كيف تؤثر الحروب والشاشات في الصحة النفسية للأطفال؟

2026.10.10 - 11:21
Facebook Share
طباعة

تواجه شريحة واسعة من الأطفال تحديات نفسية وسلوكية متزايدة، في ظل تداعيات الحروب والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب التأثيرات المتنامية للاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية. وتتراوح هذه التحديات بين اضطرابات الانتباه وفرط الحركة والقلق والاكتئاب، وصولاً إلى صعوبات التعلم والتواصل والسلوك العدواني.

 

 

 

توضح اختصاصية المعالجة النفسية تسنيم كنفاني أن طبيعة الاضطرابات التي يعاني منها الأطفال قد تختلف عن تلك التي تظهر لدى البالغين، رغم تشابه بعض العوامل المؤثرة فيها. وتلفت إلى أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب البيئة الأسرية والتجارب الصادمة، تؤدي دوراً في تشكيل الصحة النفسية للأطفال وطريقة تعاملهم مع محيطهم.

 

 

التفاوت الاجتماعي ينعكس على سلوك الأطفال

 

 

تُظهر الفوارق بين الطبقات الاجتماعية اختلافاً في التحديات التي يواجهها الأطفال، إذ لا تتشابه المشكلات الناتجة عن توفر الإمكانات المادية مع تلك المرتبطة بالحرمان والضغوط المعيشية.

 

ففي بعض الأسر الميسورة، قد يؤدي الاستخدام المفرط للهواتف والألعاب الإلكترونية إلى زيادة التعلق بالشاشات، وتراجع التحصيل الدراسي، وفقدان الاهتمام بالتعلم والأنشطة الأخرى. وتشير كنفاني إلى أن تلبية جميع رغبات الطفل بصورة مستمرة قد تؤثر في نظرته إلى المسؤولية والجهد، خصوصاً إذا لم تقترن التربية بوضع حدود واضحة وتشجيعه على الاستقلالية.

 

 


في المقابل، يواجه أطفال الأسر محدودة الدخل تحديات مرتبطة بالظروف المعيشية وفرص التعليم، وقد ينعكس غياب الدعم التربوي والنفسي على سلوكهم وتفاعلهم مع الآخرين. وتبرز في بعض الحالات مظاهر الغضب والعدوانية، إلا أن هذه السلوكيات لا ترتبط بطبقة اجتماعية بعينها، بل تتداخل في ظهورها عوامل عدة، من بينها البيئة الأسرية والتجارب التي يمر بها الطفل ومدى حصوله على الدعم المناسب.

 

 


كذلك، يمكن أن تسهم الفوارق في الفرص التعليمية والتربوية في تعميق الاختلافات بين الأطفال، وهو ما يستدعي توفير بيئة تعليمية آمنة وداعمة تراعي احتياجاتهم النفسية والاجتماعية، بعيداً عن الأحكام المسبقة المرتبطة بوضعهم المادي.

 

 


الحروب والصدمات النفسية تهدد الشعور بالأمان

 

 

تُعد الحروب والأزمات المتكررة من أبرز العوامل التي تهدد الاستقرار النفسي للأطفال، خصوصاً عندما يتعرضون للخوف والنزوح وفقدان أفراد الأسرة أو الابتعاد عن منازلهم ومدارسهم.

وتوضح كنفاني أن تكرار الصدمات في فترات متقاربة يزيد من صعوبة التعامل مع آثارها، لا سيما عندما يفقد الطفل الشعور بالأمان والاستقرار. وتزداد حدة التأثير عندما يكون البالغون المحيطون به أنفسهم عاجزين عن احتواء الأزمة أو التعامل مع تبعاتها النفسية.

 

 


قد تظهر آثار التجارب الصادمة في صورة قلق مستمر، أو اضطرابات في النوم، أو صعوبة في التركيز، أو تغيرات في السلوك والتفاعل الاجتماعي. وتختلف الاستجابات من طفل إلى آخر بحسب عمره وطبيعة التجربة التي مر بها، فضلاً عن مستوى الدعم الذي يتلقاه من أسرته ومحيطه.

 

 

ولا تقتصر آثار الصدمات على المرحلة التي تقع فيها الأحداث، إذ قد تستمر بعض الأعراض أو تتفاقم مع مرور الوقت إذا لم تُفهم بصورة صحيحة ولم يحصل الطفل على المساندة اللازمة. لذلك، تبرز أهمية الانتباه إلى التغيرات السلوكية والانفعالية التي تظهر بعد التجارب القاسية، بدلاً من اعتبارها مجرد تصرفات عابرة.

 

الإدمان الرقمي وتراجع الاهتمام بالتعليم

 

إلى جانب الضغوط الاجتماعية والصدمات، يبرز الاستخدام المفرط للشاشات بوصفه أحد التحديات التي تواجه الأطفال في الحياة اليومية. فقد يؤدي قضاء ساعات طويلة أمام الهواتف والألعاب الإلكترونية إلى إزاحة أنشطة أساسية، مثل النوم الكافي واللعب الحركي والتفاعل المباشر مع الأسرة والأصدقاء.

كما قد يرتبط الاستخدام غير المنظم للأجهزة بتراجع التركيز والتحصيل الدراسي لدى بعض الأطفال، خصوصاً عندما يغيب الإشراف الأسري أو تصبح الشاشات الوسيلة الأساسية للترفيه وقضاء الوقت.

 

غير أن التعامل مع هذه المشكلة لا يقتصر على المنع، بل يتطلب وضع قواعد واضحة للاستخدام، وتنويع الأنشطة اليومية، وتشجيع الطفل على القراءة والرياضة والتواصل الاجتماعي، مع مراعاة احتياجاته العمرية والنفسية.

 

كيف يمكن حماية الأطفال من الاضطرابات النفسية؟

 

تشدد كنفاني على أهمية ترسيخ قيمة التعليم منذ المراحل الأولى، ومساعدة الأطفال على إدراك دوره في بناء مستقبلهم، مع تجنب تحويل العملية التعليمية إلى وسيلة للضغط أو ربط كل مهمة بمكافأة مادية.

وتتطلب التربية المتوازنة وضع حدود واضحة للسلوك، وتشجيع الطفل على تحمل المسؤولية تدريجياً، مع توفير مساحة للتعبير عن مشاعره ومخاوفه. كما ينبغي للأهل الانتباه إلى أسباب السلوك العدواني أو التراجع الدراسي، بدلاً من الاكتفاء بالعقاب أو وصف الطفل بصفات سلبية.

 

في حالات التعرض للحروب أو التجارب الصادمة، تبرز ضرورة طلب المساعدة النفسية المتخصصة عندما تستمر الأعراض أو تؤثر في حياة الطفل اليومية وعلاقاته وقدرته على التعلم. ويشمل ذلك البالغين الذين لا يزالون يعانون من آثار التجارب نفسها، إذ إن قدرتهم على التعامل مع مشاعرهم تنعكس أيضاً على البيئة التي يوفرونها لأطفالهم.

 

وتبقى حماية الصحة النفسية للأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، تبدأ بتوفير الأمان والاستقرار، وتمتد إلى الاكتشاف المبكر للمشكلات وتقديم الدعم المناسب. فالتعامل مع الاضطرابات والصدمات في الوقت الملائم يساعد على الحد من تفاقم آثارها، ويمنح الأطفال فرصة أفضل للنمو والتعلم وبناء علاقات صحية.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 1

اقرأ أيضاً