لم تكن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران محصورة في المواجهة العسكرية، بل امتدت إلى أسواق الطاقة والمالية العامة وحركة التجارة في الشرق الأوسط، لتضع اقتصادات المنطقة أمام اختبار جديد لقدرتها على امتصاص الصدمات. وخلال النصف الأول من 2026، تفاوتت الاستجابات بين دول واجهت ارتفاعًا في تكاليف الاستيراد وضغوطًا معيشية متزايدة، وأخرى اعتمدت على تنويع أنشطتها الاقتصادية وتطوير مسارات بديلة للإمدادات للحد من الخسائر.
أسواق الطاقة تحت ضغط الحرب
شكّل ارتفاع أسعار النفط أحد أبرز التداعيات الاقتصادية للصراع، بعدما أثارت المواجهة مخاوف بشأن أمن الإمدادات واستمرار تدفق الشحنات عبر الممرات البحرية الحيوية. ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ارتفع متوسط سعر خام برنت من 70.89 دولارًا للبرميل في فبراير إلى 117.29 دولارًا في أبريل، بزيادة بلغت 65.5%.
تراجعت الأسعار لاحقًا إلى متوسط 85.40 دولارًا للبرميل في يونيو، لكنها بقيت أعلى بنسبة 20.5% من مستواها في فبراير. وربط تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في يوليو هذا الانخفاض باستئناف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز خلال يونيو، ما ساهم في تخفيف الضغوط على الإمدادات.
أظهرت هذه التحركات مدى تأثر أسواق الطاقة بالتطورات العسكرية، كما كشفت عن انعكاسات مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل وموازنات الدول المستوردة للوقود، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الإقليمية تحديات تتعلق بالحفاظ على الاستقرار المالي والحد من ارتفاع الأسعار.
مصر تواجه ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة
تأثرت مصر بارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، مع زيادة الأعباء المرتبطة بتوفير احتياجاتها من الخارج. وأعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في 28 مارس، ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة من 1.2 مليار دولار في يناير إلى 2.5 مليار دولار في مارس.
فرضت هذه الزيادة ضغوطًا إضافية على الموارد المالية والاحتياجات من العملة الأجنبية، في ظل التحديات المرتبطة بتأمين إمدادات الطاقة وتغطية تكاليفها. كما سلطت الأزمة الضوء على أهمية تنويع مصادر الإمداد، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتقليل التأثر بالتقلبات الحادة في الأسواق الدولية.
إيران.. تضخم متصاعد وضغوط معيشية
واجه الاقتصاد الإيراني تحديات حادة بالتزامن مع الحرب، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الضغوط على الأسواق المحلية. وأظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني أن التضخم في أسعار المستهلكين بلغ 88.6% على أساس سنوي خلال الفترة الممتدة من 22 مايو إلى 21 يونيو 2026.
يعكس هذا المعدل حجم الضغوط التي تواجه الأسر الإيرانية، خصوصًا مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والخدمات. وتزداد صعوبة احتواء التضخم في ظل الاضطرابات التي تطال التجارة والإمدادات، ما يجعل استقرار الأسواق مرتبطًا بعوامل متعددة، تشمل توافر السلع وتكاليف الاستيراد والسياسات النقدية والمالية.
إسرائيل.. الإنفاق العسكري يرفع كلفة الحرب
امتدت الأعباء الاقتصادية للصراع إلى إسرائيل، إذ قدّرت وزارة المالية، في 12 أبريل، النفقات الإضافية المرتبطة بالحرب بنحو 35 مليار شيكل، بما يعادل 11.52 مليار دولار وفق سعر الصرف آنذاك.
وبحسب التقديرات، بلغ الإنفاق الدفاعي نحو 22 مليار شيكل من إجمالي المبلغ، في مؤشر على حجم الموارد التي تطلبتها العمليات العسكرية. وقد يؤدي ارتفاع النفقات الأمنية إلى زيادة الضغوط على الموازنة العامة، وتقليص المجال المتاح للإنفاق على القطاعات المدنية، فضلًا عن تعقيد إدارة العجز والديون وفق تطورات الحرب ومدتها.
الأسواق المالية تتفاعل مع المخاطر الإقليمية
لم تقتصر تداعيات الحرب على أسعار النفط والإنفاق الحكومي، بل انعكست أيضًا على تكلفة الاقتراض في عدد من اقتصادات المنطقة. وأفاد صندوق النقد الدولي بأن فروق العائد على الديون السيادية في بعض الدول المستوردة للنفط ارتفعت بنحو 50 إلى 100 نقطة أساس خلال مارس.
عادت هذه الفروق إلى مستويات ما قبل الحرب عقب إعلان وقف إطلاق النار في أبريل، وفق الصندوق. ويشير هذا التطور إلى حساسية الأسواق المالية تجاه المخاطر الجيوسياسية، وإلى دور التهدئة في تخفيف الضغوط على تكلفة التمويل وتحسين توقعات المستثمرين.
مع ذلك، يظل استمرار التحسن مرتبطًا بمدى استقرار الأوضاع الأمنية، وقدرة الحكومات على احتواء التداعيات المالية وتعزيز الثقة في اقتصاداتها.
السعودية تعزز بدائل تصدير النفط
اعتمدت السعودية على بنيتها التحتية النفطية واللوجستية للحد من تأثير اضطراب الملاحة في المنطقة، مستفيدة من خط أنابيب الشرق–الغرب وإمكانية نقل الشحنات عبر موانئ البحر الأحمر. وأتاح ذلك إعادة توجيه الإمدادات عبر مسارات بديلة، بما يقلل الاعتماد على الطرق الأكثر تعرضًا للمخاطر.
وفي يونيو، أشاد صندوق النقد الدولي بمتانة الأسس الاقتصادية السعودية، مشيرًا إلى أهمية تنوع البنية التحتية النفطية واللوجستية في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.
تبرز هذه التجربة أهمية الاستثمار في مسارات النقل والتصدير البديلة، إذ تساعد البنية التحتية المتنوعة على استمرار تدفق الإمدادات وتقليل مخاطر تعطل التجارة، فضلًا عن تعزيز قدرة الاقتصاد على التعامل مع الأزمات الإقليمية.
الإمارات تحافظ على نمو القطاعات غير النفطية
أظهرت البيانات الأولية المنشورة في أكتوبر أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للإمارات بلغ 961.9 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، مسجلًا نموًا بنسبة 0.4% على أساس سنوي.
وارتفع الناتج المحلي غير النفطي بنسبة 1.8%، مستحوذًا على 79.2% من إجمالي الاقتصاد. وسجل قطاع الأنشطة المالية والتأمين نموًا بنسبة 14.8%، تلاه قطاع المعلومات والاتصالات بنسبة 7.3%، ثم التشييد والبناء بنسبة 5.1%.
توضح المؤشرات استمرار مساهمة القطاعات غير النفطية في دعم النشاط الاقتصادي الإماراتي، رغم التحديات الإقليمية. كما تعكس أهمية تنويع مصادر النمو وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، بما يتيح للاقتصاد الاستفادة من أنشطة متعددة في مواجهة تقلبات الأسواق.
إجراءات لدعم استقرار القطاع المالي الإماراتي
على صعيد السياسات النقدية، أعلن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، في 17 مارس، حزمة لتعزيز مرونة المؤسسات المالية، تضمنت توفير تسهيلات للسيولة بالدرهم والدولار الأمريكي، إلى جانب السماح للمؤسسات باستخدام ما يصل إلى 30% من متطلبات الاحتياطي النقدي.
استهدفت الإجراءات دعم قدرة المؤسسات المالية على التعامل مع تقلبات الأسواق وضمان استمرار توافر السيولة خلال فترة الاضطراب. وفي 10 أبريل، أكد محافظ المصرف المركزي خالد محمد بالعمى أهمية متانة القطاع المالي وقدرته على مواجهة التحديات.
توضح هذه الخطوات دور الأدوات النقدية والاحترازية في الحد من انتقال آثار الصدمات الخارجية إلى القطاع المصرفي، والحفاظ على استمرارية التمويل والأنشطة الاقتصادية في أوقات عدم اليقين.
البنك الدولي يدعو إلى سلام مستدام
في 8 أبريل، شددت كبيرة الاقتصاديين الإقليميين في البنك الدولي، روبيرتا غاتي، على ضرورة عدم إغفال الجهود المطلوبة لتحقيق سلام دائم وازدهار مستدام في المنطقة.
تكتسب هذه الدعوة أهمية في ظل ارتباط التعافي الاقتصادي باستقرار البيئة الأمنية، واستمرار حركة التجارة، وتراجع المخاطر التي تواجه الاستثمارات وسلاسل الإمداد. فالإجراءات المالية قصيرة الأجل قد تساعد في احتواء الصدمات، لكنها لا توفر بديلًا عن الاستقرار طويل الأمد الذي تحتاج إليه الاقتصادات لتعزيز النمو وتوسيع فرص العمل.
التنويع الاقتصادي أداة لمواجهة الأزمات
تكشف مؤشرات النصف الأول من 2026 عن تفاوت قدرة اقتصادات الشرق الأوسط على التعامل مع تداعيات الحرب. فقد واجهت الدول المستوردة للطاقة ارتفاعًا في تكاليف الإمدادات وضغوطًا على مواردها المالية، فيما استفادت دول أخرى من تنوع بنيتها التحتية وتفعيل المسارات البديلة، إلى جانب اتخاذ إجراءات احترازية لحماية القطاع المالي.
تؤكد هذه التطورات أهمية بناء مخزونات استراتيجية، وتنويع مصادر الدخل والإمدادات، وتطوير طرق بديلة للنقل والتجارة، إلى جانب توجيه الدعم إلى الأسر الأكثر تأثرًا بارتفاع الأسعار. كما تبرز الحاجة إلى سياسات مالية ونقدية مرنة توازن بين احتواء الأزمات والحفاظ على استدامة الموارد العامة.
في المحصلة، لا يرتبط مستقبل اقتصادات الشرق الأوسط بتحركات أسعار النفط وحدها، بل يتوقف أيضًا على قدرة الحكومات على إدارة المخاطر، وتعزيز القطاعات غير النفطية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة من تداعيات الأزمات. ويبقى خفض التصعيد وترسيخ السلام عاملين أساسيين لتهيئة بيئة أكثر استقرارًا للاستثمار والتجارة وتحقيق التعافي الاقتصادي المستدام.