لم يعد «الخط الأصفر» في قطاع غزة مجرد خط فاصل يحدد مواقع انتشار القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، بل بات، وفق تحذيرات منظمة «هيومن رايتس ووتش»، أداة لتوسيع السيطرة على الأرض وتغيير الواقع الجغرافي للقطاع، مع انتقاله غرباً ووقوع مزيد من المنازل والمرافق الحيوية ضمن مناطق يُمنع الفلسطينيون من الوصول إليها.
وفي تقرير صدر بمناسبة مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول 2025، حذرت المنظمة من أن استمرار تحريك الخط، بالتزامن مع تصريحات إسرائيلية تصفه بأنه «الحدود الجديدة»، يثير مخاوف من تحويل ترتيبات عسكرية يفترض أن تكون مؤقتة إلى واقع دائم يفرض بالقوة.
وبحسب التقرير، باتت المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر والخاضعة للسيطرة الإسرائيلية تشكل نحو 64% من مساحة غزة، في وقت يعيش فيه قرابة 2.1 مليون فلسطيني ضمن مساحة آخذة في التقلص، وسط استمرار منع السكان من العودة إلى منازلهم في المناطق التي باتت تحت السيطرة الإسرائيلية.
اقرأ أيضا: 196 واقعة عقابية تطال داعمي فلسطين في جامعات أمريكا وكندا
خط يتحرك.. وأرض تتقلص
كان من المفترض أن يحدد الخط الأصفر نطاق انتشار القوات البرية الإسرائيلية بموجب ترتيبات وقف إطلاق النار، لكن «هيومن رايتس ووتش» تقول إن القوات الإسرائيلية نقلته غرباً متجاوزة الحدود المحددة له، بما أدى إلى توسيع المناطق التي يتعذر على الفلسطينيين الوصول إليها.
ولا يقتصر تأثير هذا التحرك على تغيير الخريطة العسكرية، إذ ينعكس مباشرة على حياة السكان، من خلال منعهم من العودة إلى منازلهم وأراضيهم، وحرمانهم من الوصول إلى مصادر المياه والمرافق الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية.
وتزداد المخاوف مع تصريحات لمسؤولين إسرائيليين تحدثوا عن الخط بوصفه حدوداً جديدة، ما يطرح تساؤلات بشأن ما إذا كان نطاق الانتشار العسكري سيتحول إلى حدود فعلية تفرض أمراً واقعاً جديداً على القطاع.
وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية قد وثق، في حزيران الماضي، استشهاد 196 فلسطينياً قرب الخط الأصفر. كما أدى تحركه غرباً، وفق المنظمة، إلى إدخال نقاط مياه ومرافق صحية إضافية ضمن المناطق التي لا يستطيع الفلسطينيون الوصول إليها.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد تغيير مواضع عسكرية، بل باتساع نطاق الأرض المحرومة من الاستخدام المدني، في وقت تتزايد فيه احتياجات السكان إلى المأوى والمياه والخدمات الأساسية.
مخاوف من تهجير طويل الأمد
ربطت «هيومن رايتس ووتش» بين التوسع في السيطرة على الأراضي والتصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بشأن دفع الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع، معتبرة أن منع العودة وتضييق المساحة المتاحة للسكان يعززان المخاوف من ترسيخ تهجير طويل الأمد.
وأشارت المنظمة إلى مقترح طرحه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في أيلول الماضي تحت اسم «خطة فك الارتباط 710»، ويهدف، وفق ما أوردته، إلى إفراغ غزة من سكانها خلال سبع سنوات، وإنشاء وزارة تتولى تشجيع ما تصفه إسرائيل بـ«الهجرة الطوعية».
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في ظل استمرار منع الفلسطينيين من العودة إلى مناطقهم، واتساع نطاق السيطرة الإسرائيلية داخل القطاع. وترى المنظمة أن اجتماع هذه العوامل يثير مخاوف من سياسات تؤدي إلى إبعاد السكان عن أراضيهم بصورة دائمة، بدلاً من أن تقتصر الإجراءات القائمة على ترتيبات عسكرية مؤقتة.
عام على الهدنة.. والقتل مستمر
لم يؤد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار إلى إنهاء المخاطر التي يواجهها سكان غزة، إذ قالت المنظمة إن الهجمات الإسرائيلية استمرت خلال فترة الاتفاق، مستندة إلى بيانات وزارة الصحة في القطاع.
ووفق الأرقام التي نقلها التقرير عن الوزارة، أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ بدء الاتفاق عن استشهاد ما لا يقل عن 1400 فلسطيني وإصابة 4881 آخرين، فيما تجاوز العدد الإجمالي للشهداء منذ تشرين الأول 2023 نحو 74 ألفاً، بينهم أكثر من 21 ألف طفل.
وقالت سارة سنبر، الباحثة في شؤون إسرائيل وفلسطين لدى «هيومن رايتس ووتش»، إن الاعتقاد بأن الحياة في غزة بدأت تعود إلى طبيعتها يتجاهل الظروف التي لا يزال السكان يعيشون فيها، من الإقامة في الخيام إلى استمرار القصف ونقص الغذاء ومياه الشرب الكافية.
وتعكس هذه الأوضاع الفجوة بين استمرار الحديث عن وقف إطلاق النار والواقع الميداني الذي يواجهه الفلسطينيون، حيث تتواصل المخاطر الأمنية بالتزامن مع تقلص المساحة المتاحة للسكن والحركة، وغياب ظروف معيشية مستقرة.
دمار واسع وأزمة مأوى متفاقمة
يتزامن توسع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية مع أزمة سكن حادة، إذ تشير بيانات مجموعة المأوى في فلسطين، التي استندت إليها المنظمة، إلى أن 94% من سكان القطاع يفتقرون إلى سكن ملائم.
كما دُمر نحو ثلثي الوحدات السكنية في غزة، فيما لحقت أضرار بمبانٍ أخرى جعلتها غير آمنة للسكن. وأظهر مسح شمل قرابة ألفي أسرة أن أكثر من نصف الأسر التي شملها المسح تقيم في الخيام.
وفي أيلول الماضي، انهار مبنى متضرر كان يؤوي نحو 100 شخص، ما أسفر عن مقتل 21 شخصاً، بينهم 12 طفلاً، في حادثة تعكس المخاطر التي يواجهها السكان الذين اضطروا إلى الاحتماء بمبانٍ متضررة في ظل نقص البدائل السكنية.
وتقدر احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، وفق التقرير، بينما لم تبدأ أعمال إعادة الإعمار بعد رغم الوعود الدولية.
وتتضاعف صعوبة التعافي مع استمرار القيود على الحركة والوصول إلى الأراضي، إذ إن إعادة بناء المنازل والمرافق لا يمكن فصلها عن قدرة السكان على العودة إلى مناطقهم، وعن تحديد المساحات التي ستبقى متاحة للاستخدام المدني.
من يحدد مستقبل حدود القطاع؟
تحذر «هيومن رايتس ووتش» من أن استمرار تحريك الخط الأصفر قد يؤدي إلى تكريس واقع جديد تُرسم فيه حدود غزة الفعلية وفق نطاق السيطرة العسكرية، لا وفق ترتيبات وقف إطلاق النار المعلنة.
وطالبت المنظمة المجتمع الدولي باتخاذ خطوات عاجلة لحماية المدنيين، ورفض التهجير القسري والتطهير العرقي، وضمان المساءلة عن الانتهاكات، والعمل على تهيئة الظروف اللازمة لإعادة إعمار القطاع.
وبين اتساع المناطق التي يتعذر على الفلسطينيين الوصول إليها، واستمرار تدمير المساكن ونقص الخدمات الأساسية، يبرز الخط الأصفر بوصفه عاملاً يتجاوز تحديد مواقع القوات إلى التأثير في مستقبل الأرض والسكان. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت ترتيبات وقف إطلاق النار ستظل مؤقتة، أم أن استمرار تغيير مواقع الخط سيكرس واقعاً جغرافياً جديداً يصعب التراجع عنه.