تتصاعد المخاوف داخل قطاع الصرافة الشرعي في لبنان على خلفية ما أُثير بشأن تحويل 200 مليون دولار من إيران إلى حزب الله، وسط خشية من أن تعيد القضية فتح ملف التوقيفات والملاحقات القضائية التي طالت صرافين خلال السنوات الماضية. وبينما تتجه الأنظار إلى المسارات المالية المحتملة لهذه التحويلات، تحذر أوساط القطاع من تعميم الشبهات على المؤسسات المرخصة، والزج بها في ملفات سياسية وأمنية تتجاوز طبيعة عملها.
وبحسب ما أورده موقع «ليبانون ديبايت»، ترى مصادر مطلعة على شؤون القطاع أن تناول القضية إعلامياً، مع الإشارة إلى شركات الصرافة وتحويل الأموال، أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة من تحميل المؤسسات المالية المحلية مسؤولية عمليات لا تثبت صلتها بها، ولا سيما في ظل العقوبات الأميركية السابقة التي طالت شركات وصرافين على خلفية اتهامات بتسهيل تمويل حزب الله.
مخاوف من تكرار توقيفات عام 2020
تستعيد أوساط الصرافة تجربة عام 2020، حين شهد القطاع توقيفات على خلفية اتهامات بالتلاعب بسعر صرف الليرة اللبنانية، في مرحلة اتسمت باضطراب نقدي حاد وانتشار الصرافة غير المرخصة في الشوارع وأمام المحال التجارية.
وترى المصادر أن تلك المرحلة أثارت تساؤلات بشأن حدود مسؤولية الصرافين عن تقلبات السوق، خصوصاً مع اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والأسعار المتداولة، وتعدد الجهات المؤثرة في حركة النقد.
كما أعادت تدخلات مصرف لبنان عبر منصة «صيرفة» في مارس 2023 طرح النقاش حول دور السياسات النقدية في تحديد سعر الصرف، ومدى دقة تحميل الصرافين وحدهم مسؤولية التغيرات التي شهدتها السوق.
وتخشى أوساط القطاع أن تتكرر التوقيفات في سياق القضية الجديدة، قبل التمييز بين المؤسسات المرخصة الخاضعة للرقابة والجهات التي تعمل خارج الأطر القانونية.
الصرافة الشرعية ترفض التعميم
تؤكد مصادر مطلعة، في حديث إلى وسائل إعلام محلية، أن شركات الصرافة المرخصة مؤسسات اقتصادية لبنانية تخضع لرقابة مصرف لبنان، وتؤدي دوراً في توفير السيولة وتسهيل عمليات تحويل الأموال والتداول وخدمة الأفراد والمؤسسات.
وتشير المصادر إلى أن استخدام مصطلح «الصرافين» بصورة عامة عند تناول ملفات مالية وأمنية قد يضع القطاع المنظم بأكمله في دائرة الشبهات، حتى عندما تتعلق القضية بأفراد أو جهات لا تربطها به صلة مثبتة.
وبحسب المصادر، فإن الصرافين المرخصين من أكثر المتضررين من نشاط الجهات غير الشرعية، التي تنافسهم خارج منظومة الرقابة والالتزامات القانونية، وتستقطب زبائن يسعون إلى تنفيذ معاملاتهم بعيداً عن إجراءات التدقيق.
تشديد الرقابة يدفع بعض الزبائن إلى السوق الموازية
تلفت أوساط القطاع إلى أن مصرف لبنان شدد خلال الفترة الأخيرة إجراءات الرقابة والتحقق المفروضة على مؤسسات الصرافة المرخصة، بما يشمل تدقيق بيانات العملاء والعمليات المالية.
وترى المصادر أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها في تعزيز الشفافية والامتثال، قد تدفع بعض الزبائن إلى التعامل مع جهات غير مرخصة تفادياً لمتطلبات التحقق، الأمر الذي يوسع نشاط السوق الموازية ويضعف قدرة المؤسسات المنظمة على المنافسة.
تحذر من أن استمرار هذا التفاوت يحمّل الشركات القانونية أعباء إضافية، في حين تستفيد الجهات الخارجة عن القانون من استقطاب العملاء بعيداً عن الضوابط الرقابية.
وتشدد المصادر على أن مكافحة الصرافة غير الشرعية تقع ضمن مسؤوليات الدولة والأجهزة المختصة، ولا يمكن تحميل المؤسسات المرخصة وحدها تبعات انتشار هذه الممارسات، في ظل غياب صلاحياتها القانونية لملاحقة المخالفين أو ضبط السوق.
300 صراف مرخص وآلاف العاملين خارج الأطر القانونية
تقدر المصادر عدد الصرافين المرخصين في لبنان بنحو 300 صراف، مقابل آلاف الأشخاص الذين يمارسون المهنة خارج الأطر القانونية، وفق الأرقام التي نقلها الموقع.
وترى أوساط القطاع أن هذا التفاوت يستدعي تعزيز الرقابة على النشاط غير المرخص، مع ضمان عدم الخلط بين المؤسسات الخاضعة للقانون والجهات التي تعمل من دونه.
وتؤكد أن إبعاد القطاع الشرعي عن قضية التحويلات البالغة 200 مليون دولار لا يعني المطالبة بحماية أي شخص أو مؤسسة يثبت تورطهما في مخالفات مالية، بل التمسك بمبدأ تحديد المسؤوليات استناداً إلى الأدلة والتحقيقات.
وتضيف أن أي مخالفة يثبت ارتكابها من أحد العاملين في المهنة يجب أن تخضع للمساءلة القانونية، نظراً إلى تأثيرها في سمعة القطاع وثقة العملاء به، لكنها ترفض تحميل المؤسسات الملتزمة بالقوانين تبعات ممارسات فردية أو عمليات تنفذها جهات مستقلة عنها.
تعزيز الامتثال ومواكبة المعايير الدولية
في موازاة المخاوف من الملاحقات، تقول المصادر إن القطاع يعمل على تطوير آليات الامتثال من خلال تنظيم ندوات توعوية وتدريبية لمواكبة تعاميم مصرف لبنان والمعايير الدولية ذات الصلة بالعمليات المالية.
كما تشير إلى العمل على تطوير أدوات إلكترونية تسهل التحقق من بيانات العملاء وتعزز الشفافية في تنفيذ المعاملات، في إطار مساعٍ لتحسين الأداء والحد من المخاطر المرتبطة بالنشاط المالي غير المشروع.
وتعتبر أوساط الصرافة أن هذه الخطوات تؤكد استعداد المؤسسات المرخصة للتعاون مع الجهات الرقابية والالتزام بالمتطلبات القانونية، مع التشديد على ضرورة تطبيق القواعد بصورة واضحة ومتوازنة على جميع العاملين في السوق.
القطاع يرفض الزج به في التجاذبات السياسية
تعبّر أوساط الصرافة عن خشيتها من إدخال القطاع في التجاذبات السياسية والأمنية الداخلية والإقليمية، خصوصاً في ظل تصاعد الضغوط المرتبطة بحزب الله والعقوبات المفروضة على جهات تتهمها الولايات المتحدة بتمويله.
وتشير إلى أن مؤسسات الصرافة تنتشر في مختلف المناطق اللبنانية، من الشمال إلى الجنوب، مروراً ببيروت وجبل لبنان والبقاع، ويعمل فيها أشخاص من خلفيات اجتماعية وطائفية وسياسية متنوعة، تجمعهم طبيعة النشاط الاقتصادي ومتطلبات المهنة.
وتؤكد المصادر أن الصرافة من المهن التي ارتبطت تاريخياً بالحركة التجارية وتلبية حاجات الأفراد والمؤسسات، وأن استمرارها بصورة منظمة يتطلب الفصل بين النشاط القانوني وأي عمليات يثبت ارتباطها بمخالفات مالية.
في المحصلة، أعادت قضية التحويلات المزعومة البالغة 200 مليون دولار المخاوف داخل قطاع الصرافة اللبناني من احتمال اتساع دائرة التدقيق والملاحقات. وبين ضرورة تشديد الرقابة على التدفقات المالية ومكافحة أي نشاط غير مشروع، يتمسك الصرافون المرخصون بمطلب التمييز بين المؤسسات الخاضعة للقانون والجهات العاملة خارجه، مؤكدين أن تحديد المسؤوليات يجب أن يستند إلى الأدلة والتحقيقات، لا إلى التعميم أو الافتراضات.