأزمات الاقتصادية والتحديات التي تواجه صناعة الكتاب. كما يشكّل توحيد المعرض خطوة نحو تجاوز الخلافات التي أثّرت في استمرارية الحدث خلال السنوات الماضية، وإعادة جمع المؤسسات المعنية بالنشر ضمن إطار ثقافي مشترك.

 


تتصدّر الرواية جانباً أساسياً من برنامج الدورة، سواء من خلال الإصدارات الجديدة أو الندوات التي تناقش أساليب الكتابة وتحولاتها وأسئلتها المعاصرة. ففي جناح «دار الآداب»، يقدّم الروائي المغربي عبد الإله بن عرفة روايته الجديدة «ليلة اختفاء صاحب المعالي»، معتبراً في حديثه إلى «العربي الجديد» أن إقامة المعرض تمثّل مؤشراً إيجابياً على تعافي لبنان، وتؤكد أهمية الدور الثقافي الذي تؤديه البلاد في محيطها العربي.

 

 

ويعكس اختيار بن عرفة نشر جميع كتبه في بيروت إيمانه بالتكامل الثقافي العربي، وبأن العمل الأدبي لا ينبغي أن يقتصر على جمهور محلي، بل يتوجّه إلى القرّاء في مختلف البلدان العربية. وتبرز هذه الرؤية أهمية بيروت بالنسبة إلى عدد من الكتّاب والناشرين، باعتبارها مركزاً للنشر والتفاعل الفكري، رغم الظروف التي حدّت من حركة القطاع الثقافي خلال السنوات الأخيرة.

 

 

الرواية والتكنولوجيا في صدارة النقاشات

 

يشهد المعرض حضوراً لافتاً للقرّاء الشباب، الذين يتجمعون حول عدد من الكتّاب المشاركين، ومن بينهم الروائي التونسي الحبيب السالمي. ويتناول السالمي التحديات التي تفرضها التكنولوجيا والكتابة الآلية على العمل الإبداعي، في ظل تسارع التحولات الرقمية وما تثيره من تساؤلات بشأن مستقبل الكتابة ودور الكاتب وطبيعة الإنتاج الأدبي.

 

إلى جانب هذه القضايا، يلفت السالمي إلى أن استمرار المعرض في ظل الأزمة الاقتصادية يشكّل نجاحاً بحد ذاته، ويسهم في استعادة جانب من الحضور الثقافي لبيروت. كما يشيد بالندوات التي تجمع كتّاباً من تونس والمغرب ومصر، وبمشاركة أعضاء نوادي القراءة اللبنانية، الذين يمثّلون شريحة مهمة من الجمهور المهتم بالأدب والنقاشات الفكرية.

 

 

يحضر الشاعر أدونيس بدوره في أروقة المعرض، حيث يتفاعل مع القرّاء من أجيال مختلفة، من دون الإدلاء بتصريحات صحافية خلال جولته. ويرى الناشر شادي منصور، من «دار زمكان»، أن هذه الزيارة تعكس العلاقة التي تربط الشاعر ببيروت، المدينة التي احتضنت محطات بارزة من مشروعه الشعري والفكري.

 

 

ويشير منصور، في حديثه إلى «العربي الجديد»، إلى أن التفاف القرّاء الشباب حول أدونيس يؤكد استمرار حضور تجربته النقدية والإبداعية في الثقافة العربية، وقدرتها على إثارة النقاش وتجديد الأسئلة الفكرية. ويعكس هذا المشهد جانباً من التفاعل بين الأجيال داخل المعرض، حيث تلتقي الأسماء الأدبية المعروفة بقرّاء جدد يسعون إلى اكتشاف تجاربها ومناقشة أفكارها.

 

 

مساحة للحوار بعيداً عن الاستقطاب السياسي

 


لا تقتصر أهمية الدورة الحالية على توحيد الجهات المنظمة، بل تمتد إلى طبيعة الأجواء الثقافية التي ترافقها. إذ تبدو الفعاليات أقل ارتباطاً بمظاهر الهيمنة السياسية التي أثّرت في دورات سابقة، ما يتيح مساحة أوسع لتنوّع الآراء والاهتمامات، ويعيد التركيز على الكتاب بوصفه وسيلة للنقاش والتفاعل الفكري.


ويبرز في هذا السياق برنامج الندوات الذي ينظّمه «كرسي الشيخ زايد للدراسات العربية والإسلامية» في الجامعة الأميركية في بيروت، باعتباره أحد المكونات الأساسية للبرنامج الثقافي. وتتناول هذه الفعاليات قضايا فكرية وأدبية من خلال لقاءات تجمع كتّاباً وباحثين من خلفيات وتجارب متعددة، في محاولة لتعزيز الحوار في وقت تتسع فيه الانقسامات السياسية والاجتماعية.


وتلفت الكاتبة روى أبو حمدان، إحدى مقدّمات الندوات، في حديثها إلى «العربي الجديد»، إلى أهمية توفير مساحات جادة للنقاش، في مواجهة الخطاب الإعلامي الذي قد يستثمر الحساسيات الطائفية ويعمّق الانقسام. وترى أن المطلوب هو تحفيز الجمهور على التفكير ومساءلة الأفكار ومناقشة الاختلافات، بدلاً من توظيف الانتماءات والهويات في تأجيج الخلافات.


ويترجم البرنامج هذه التوجهات من خلال مشاركة أسماء أدبية وبحثية من بلدان عربية مختلفة، من بينها واسيني الأعرج، وجلال برجس، ونجوى بركات، وطارق العريس، وطارق بكاري، ومنى الحلاق، وماريا أبو النصر، وريم بسيوني. ويمنح هذا التنوع الندوات امتداداً يتجاوز عرض الكتب إلى مناقشة القضايا الثقافية والاجتماعية والفكرية التي تشغل المجتمعات العربية.

 

في هذا الإطار، تستعيد بيروت دورها بوصفها مدينة متعددة المنابر الثقافية، قادرة على استضافة النقاشات المختلفة وإتاحة المجال أمام الآراء المتباينة. غير أن الحفاظ على هذه المكانة يرتبط بقدرة المؤسسات الثقافية على الاستمرار وتوفير الظروف اللازمة للإنتاج والنشر والتواصل مع الجمهور.

 

 

مشاركة عربية محدودة وضغوط اقتصادية متزايدة

 

على مستوى دور النشر، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالناشر والكاتب سليمان بختي، من دار «نلسُن»، يلاحظ تحسناً في حركة الزوار يفوق التوقعات الأولية، لكنه يشير إلى أن المشاركة العربية لم تبلغ المستوى الذي كان يأمله الناشرون.

ويعزو بختي محدودية المشاركة الخارجية إلى الظروف المرتبطة بالحرب الإسرائيلية، التي أثّرت في توسيع نطاق الدعوات الموجّهة إلى دور النشر العربية. ومع ذلك، يرى أن التحدي الاقتصادي يظل من أبرز العقبات التي تواجه القطاع، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الإنتاج والتوزيع.

 

تظهر حركة التوقيعات تنوعاً في الإصدارات المعروضة، بين الأدب والرواية والكتب السياسية والتاريخية والبحثية. ففي جناح «مكتبة أنطوان»، وقّعت الروائية هالة كوثراني عملها الجديد «نادي نساء الحرب»، الذي تواصل من خلاله تناول التحولات الاجتماعية والإنسانية في بيروت. أما جناح «رياض الريس للكتب والنشر»، فاستقبل قرّاء الشاعر والروائي عباس بيضون لتوقيع مجموعته الجديدة «الطُّرق تعود معنا».

 

وتحضر القضايا السياسية والتاريخية أيضاً ضمن الإصدارات التي تستقطب اهتمام الزوار، إذ وقّع الكاتب ساطع نور الدين كتابه «لبنان وسورية: تخوم الجغرافيا وصدوع السياسة». كما استضاف جناح «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» توقيعات لعدد من الإصدارات البحثية والأرشيفية، بينها كتاب «يوميات أكرم زعيتر 1971-1975 في أتون الديبلوماسية»، الذي أعدّه سريّ أكرم زعيتر.

 

وتعكس هذه الأنشطة استمرار اهتمام قطاعات من الجمهور بالكتاب الورقي، رغم التغيرات التي طرأت على عادات القراءة بفعل انتشار المنصات الرقمية وتعدد مصادر المحتوى. كما تتيح التوقيعات لقاءات مباشرة بين الكتّاب والقرّاء، وتمنح الإصدارات الجديدة فرصة للوصول إلى جمهور أوسع داخل المعرض.


مستقبل صناعة الكتاب أمام اختبار الاستدامة


رغم كثافة الأنشطة والندوات وحركة التوقيعات، يواجه قطاع النشر اللبناني تحديات متراكمة تتجاوز تنظيم المعارض. فتراجع القدرة الشرائية يحدّ من إمكانات شراء الكتب، بينما تؤدي زيادة تكاليف الطباعة والشحن إلى ارتفاع الأعباء على الناشرين، في وقت تتغير فيه علاقة الجمهور بالقراءة بفعل التحول الرقمي.

 

وتضع هذه الظروف الناشرين أمام معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على جودة الإنتاج، وتوفير الكتب بأسعار تناسب القرّاء، وضمان استمرارية المؤسسات العاملة في القطاع. كما تبرز الحاجة إلى توسيع فرص التعاون بين دور النشر اللبنانية والعربية، بما يساعد على تخفيف بعض الأعباء وتعزيز انتشار الإصدارات في الأسواق المختلفة.

 

وكان وزير الثقافة غسان سلامة قد ربط توحيد المعرض، خلال المؤتمر الصحافي الذي سبق افتتاحه، بمتطلبات المرحلة المقبلة. ويأتي هذا التوجه في وقت تحتاج فيه صناعة الكتاب إلى مبادرات تتجاوز جمع الناشرين في حدث سنوي، لتشمل معالجة التحديات الاقتصادية وتطوير آليات دعم النشر وتوسيع قاعدة القرّاء.

 

بهذا المعنى، تمثّل الدورة الـ67 من «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» فرصة لاستعادة التواصل بين الناشرين والكتّاب والجمهور، وتأكيد أهمية الثقافة في الحياة العامة. غير أن نجاح المعرض على المدى البعيد سيظل مرتبطاً بقدرته على التحول إلى جزء من رؤية مستدامة لحماية صناعة الكتاب، وتعزيز حضور بيروت الثقافي، وضمان استمرارها مساحةً للإنتاج الأدبي والحوار الفكري في العالم العربي.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4

اقرأ أيضاً