196 واقعة عقابية تطال داعمي فلسطين في جامعات أمريكا وكندا

2026.10.11 - 17:53
Facebook Share
طباعة

 لم تكن الأستاذة الجامعية أندريا براور تتوقع أن ينتهي تضامنها مع الفلسطينيين ودفاعها عن حق الطلاب في الاحتجاج بمغادرتها الجامعة التي تعمل فيها، بعدما وجدت نفسها في مواجهة تحقيقات وإجراءات استمرت سبعة أشهر، وانتهت بخسارة وظيفتها في جامعة غونزاغا الأمريكية.

بدأت القضية بشكوى تتهمها بمعاداة السامية، قبل أن تتوسع الاتهامات على خلفية مشاركتها في احتجاج، وتوقيعها رسالة تؤيد حق الطلاب في التظاهر، إضافة إلى تعميمها دعوة للمشاركة في وقفة لتأبين ضحايا الحرب.

وبحسب شهادتها الواردة في تقرير حديث لرابطة دراسات الشرق الأوسط، لم تثبت التحقيقات الاتهامات الأصلية الموجهة إليها، إلا أن الضغوط والإجراءات التي خضعت لها انتهت بمغادرتها الجامعة في تموز 2025.

وتندرج قضية براور ضمن مجموعة من الحالات التي وثقتها الرابطة في الولايات المتحدة وكندا، إذ رصد تقريرها المعنون «دروس في القمع» 196 واقعة قالت إنها تتعلق بإجراءات انتقامية استهدفت أساتذة وموظفين جامعيين بسبب مواقفهم المؤيدة للحقوق الفلسطينية، منذ السابع من تشرين الأول 2023.

ولا تقتصر هذه الإجراءات، وفق التقرير، على الفصل من العمل، بل تشمل الإيقاف والتحقيقات التأديبية والتهديدات والمضايقات، في وقائع يرى معدو الدراسة أنها تثير تساؤلات بشأن حدود حرية التعبير والاستقلال الأكاديمي داخل المؤسسات الجامعية.

اقرأ أيضا: كاتس يتوعد خليل الحية ويصعد هجومه على تركيا

 

عشرات حالات الفصل والإيقاف والتحقيق

أظهر التقرير أن 76 واقعة من أصل 196 انتهت بإنهاء العمل، أي ما يقارب 39% من الحالات التي وثقتها الرابطة. وسجل الباحثون أيضاً 59 حالة إيقاف عن العمل أو منع من دخول الحرم الجامعي، إلى جانب 35 حالة تحقيق و26 حالة توبيخ أو إجراءات أخرى.

واستندت الدراسة إلى مقابلات مع 31 أكاديمياً وموظفاً قالوا إنهم تعرضوا لإجراءات عقابية بسبب مواقفهم أو أنشطتهم المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

وخلص معدو التقرير إلى أن إدارات جامعية لجأت، في الحالات التي وثقوها، إلى التحقيقات والإجراءات التأديبية للحد من التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين، سواء تعلق الأمر بالمشاركة في الاحتجاجات أو إصدار بيانات سياسية أو التعبير عن مواقف داخل الحرم الجامعي وخارجه.

وتشير الأرقام إلى أن تبعات التعبير عن هذه المواقف لم تتخذ شكلاً واحداً؛ فبينما فقد عشرات العاملين وظائفهم، واجه آخرون الإيقاف أو المنع من دخول جامعاتهم أو الخضوع لتحقيقات قد تستمر أشهراً.

وتلفت الرابطة إلى أن أثر هذه الإجراءات لا يرتبط فقط بنتائج التحقيقات أو القرارات النهائية، بل يشمل أيضاً ما تفرضه من ضغوط مهنية ونفسية خلال فترة النظر في الاتهامات، وما قد تتركه من انعكاسات على مستقبل الأكاديميين وعلاقاتهم بمؤسساتهم.

 

تهديدات بالقتل تطال الأكاديميين وعائلاتهم

في جامعة واشنطن بمدينة سانت لويس الأمريكية، تعرض أستاذ الأنثروبولوجيا بريت غوستافسون لسلسلة من التهديدات عقب نشره تعليقاً على مواقع التواصل الاجتماعي أبدى فيه تأييده لاحتجاج أمام منزل مسؤول في لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، المعروفة اختصاراً باسم «أيباك».

وبحسب روايته الواردة في التقرير، تلقى غوستافسون عشرات التهديدات بالقتل، فيما نُشرت صور منزله على الإنترنت. ولم تتوقف المضايقات عنده، إذ امتدت إلى المدرسة التي يرتادها أبناؤه، ما دفعه إلى طلب حماية الشرطة.

لكن التقرير يقول إن الجامعة لم تكتفِ بالتعامل مع تداعيات القضية بوصفها مسألة تتعلق بسلامة الأستاذ، بل كلفت مسؤولين بحضور محاضراته، تحت ذريعة ضمان سلامة الطلاب.

وتسلط هذه الواقعة الضوء على جانب آخر من الضغوط التي قد يتعرض لها الأكاديميون، إذ يمكن أن تمتد المضايقات المرتبطة بمواقفهم السياسية إلى محيطهم العائلي، في وقت تصبح فيه استجابات المؤسسات الجامعية نفسها موضع تساؤل.

وفي جامعة إنديانا، اعتقلت الشرطة سبعة أساتذة خلال احتجاجات مؤيدة لفلسطين، بعدما حاول بعضهم حماية الطلاب من تدخل أمني، وفق ما أورده التقرير.

وروى أحد الأساتذة المعتقلين، الذي لم يكشف عن اسمه، أن الشرطة طرحته أرضاً قبل اعتقاله، ثم منعته الجامعة من دخول الحرم الجامعي لمدة عام.

ورغم أن الادعاء العام امتنع عن توجيه اتهامات جنائية إليه، قال الأستاذ إنه تلقى لاحقاً تهديدات بالقتل، في تطور يعكس استمرار المخاطر التي واجهها حتى بعد انتهاء الإجراءات الجنائية المحتملة.

وتوضح الحالتان أن تبعات المشاركة في الأنشطة المؤيدة لفلسطين لم تقتصر، بحسب الشهادات التي جمعتها الرابطة، على القرارات الإدارية داخل الجامعات، بل شملت أيضاً التهديدات الشخصية والمضايقات التي طالت الحياة الخاصة لبعض الأكاديميين.

 

اتهامات معاداة السامية والتحقيقات المطولة

يخصص التقرير جانباً من نتائجه لدور الشكاوى المتعلقة بمعاداة السامية في فتح تحقيقات بحق أكاديميين انتقدوا إسرائيل أو عبروا عن دعمهم للحقوق الفلسطينية.

وبحسب الرابطة، استخدمت بعض الجامعات هذه الشكاوى أساساً لإجراءات مطولة، حتى في حالات لم تتطور فيها الاتهامات الأولية إلى شكاوى رسمية مكتملة.

ومن بين الحالات التي أوردها التقرير قضية مهجة قحف، الأستاذة في جامعة أركنساس، التي خضعت للتحقيق بسبب وضع ملصقات مؤيدة لفلسطين على باب مكتبها.

وأشار التقرير إلى أن الإجراءات استمرت رغم أن الطالبة التي أثارت المسألة لم تكن ترغب في تقديم شكوى رسمية، وانتهى التحقيق باعتبار الأستاذة مخالفة لسياسة الجامعة المتعلقة بالتمييز.

وتقول الرابطة إن عدداً من الأكاديميين الذين شملتهم الدراسة تحدثوا عن تحقيقات افتقرت، وفق شهاداتهم، إلى الوضوح الكافي بشأن الاتهامات وإلى ضمانات تتيح لهم الدفاع عن أنفسهم بصورة مناسبة.

واستمرت بعض هذه الإجراءات أشهراً، ما جعل التحقيق نفسه، بصرف النظر عن العقوبة النهائية، مصدراً للضغط المهني والشخصي على العاملين المعنيين.

وتثير هذه الحالات إشكالية تتعلق بكيفية تعامل الجامعات مع الشكاوى المرتبطة بالتمييز ومعاداة السامية، وحدود الفصل بين التصدي الفعلي للتمييز وبين الإجراءات التي قد تمس التعبير السياسي المشروع.

ويشير التقرير إلى أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو إعلان التضامن مع الفلسطينيين قد يتحول، في بعض الحالات التي وثقها، إلى سبب للتحقيق أو اتخاذ إجراءات تأديبية، وهو ما تعتبره الرابطة مؤشراً يستدعي مراجعة الممارسات الجامعية وضمانات حرية التعبير.

 

الأنشطة الاحتجاجية في صدارة الوقائع الموثقة

تظهر بيانات الدراسة أن غالبية الوقائع المرتبطة بالإجراءات العقابية لم تكن متصلة مباشرة بما يقدمه الأكاديميون داخل قاعات التدريس، بل بأنشطة وفعاليات أخرى مرتبطة بالحياة الجامعية والتعبير السياسي.

وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، ارتبطت 54% من الوقائع بأنشطة داخل الحرم الجامعي وخارج قاعات التدريس، فيما تعلقت 16% بأنشطة جرت خارجه، و12% بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، مقابل 11% فقط ارتبطت بالتدريس نفسه.

وتشير هذه النسب إلى أن الاحتجاجات والفعاليات والأنشطة العامة كانت حاضرة بقوة في الحالات التي رصدتها الرابطة، مقارنة بالمواقف التي عبّر عنها الأكاديميون خلال العملية التعليمية ذاتها.

كما وجد الباحثون أن ثلثي الحالات التي توافرت فيها معلومات عن الهوية العرقية تعلقت بأشخاص من الأقليات أو من غير البيض.

ولا تعني هذه النسبة أن جميع الأكاديميين الذين تعرضوا للإجراءات ينتمون إلى هذه الفئات، بل إنها تعكس توزيع الحالات التي توفرت بشأنها بيانات الهوية العرقية، وفق حدود المعلومات التي تمكن الباحثون من جمعها.

ويرى معدو التقرير أن هذه المعطيات تستحق الدراسة في ضوء طبيعة الإجراءات المتخذة والجهات التي طالتها، خصوصاً عند النظر إلى التفاوت في تجارب العاملين داخل الجامعات ومدى تأثرهم بالضغوط المرتبطة بمواقفهم السياسية.

 

ضغوط سياسية ومالية على إدارات الجامعات

لم يحصر التقرير أسباب الإجراءات التي وثقها في قرارات إدارات الجامعات وحدها، بل أشار أيضاً إلى ضغوط مارستها جهات سياسية ومانحون وأعضاء في مجالس أمناء مؤسسات أكاديمية.

وبحسب الدراسة، ساهمت هذه الضغوط في بعض الحالات في اتخاذ إجراءات بحق العاملين الذين أعلنوا مواقف مؤيدة لفلسطين أو شاركوا في أنشطة احتجاجية مرتبطة بالحرب.

ويطرح ذلك تساؤلات بشأن مدى استقلال القرارات الجامعية عن المصالح السياسية والمالية، ولا سيما عندما تتعلق القضايا المطروحة بمواقف من حرب جارية أو بسياسات دولة حليفة للولايات المتحدة.

وتحذر رابطة دراسات الشرق الأوسط من أن استخدام الإجراءات التأديبية لمعاقبة الأكاديميين على مواقفهم المؤيدة للحقوق الفلسطينية يهدد حرية التعبير والاستقلال الأكاديمي في الجامعات الأمريكية والكندية.

كما تشير النتائج إلى أن انعكاسات هذه الإجراءات قد تتجاوز الأشخاص الذين استهدفتهم مباشرة، إذ يمكن أن تؤثر في سلوك زملائهم والطلاب، وتدفعهم إلى تجنب المشاركة في الاحتجاجات أو التعبير عن مواقف سياسية خشية التعرض لمصير مماثل.

 

الخوف من العقوبات يدفع نحو الصمت

تتمثل إحدى النتائج الأساسية التي يخلص إليها التقرير في أن آثار الإجراءات العقابية لا تتوقف عند خسارة الوظيفة أو التعرض للتحقيق أو الإيقاف، بل تمتد إلى المناخ العام داخل المؤسسات الجامعية.

فحين يواجه أستاذ تحقيقاً يستمر أشهراً بسبب نشاط أو موقف سياسي، أو يتعرض موظف للتهديد بإنهاء عمله، تصبح التداعيات المحتملة عاملاً مؤثراً في قرارات بقية العاملين بشأن ما يمكنهم قوله أو المشاركة فيه.

ويحذر التقرير من أن هذا المناخ قد يدفع الأكاديميين والموظفين إلى ممارسة رقابة ذاتية على مواقفهم، تجنباً للمخاطر المهنية التي قد تترتب على التعبير عنها.

وفي هذه الحالة، لا يقتصر تأثير الإجراءات على الأفراد الذين تعرضوا لها، بل يمتد إلى مساحة النقاش داخل الجامعات، وقدرة الطلاب والأساتذة على مناقشة الحرب والسياسات الإسرائيلية والحقوق الفلسطينية بحرية.

وبالنسبة إلى رابطة دراسات الشرق الأوسط، تكشف الحالات الموثقة عن ضرورة حماية حرية التعبير وضمان استقلال المؤسسات الأكاديمية، بما يتيح التعامل مع الشكاوى المتعلقة بالتمييز وفق إجراءات واضحة وعادلة، من دون تحويلها إلى وسيلة لمعاقبة الآراء السياسية.

وتبقى قضية أندريا براور، إلى جانب حالات الفصل والإيقاف والتحقيق والتهديدات التي أوردتها الدراسة، جزءاً من صورة أوسع ترسمها الرابطة عن التحديات التي واجهها أكاديميون في الولايات المتحدة وكندا منذ تشرين الأول 2023. وهي صورة تطرح سؤالاً أساسياً بشأن قدرة الجامعات على حماية حرية التعبير داخل مؤسساتها، عندما تتحول المواقف من فلسطين إلى مصدر للنزاع والضغوط المهنية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 10

اقرأ أيضاً