الدولار يضغط على الليرة السورية.. عجز الإنتاج يبدد وعود الاستثمار

2026.10.11 - 19:28
Facebook Share
طباعة

 عاد سعر صرف الليرة السورية إلى التراجع أمام الدولار، وسط تحذيرات اقتصادية من أن استمرار ضعف الإنتاج المحلي واتساع الاعتماد على الاستيراد يبقيان الطلب على العملات الأجنبية أعلى من قدرة السوق على تلبيته. ويرى خبراء أن المشكلة لا تتعلق بتحركات سعر الصرف وحدها، بل باختلالات أعمق في بنية الاقتصاد، لا تستطيع الاتفاقيات الاستثمارية المعلنة معالجتها ما لم تتحول إلى تدفقات نقدية فعلية وزيادة في الإنتاج والتصدير.

وسجل الدولار، في افتتاح تعاملات الأحد، نحو 140.50 ليرة للمبيع و140 ليرة للشراء في السوق الموازية، مقارنة بـ132.20 ليرة للمبيع و131.80 ليرة للشراء في 10 أيلول الماضي. في المقابل، واصل مصرف سوريا المركزي تثبيت السعر الرسمي عند 122.50 ليرة للمبيع و121.50 ليرة للشراء.

وكانت الليرة قد سجلت في 10 حزيران الماضي نحو 145.60 ليرة للمبيع و145 ليرة للشراء، مقتربة من أدنى مستوياتها التاريخية وفق مقياس العملة الجديدة. وكانت العملة قد تجاوزت 15 ألف ليرة للدولار في نهاية عام 2024 قبل حذف صفرين منها، ثم شهدت تحسناً تدريجياً خلال الأشهر التالية، أعقبه تذبذب بين الارتفاع والانخفاض.

اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 9-10-2026

عجز تجاري يفرض طلباً مستمراً على الدولار

يربط أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، التراجع الحالي بهشاشة مصادر النقد الأجنبي، معتبراً أنه لا يعكس بالضرورة حدثاً آنياً واحداً، بل يكشف خللاً مستمراً في قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية.

ويوضح أن اعتماد سوريا الكبير على الواردات لتأمين الغذاء والوقود والمواد الأولية، مقابل محدودية الصادرات المحلية، أدى إلى عجز تجاري مزمن يفرض طلباً متواصلاً على الدولار من دون وجود عرض كافٍ لموازنته. ويضيف أن التحسن النسبي في التحويلات والانفتاح الإقليمي والدولي لم يرافقه بعد تعافٍ كافٍ في قنوات التمويل الرسمي، بما فيها المصارف والحسابات السيادية، التي تحتاج إلى وقت لاستعادة دورها في الوساطة المالية.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور فراس شعبو أن تراجع الليرة يرتبط بغياب تدفقات نقدية حقيقية كافية تدعم العملة، مشيراً إلى أن الحديث عن اتفاقيات استثمارية ومشاريع نفطية وتحسن في النشاط السياحي لا يضمن استقرار سوق الصرف ما لم تنعكس هذه التطورات فعلياً على حجم النقد الأجنبي المتاح.

ويقول شعبو إن سوق الصرف لا يبني قراراته على إعلانات الاتفاقيات وحدها، بل يحتاج إلى تدفقات دولارية ملموسة، لافتاً إلى أن ارتفاع الاستيراد بالتزامن مع ضعف التصدير يفاقم الضغط على العملة المحلية.

وفي هذا السياق، وقعت الحكومة السورية اتفاقيات لمشاريع عقارية بمليارات الدولارات مع شركات إماراتية وسعودية في دمشق وريفها وحمص واللاذقية. وكان أحدثها، في 5 تشرين الأول الجاري، اتفاق لتطوير مشروعي «تلال دمشق» السكني، المعروف بأبراج التضامن، و«اللاذقية السياحي»، بالتعاون مع مجموعة «إيجل هيلز» العقارية الإماراتية.

لكن محمد يشير إلى أن المشاريع العقارية الكبرى تحتاج عادة إلى فترات طويلة للتنفيذ، وقد يُنفق جزء من تمويلها بالليرة على الرواتب والمواد المحلية، ما يعني أنها لا تتحول بالضرورة إلى عرض فوري من الدولار في سوق الصرف. كما أن التحسن في أعداد السياح، وفق تقديره، لا يزال محدوداً قياساً بحجم العجز التجاري والطلب الهيكلي على العملات الأجنبية.

وبحسب محمد، فإن سعر الصرف في السوق الموازية يتحدد وفق التوازن اليومي بين العرض والطلب، وليس وفق القيمة الإجمالية للاستثمارات التي يُعلن عنها.

 

عجز مالي وفجوة بين السعرين الرسمي والموازي

تتصل الضغوط على الليرة أيضاً بوضع المالية العامة. فقد كشفت وزارة المالية السورية، في آب الماضي، أن الإيرادات العامة خلال النصف الأول من عام 2026 بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق عام وصل إلى 3.7 مليارات دولار، ما أسفر عن عجز مالي قدره مليار دولار.

ويرى شعبو أن هذه الفجوة، إلى جانب ارتفاع فاتورة الاستيراد وضعف التصدير، تسهم في زيادة الطلب على الدولار. كما يحذر من أن استمرار الفارق بين السعر الرسمي الذي يحدده المصرف المركزي وسعر السوق الموازية يشجع على تداول النقد الأجنبي خارج القنوات الرسمية.

ويعتبر محمد أن تثبيت السعر الرسمي عند مستوى أدنى من السعر المتداول في السوق يخلق ضغوطاً إضافية، إذ يدفع بعض المتعاملين إلى تفضيل القنوات غير الرسمية. ويضيف أن غياب إطار واضح وموثوق للسياسة النقدية، إلى جانب عدم وضوح استقلالية القرار المؤسسي للمصرف المركزي، يترك المجال أمام التوقعات والمضاربة للتأثير في سعر الصرف.

بدوره، يصف شعبو سوق الصرف بأنه يعمل في ظل رقابة غير كافية، معتبراً أن حجم الأموال المتداولة خارج القنوات الرسمية قد يتجاوز ما يمر عبرها، في ظل الفارق الكبير بين السعرين الرسمي والموازي.

وفي مؤشر على اتساع النشاط غير المرخص، أعلن مصرف سوريا المركزي، السبت، توجيه 755 إنذاراً إلى محال ومنشآت تمارس أنشطة الصرافة والحوالات المالية من دون ترخيص، في عدد من المحافظات السورية. ويأتي ذلك بعد تصريحات لحاكم المصرف عن وجود أكثر من 750 مكتب صرافة غير مرخص، ما يطرح تساؤلات بشأن حجم الكتلة النقدية المتداولة عبر هذه المكاتب ومدى قدرة الجهات المعنية على ضبطها.

 

تراجع الليرة يفاقم تآكل القدرة الشرائية

لا تتوقف آثار انخفاض العملة عند سوق الصرف، بل تمتد إلى تكاليف المعيشة، خصوصاً أن شريحة واسعة من السوريين تتقاضى دخولها بالليرة بينما تعتمد الأسواق بدرجات متفاوتة على السلع والمواد المستوردة.

ويحذر الاستشاري الاقتصادي الدكتور زياد عربش من أن تراجع الدخل الحقيقي بالتزامن مع ارتفاع الأسعار يضعف الثقة بالعملة المحلية ويعزز اللجوء إلى السوق الموازية. ويوضح أن الفجوة بين دخل المواطنين والأسعار السائدة تعكس ضغوطاً تضخمية مرتبطة بتكاليف الاستيراد، وقد تدفع الأفراد إلى الاحتفاظ بالدولار تحسباً لمزيد من التراجع.

من جانبه، يشير محمد إلى أن بيانات المتابعة الميدانية تظهر ارتباطاً بين انخفاض قيمة الليرة وارتفاع تكلفة سلة الغذاء الأساسية. ويقدر أن انخفاض قيمة العملة بنسبة 15% قد يقابله ارتفاع قريب من النسبة نفسها في تكلفة السلة بالليرة، حتى عندما تبقى أسعار السلع بالدولار مستقرة أو تتراجع.

ويشرح أن انخفاض الأسعار بالدولار لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية للأسرة التي تحصل على دخلها بالعملة المحلية، إذ يمكن أن تتراجع قيمة دخلها بوتيرة أسرع. كما أن الأسعار في متاجر التجزئة لا تنخفض فور تحسن سعر الصرف، لأن التجار قد يكونون اشتروا مخزونهم بأسعار أعلى، فضلاً عن تكاليف النقل والتخزين التي تتأثر بدورها بأسعار الوقود المستورد.

ويرى شعبو أن أسعار الغذاء وأجور النقل تقدم مؤشرات ملموسة إلى حجم التضخم الذي يشعر به المواطن، بعيداً عن التركيز على سعر الدولار وحده. كما يشير إلى أن عوامل أخرى، مثل تقييد السيولة وضبط الكتلة النقدية، قد تؤثر في السعر المتداول، معتبراً أن السعر الفعلي للعملة قد يختلف عن المستوى المعلن.

وتتضح خطورة هذه الضغوط في ظل اتساع الفقر في سوريا. فوفق تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش نحو تسعة من كل عشرة سوريين تحت خط الفقر، فيما ارتفعت نسبة الفقر المدقع خلال سنوات الحرب من 11% إلى 66%.

التعافي يبدأ من الإنتاج والتصدير

يتفق الخبراء على أن استقرار الليرة يحتاج إلى معالجة الاختلالات التي تجعل الاقتصاد يستهلك من العملات الأجنبية أكثر مما يولد منها، بدلاً من الاكتفاء بمحاولات تثبيت سعر الصرف أو التعويل على أثر الإعلانات الاستثمارية.

ويؤكد عربش أن استقرار العملة ليس مسألة سعرية فقط، بل نتيجة لخطة اقتصادية متكاملة تشمل ضبط السيولة وسوق الصرف بما يخدم الإنتاج، وتوجيه التمويل نحو الأنشطة القادرة على خلق فرص العمل وزيادة الإنتاج المحلي، إلى جانب تسريع الإصلاح المصرفي الفعلي.

كما يدعو إلى سياسة تجارية أكثر توازناً، ودعم ملموس للقطاعات الإنتاجية والتصديرية، بما يخفف الاعتماد على الواردات ويعزز مصادر النقد الأجنبي.

بدوره، يعتبر محمد أن تراجع الليرة لا يمكن اختزاله في فشل سياسة نقدية بعينها، بل يعبر عن اختلال بنيوي في الاقتصاد الحقيقي، الذي يستورد أكثر مما ينتج ويستهلك من العملات الأجنبية أكثر مما يولد.

ويشدد على أن المشاريع الاستثمارية الكبرى قد تدعم النمو على المدى الطويل، لكنها لا تعالج وحدها العجز الآني في ميزان المدفوعات. ويرى أن استعادة التوازن تتطلب رفع القدرة الإنتاجية والتصديرية، وتطوير قنوات مصرفية رسمية موثوقة تعيد تدفق العملات الأجنبية إلى الاقتصاد النظامي، إلى جانب وضع إطار واضح وشفاف للسياسة النقدية يساعد على توجيه توقعات السوق بدلاً من الاكتفاء بملاحقتها.

وبين تراجع سعر الصرف واستمرار العجز التجاري واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، تبقى قدرة الاقتصاد السوري على زيادة الإنتاج وتوفير النقد الأجنبي العامل الحاسم في تحديد مسار الليرة، فيما تظل الاستثمارات المعلنة محدودة الأثر على السوق ما لم تتحول إلى نشاط اقتصادي فعلي وتدفقات مالية قابلة للقياس.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6

اقرأ أيضاً