ديون بالمليارات.. هل تنجح الحكومة في إنقاذ "السورية للتجارة"؟

2026.10.15 - 15:31
Facebook Share
طباعة

إرث ثقيل واختبار جديد
تواجه المؤسسة السورية للتجارة تحدياً مزدوجاً يتمثل في معالجة إرث مالي وإداري متراكم، واستعادة دورها في توفير السلع الأساسية والتأثير في حركة السوق، وذلك في وقت تتجه فيه الحكومة إلى إعادة هيكلة عملياتها وتوسيع الاعتماد على الاستثمار لتشغيل منافذ البيع.
وأعاد معاون وزير الاقتصاد والصناعة، ماهر خليل الحسن، فتح ملف المؤسسة من خلال تصريحات كشف فيها عن وجود 155 طناً من الشاي الإيراني بقيت في المستودعات منذ عام 2018، إلى جانب بضائع متقادمة وأخرى غير صالحة للاستهلاك، وسلع فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها السوقية، فضلاً عن ديون والتزامات مالية تُقدّر بمئات المليارات، وفق ما أورده.
وتسلط هذه المعطيات الضوء على حجم التحديات التي تواجه المؤسسة، التي يُفترض أن تسهم في توفير السلع الأساسية وتعزيز المنافسة، بينما باتت إعادة تنظيم أصولها وتسوية التزاماتها شرطاً أساسياً لاستعادة قدرتها على أداء هذا الدور.


ديون وبضائع متراكمة
بحسب الحسن، لا تقتصر المشكلات التي تواجه الإدارة الجديدة على البضائع الراكدة أو المتضررة، بل تشمل أيضاً التزامات مالية تجاه تجار وجهات عامة، إلى جانب صفقات قال إنها تحيط بها شبهات فساد.
وكانت المؤسسة تدير أكثر من 1200 موقع، شملت صالات ومستودعات ومحال ومنشآت، ما يجعل إعادة ترتيب أوضاعها مهمة واسعة تتطلب مراجعة العقود والمخزون والمستحقات والحقوق المالية.
وفي مواجهة هذه التحديات، اتجهت الإدارة إلى وقف بعض الأنشطة مؤقتاً بهدف تنظيم المستودعات ومراجعة الالتزامات، مع إتاحة المجال أمام بعض التجار لاستعادة بضائعهم بدلاً من انتظار تسوية مستحقاتهم المالية.
وكانت الوزارة قد أعلنت في نهاية عام 2024 توجهاً لمعالجة حقوق المتعاقدين تدريجياً، بما في ذلك السماح باسترداد البضائع بعد إعادة تقييمها وفق أسعار السوق، أو الانتظار حتى توافر السيولة اللازمة للسداد.
وتبرز هذه الإجراءات حجم التعقيد في معالجة العلاقة بين الأصول الموجودة فعلياً لدى المؤسسة والديون المستحقة عليها، بما يتطلب تسويات موثقة تحمي حقوق الدائنين وتحافظ على المال العام.

اقرأ أيضاً: موازنات سوريا لـ 3 أعوام تحت المجهر.. هل تُحسم الملفات العالقة؟


500 صالة عبر الاستثمار
تراهن الحكومة على إعادة هيكلة المؤسسة من خلال نموذج تشغيلي يوسع دور القطاع الخاص، مع الحفاظ على حضورها في السوق.
وتتضمن الخطة، وفق تصريحات رسمية سابقة، تشغيل أكثر من 500 صالة عبر الاستثمار، إلى جانب تطوير شبكة تضم نحو 440 منفذ بيع بهوية موحدة، بهدف تحسين استثمار الأصول الحكومية والانتقال من الخسارة إلى الربحية.
وفي أحدث التصريحات، تحدث الحسن عن إطلاق شركة سورية جديدة تتولى تشغيل أكثر من 500 صالة، ضمن مشروع يستهدف توحيد العلامة التجارية والأصناف ومعايير الجودة والأسعار.
ويُفترض أن يتيح هذا النموذج الاستفادة من شبكة التوزيع القائمة وتوسيع منافذ البيع في المدن والأرياف، مع الاستعانة بالقطاع الخاص في الإدارة والتشغيل، بدلاً من تحميل المؤسسة وحدها تكاليف إعادة التأهيل والتطوير.
لكن نجاح هذه الشراكة سيعتمد على طبيعة العقود وشروطها المالية، ووضوح المسؤوليات بين المؤسسة والشركة المشغلة، فضلاً عن آليات تحديد الأسعار ومراقبة الجودة وضمان حماية الأصول العامة.
فزيادة عدد الصالات أو توحيد هويتها التجارية لا يعنيان بالضرورة انخفاض الأسعار، ما لم تقترن الخطة بمشتريات مدروسة ومنافسة فعلية ورقابة تضمن وصول السلع إلى المستهلك بأسعار مناسبة.

اقرأ أيضاً: غضب في القامشلي من أسعار الطاقة.. التدفئة تتحول إلى عبء معيشي


مخزون استراتيجي أم عبء إضافي؟
من أبرز أهداف المشروع تأمين مخزون من المواد الأساسية يكفي لأكثر من شهرين، وفق ما أعلنه الحسن، بما يسمح باستمرار توفير السلع عند اضطراب الإمدادات أو وقوع أزمات خارجية.
ويُنتظر أن يتيح هذا المخزون التدخل عند ارتفاع الأسعار أو نقص المعروض، من خلال طرح المواد المتوافرة وفق الأسعار المعتمدة قبل الأزمة، ضمن حدود الكميات المخزنة.
غير أن تنفيذ هذه المهمة يتطلب تمويلاً مستداماً لإعادة شراء السلع وتجديد المخزون، إلى جانب تحديد الأصناف ذات الأولوية وكميات الاحتفاظ بها وآليات طرحها في السوق.
كما تستدعي الخطة اعتماد أنظمة فعالة لمراقبة الصلاحية وتدوير البضائع، لتجنب تكرار حالات التكدس والتلف التي كشفت عنها أوضاع المستودعات.
ومن دون إدارة دقيقة للمشتريات والمخزون، قد يتحول المشروع الذي يستهدف حماية السوق من نقص السلع وارتفاع الأسعار إلى عبء مالي إضافي على المؤسسة والخزينة العامة.


المحاسبة شرط لاستعادة الثقة
لا تقتصر عملية إعادة الهيكلة على تشغيل الصالات وتحديث منافذ البيع، بل ترتبط أيضاً بمدى قدرة الجهات المعنية على توضيح الوضع المالي للمؤسسة، وحصر ديونها والتزاماتها، وتحديد قيمة البضائع المتضررة والأصول القائمة، ومراجعة العقود القديمة.
كما يبرز ملف شبهات الفساد بوصفه أحد الملفات التي تتطلب تحقيقاً موثقاً، مع التمييز بين المخالفات المثبتة والاتهامات التي لا تزال بحاجة إلى استكمال الإجراءات القانونية.
ومن شأن نشر بيانات دورية عن المبيعات والأسعار والمخزون والأداء المالي أن يتيح تقييم نتائج خطة الإصلاح، ويعزز الشفافية في إدارة الأصول العامة، ويحدد مدى التزام النموذج الجديد بأهدافه المعلنة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6

اقرأ أيضاً