احتشد عشرات الأهالي أمام مبنى محافظة درعا، الخميس، احتجاجًا على إجراءات تشميع عدد من الآبار المائية وخفض استطاعتها خلال الأيام الماضية، وسط مخاوف من انعكاسات القرار على الزراعة ومصادر دخل الأسر التي تعتمد على النشاط الزراعي في المحافظة.
بحسب ما نقل مراسل تلفزيون سوريا، طالب المشاركون بمراجعة الإجراءات المتخذة بحق الآبار، مؤكدين أن تأمين المياه يمثل مسألة أساسية للسكان والمزارعين، خصوصًا مع تراجع الموارد المائية وارتفاع الاعتماد على الآبار لتأمين احتياجات الري والاستخدامات المختلفة.
حذر أحد المزارعين المشاركين في الوقفة من التداعيات المعيشية والزراعية لإغلاق الآبار، موضحًا أن شريحة واسعة من سكان درعا تعتمد على الزراعة مصدرًا رئيسيًا للدخل، بينما يتحمل عدد كبير من المزارعين أعباء إعالة أسر كبيرة والتزامات مالية وديون مرتبطة بالمواسم الزراعية.
تساءل مزارع آخر عن أسباب تطبيق إجراءات إغلاق الآبار في درعا، معتبرًا أن محافظات أخرى لا تواجه القيود نفسها، ودعا إلى البحث عن بدائل تسمح بتأمين مياه الشرب للسكان والحفاظ على النشاط الزراعي، بينها الاستفادة من الأحواض المائية واستجرار المياه من مصادر إضافية.
طالب محتجون بحلول وسط تراعي حاجة السكان إلى مياه الشرب ومتطلبات المزارعين للري، محذرين من أن توقف الزراعة لن يقتصر أثره على الموسم الزراعي، بل قد يمتد إلى سوق العمل ومصادر الدخل والاستقرار الاقتصادي في المناطق الريفية.
حذر أحد المشاركين كذلك من أن تراجع النشاط الزراعي قد يؤدي إلى زيادة البطالة واتساع نطاق التصحر، فضلًا عن تهديد مصدر رزق عشرات الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة على الأراضي الزراعية والمحاصيل.
حملة لحصر الآبار وتسوية أوضاعها
بدأت مديرية الموارد المائية في درعا، بالتعاون مع الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي وقوى الأمن الداخلي، تشميع الآبار المخالفة التي لم يُبلّغ عنها أصحابها في ريف المحافظة الغربي، عقب انتهاء المهلة المحددة لتسوية أوضاعها القانونية.
جاءت الحملة بعد إجراءات إدارية بدأت خلال الأشهر الماضية بهدف حصر الآبار الموجودة في المحافظة، وتحديد الآبار المخالفة، ثم تنظيم وضع القابل منها للتسوية وفق المعايير القانونية والفنية المعتمدة.
أصدر محافظ درعا أنور طه الزعبي، في أغسطس/آب الماضي، تعميمًا يقضي بتشكيل لجان مختصة لإحصاء الآبار المخالفة وتوثيقها داخل المخططات التنظيمية وخارجها، مع منح أصحابها مهلة لتسوية أوضاعها قبل اتخاذ إجراءات التشميع والملاحقة القانونية.
بلغ عدد الآبار المخالفة التي أحصتها الجهات المعنية نحو 2500 بئر حتى منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، فيما مددت المحافظة مهلة التبليغ حتى 1 أكتوبر/تشرين الأول، مع استمرار عمليات الحصر وعدم اعتماد حصيلة نهائية حتى ذلك الوقت.
أزمة المياه تضغط على درعا
تتزامن إجراءات تنظيم الآبار مع تراجع كبير في الموارد المائية المتاحة بالمحافظة، إذ انخفضت الغزارة الإجمالية للينابيع والمشروعات المائية المركزية من 6786 مترًا مكعبًا في الساعة، وفق الغزارة التصميمية، إلى نحو 960 مترًا مكعبًا فقط.
يمثل هذا التراجع انخفاضًا بنسبة 85.9%، ما انعكس على قدرة منظومة المياه على تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان والقطاعات الزراعية.
زاد جفاف نبع المزيريب من حدة الأزمة، إلى جانب توقف المرحلتين الثانية والرابعة من مشروع الثورة، الأمر الذي قلص مصادر التغذية المائية ورفع الضغط على الآبار والمصادر البديلة.
دفعت محدودية الموارد المائية إلى زيادة الحاجة لتنظيم عمليات استخراج المياه، خصوصًا في ظل انتشار عدد كبير من الآبار التي لم تستكمل إجراءات الترخيص أو تسوية الوضع القانوني.
حلول بديلة لزيادة الإمدادات
اتجهت المحافظة، في المقابل، إلى الاستفادة من بعض الآبار المخالفة القريبة من محطات الإرواء، عبر دراسة إمكانية تسوية أوضاع الآبار التي يمكن استثمارها من الناحيتين الفنية والقانونية.
تتضمن الخطة ربط بعض الآبار بمنظومة مياه الشرب، ولا سيما في ريف درعا الشرقي، بهدف زيادة الكميات المتاحة وتحسين التغذية المائية في المناطق التي تعاني نقصًا.
تعكس هذه الخطوة محاولة للجمع بين ضبط استخدام الموارد المائية والاستفادة من المصادر الموجودة بدلًا من إغلاقها بصورة شاملة، مع إخضاع كل بئر للتقييم الفني والقانوني قبل اعتماده ضمن منظومة المياه.
الزراعة في مواجهة شح المياه
تشكل المياه عنصرًا أساسيًا لاستمرار النشاط الزراعي في درعا، التي يعتمد جزء كبير من سكانها على الأراضي الزراعية كمصدر للدخل والعمل.
يرى المزارعون المحتجون أن تقليص كميات المياه المتاحة للري أو إغلاق الآبار المستخدمة في الزراعة قد ينعكس على حجم الإنتاج الزراعي، ويرفع كلفة تأمين المياه، ويضعف قدرة الأسر على تغطية نفقاتها.
تتجاوز تداعيات الأزمة حدود المزارعين المباشرين، إذ يرتبط القطاع الزراعي بسلسلة واسعة من الأنشطة، تشمل العمالة الموسمية والنقل والتخزين والتجارة والخدمات المرتبطة بالإنتاج.
يضع هذا الواقع الجهات المحلية أمام معادلة صعبة تتمثل في حماية المخزون المائي وتنظيم استخدام الآبار من جهة، والحفاظ على مياه الشرب واستمرار الإنتاج الزراعي من جهة أخرى.
تطالب الأصوات المشاركة في الوقفة بإيجاد آليات تضمن إدارة الموارد المائية بصورة أكثر توازنًا، مع توفير بدائل عملية للمزارعين بدلًا من الاكتفاء بإغلاق الآبار المخالفة، خصوصًا في المناطق التي تشكل الزراعة فيها مصدر الدخل الأساسي للسكان.