ألمانيا تفتح ملف الحماية السورية.. معركة قضائية تلوح في الأفق

2026.10.14 - 23:50
Facebook Share
طباعة

قرارات تثير القلق
تتزايد المخاوف بين السوريين المقيمين في ألمانيا مع بدء وصول قرارات تتعلق بسحب الحماية الدولية من بعضهم، بالتزامن مع تحركات حكومية لإعداد تشريعات قد تتيح مراجعة أوضاع مئات الآلاف منهم، في خطوة تنذر بموجة من الطعون القضائية وتطرح تساؤلات بشأن قدرة المؤسسات الألمانية على التعامل مع هذا الملف.
وتشير تقارير إعلامية ألمانية إلى أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين بدأ بإصدار قرارات تستند إلى اعتبار سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 تغيراً جوهرياً في الظروف التي مُنحت الحماية على أساسها. وتشمل الحالات التي وردت بشأنها هذه القرارات سوريين سُجلت بحقهم مخالفات لدى الشرطة، وآخرين غادروا ألمانيا لفترات مؤقتة ثم عادوا إليها.
وتتضمن بعض القرارات سحب صفة اللجوء، أو رفض منح الحماية الفرعية، أو اعتبار موانع الترحيل غير متوافرة وفق قانون الإقامة. لكن ورود هذه العبارات في القرار لا يعني بالضرورة صدور أمر فوري بالترحيل؛ إذ أشارت إحدى الوثائق المتداولة إلى عدم إصدار إنذار بالترحيل بسبب عدم توافر الأساس القانوني اللازم لدى المكتب الاتحادي.

اقرأ أيضاً: القواعد الروسية في سوريا أمام مرحلة جديدة.. اتفاق نهائي مرتقب


حجج برلين
يستند المكتب الاتحادي، بحسب التقارير، إلى تقديرات تفيد بأن الحكومة الانتقالية في سوريا تسيطر على أجزاء واسعة من البلاد وتحظى باعتراف دولي، بينما لا تشكل الجماعات المسلحة الأخرى، وفق تقييمه، بديلاً سياسياً قادراً على تولي السلطة.
كما يستشهد بأرقام للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تشير إلى عودة مليون و546 ألفاً و317 شخصاً إلى سوريا بين سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024 وآذار 2026.
وفي تقييمه للمخاطر الأمنية، أورد المكتب مقتل 698 شخصاً وإصابة 1193 آخرين بين كانون الأول 2024 ونيسان 2026، وقارن هذه الأرقام بعدد السكان المقدر بنحو 24.4 مليون نسمة، ليخلص إلى انخفاض مستوى الخطر العام.
غير أن هذا التقييم العددي لا يحسم وحده مستوى الخطر الذي قد يواجهه كل فرد، إذ تختلف الظروف الأمنية بين المناطق، كما تتباين المخاطر وفق خلفية الشخص ووضعه وظروف عودته.

اقرأ أيضاً: مستقبل الكرد في سوريا.. عبدي يطالب بضمانات دستورية


الأوضاع المعيشية تحت التقييم
لا ينفي التقييم الألماني استمرار الصعوبات الاقتصادية والإنسانية في سوريا، بما في ذلك نقص الغذاء وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن واضطراب إمدادات الكهرباء. ويقدّر نفقات أسرة مؤلفة من خمسة أفراد خارج العاصمة بنحو 554 يورو شهرياً، لكنه يعتبر أن هذه الظروف لا تمنع العودة الدائمة من حيث المبدأ.
وتشير الوثائق، كذلك، إلى برامج ألمانية لدعم العودة الطوعية، تتضمن مساعدات لتغطية تكاليف السفر ومبالغ مالية لبدء الحياة من جديد، مع تحديد سقف إجمالي للمساعدة المقدمة للأسرة.
لكن إمكانية العودة لا ترتبط بالجوانب المالية وحدها، بل تتصل أيضاً بمدى توافر السكن والعمل والخدمات الأساسية والأمان، فضلاً عن الظروف الشخصية والقانونية لكل عائد.
670 ألفاً في دائرة المراجعة
يتجاوز الجدل القرارات الفردية، مع توجه وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت إلى طرح مشروع قانون خلال خريف 2026، يهدف إلى تسهيل مراجعة الحماية الممنوحة للسوريين وتسريع إجراءات العودة عندما تنتفي الشروط القانونية لاستمرارها.
ويُتوقع أن يشمل النقاش نحو 670 ألف سوري يحملون صفة الحماية الفرعية، وهي وضع قانوني يختلف عن صفة اللجوء، وتخضع استمراريته لشروط محددة بموجب القانون الألماني.
ويأتي هذا التوجه امتداداً لمواقف سياسية سابقة دعا فيها المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى بدء عمليات إعادة السوريين، على أساس أن سقوط النظام السابق غيّر الظروف التي دفعت كثيرين إلى طلب الحماية.
وكان ميرتس قد تحدث، في وقت سابق، عن هدف لعودة نسبة كبيرة من السوريين المقيمين في ألمانيا، الذين يتجاوز عددهم 900 ألف شخص وفق الأرقام الواردة في التقارير. وترافق ذلك مع نقاشات بين برلين ودمشق بشأن ملف العودة.
وتشير تقديرات نقلتها وسائل إعلام ألمانية عن اتحاد دافعي الضرائب إلى إمكانية تحقيق وفورات مالية كبيرة في حال عودة أعداد واسعة من المستفيدين من المساعدات الاجتماعية. إلا أن هذه الحسابات تبقى مرتبطة بحجم العودة الفعلية وتكاليف الإجراءات والبرامج المرافقة لها.
الطعون أمام المحاكم
في مقابل التوجه الحكومي، يبرز المسار القضائي بوصفه عاملاً أساسياً في تحديد مصير قرارات سحب الحماية. ويقول محامون مختصون بقضايا اللجوء إنهم رصدوا ارتفاعاً في عدد الإجراءات المتعلقة بمراجعة الحماية، متوقعين أن يؤدي ذلك إلى زيادة الضغط على المحاكم الإدارية.
وبموجب الإجراءات القانونية، يتعين تقييم الحالات بصورة فردية، بدلاً من سحب الحماية جماعياً، كما يحق للمتضررين الاعتراض على القرارات والطعن فيها أمام الجهات القضائية المختصة.
ويرى قانونيون أن بعض الطعون قد تستند إلى التباين بين تقييمات الجهات الألمانية المختلفة للأوضاع في سوريا، ولا سيما أن وزارة الخارجية الألمانية ما تزال تحذر من السفر إلى البلاد، وتشير إلى مخاطر أمنية، بينها هجمات بعبوات ناسفة وقعت خلال عام 2026.
ومن بين الحوادث التي تثير المخاوف تفجير استهدف مقهى في دمشق خلال تموز الماضي، إلى جانب تفجيرين قرب فندق يرتاده أجانب في العاصمة، وفق ما أوردته التقارير.
كما تتضمن تقارير أمنية ألمانية إشارات إلى استمرار الهجمات والاشتباكات في مناطق سورية مختلفة، وهو ما قد يستند إليه بعض المتقدمين للطعن في القرارات التي تعتبر أن أسباب الحماية لم تعد قائمة.
ولا يعني ذلك أن جميع الطعون ستُقبل، إذ يتوقف القرار القضائي على ظروف كل حالة، والأدلة المقدمة، ومدى انطباق المعايير القانونية عليها.


مخاوف من فوضى إدارية
يحذر منتقدون من أن مراجعة ملفات مئات الآلاف من السوريين قد تفرض عبئاً إدارياً كبيراً على المكتب الاتحادي والمحاكم، خصوصاً مع ضرورة فحص كل ملف على حدة وإبلاغ المعنيين بالقرارات ومنحهم الفرصة لاستخدام حقوقهم القانونية.
وتعيد هذه المخاوف إلى الواجهة تجربة مراجعة أوضاع لاجئين عراقيين في ألمانيا بعد سقوط نظام صدام حسين عام 2003، عندما أدت التطورات اللاحقة وعدم استقرار الأوضاع في العراق إلى تعقيد مسألة العودة.
وفي سياق تشجيع العودة الطوعية، تحدثت تقارير عن توجه لرفع قيمة المساعدات المالية المقدمة للمغادرين إلى ما يصل إلى 7000 يورو للشخص، مقارنة بمبالغ أقل كانت معتمدة سابقاً. كما خصصت الحكومة الألمانية 125 مليون يورو في موازنة العام المقبل لهذا الغرض، وفق الأرقام الواردة في التقارير.
وأثار التوجه انتقادات سياسية، إذ حذر حزب الخضر من تداعياته على السوريين المقيمين في ألمانيا، ودعا إلى توضيح موقف الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي. وفي المقابل، شددت مواقف سياسية أخرى على ضرورة الالتزام بمبدأ دراسة كل حالة بصورة منفصلة.


أرقام تكشف تعقيد الملف
يعيش في ألمانيا أكثر من 912 ألف سوري، لكن أوضاعهم القانونية ليست واحدة؛ فإلى جانب الحاصلين على اللجوء أو الحماية الفرعية، يوجد سوريون يحملون إقامات للعمل أو الدراسة، وآخرون حصلوا على الجنسية الألمانية، فضلاً عن أشخاص صدرت بحقهم قرارات تتعلق بالمغادرة أو يتمتعون بوضع قانوني مؤقت.
وتشير البيانات الواردة في التقارير إلى أن عدد السوريين الملزمين بمغادرة البلاد يقل عن 15 ألفاً، وأن نحو 1900 شخص فقدوا صفة الحماية خلال العام الجاري. ومع ذلك، لم يتجاوز عدد السوريين الذين رُحّلوا فعلياً بين عام 2025 ونهاية تموز 2026 خمسة أشخاص، بحسب الأرقام المنقولة عن السلطات الألمانية.
كما غادر آلاف السوريين ألمانيا منذ نهاية عام 2024، فيما يحمل مئات الآلاف تصاريح إقامة لأغراض أخرى أو حصلوا على الجنسية الألمانية، ما يجعل التعامل مع الملف أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرارات عامة بشأن العودة.


اختبار قانوني وسياسي
تضع التطورات الحكومة الألمانية أمام اختبار يجمع بين توجهها إلى مراجعة الحماية وتشجيع العودة، وبين الالتزامات القانونية التي تفرض دراسة المخاطر والظروف الخاصة بكل شخص. وفي الوقت نفسه، ستبقى الأوضاع الأمنية والمعيشية داخل سوريا عاملاً مؤثراً في تقييم مدى إمكانية العودة الآمنة والمستدامة.
ومع استمرار وصول القرارات واحتمال طرح مشروع القانون، تتجه الأنظار إلى المحاكم الإدارية وإلى طبيعة التقييمات الرسمية المقبلة بشأن سوريا، في ظل مخاوف من أن تتحول مراجعة الحماية إلى ملف طويل ومعقد يطال مئات الآلاف من المقيمين السوريين. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 10

اقرأ أيضاً