من الأبراج إلى دورة الاستثمار.. هل ينجح رهان العبار في سوريا؟

2026.10.08 - 14:47
Facebook Share
طباعة

اختبار يتجاوز العقارات
تضع سوريا أمام اختبار اقتصادي كبير مع إطلاق مشروعي «تلال دمشق» واللاذقية السياحي بالشراكة مع شركة «إيجل هيلز» الإماراتية، في صفقة تُقدّر قيمتها الاستثمارية المستهدفة بنحو 23 مليار دولار، وسط توقعات بأن يولّد المشروعان نشاطاً اقتصادياً قد يصل إلى نحو 41 مليار دولار على مدى سنوات تنفيذهما.
لكن الأرقام الكبيرة لا تعني تدفقات مالية فورية، إذ يبقى تحويل هذه التقديرات إلى استثمارات فعلية مرتبطاً بالتمويل، والطلب، وتوفير الأراضي والبنية التحتية، وقدرة القطاع المصرفي على مواكبة مشروعات بهذا الحجم.
وبهذا المعنى، يتجاوز المشروعان بناء الأبراج والوحدات السكنية والفنادق والمرافق السياحية، ليشكلا اختباراً لقدرة سوريا على الانتقال من مرحلة التعافي بعد سنوات الحرب والعقوبات إلى مرحلة جذب رأس المال والاستثمارات طويلة الأجل.

اقرأ أيضاً: حفريات في موقع أثري بريف حماة.. مطالب بالتحقيق


مشروعان.. 23 مليار دولار
قعت الحكومة السورية وشركة «إيجل هيلز» اتفاقاً إطارياً لتطوير المشروعين، ضمن توجه أوسع نحو استقطاب استثمارات خليجية في قطاعات العقار والبنية التحتية والموانئ والاتصالات ومواد البناء.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن مشروع «تلال دمشق» قد يستهدف تدفقات بالعملات الأجنبية تصل إلى نحو 14 مليار دولار، مقابل نحو 9 مليارات دولار لمشروع اللاذقية السياحي.
أما النشاط الاقتصادي المحتمل للمشروعين، فقد يصل إلى نحو 41 مليار دولار طوال فترة تنفيذهما، وفق التقديرات المعلنة.
غير أن هذه الأرقام تبقى رهناً بانتقال الاتفاقات من الإطار النظري إلى عقود تنفيذ وتمويل ومبيعات وأعمال إنشائية فعلية، وهي المرحلة التي ستحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية للمشروعين.

اقرأ أيضاً: استئناف نقل الفيول بالقطارات.. بانياس تعيد إمداد المحطات الحرارية


السكن.. طلب كبير وقدرة شراء محدودة
يأتي الرهان العقاري في سوق تعاني نقصاً كبيراً في المساكن، إذ تشير تقديرات رسمية إلى احتمال وصول العجز السكني في سوريا إلى نحو مليوني وحدة بحلول عام 2030.
ويضم مشروع «تلال دمشق» نحو 26 ألف شقة و3 آلاف فيلا، بينما يتضمن مشروع اللاذقية قرابة 10 آلاف شقة وألف فيلا.
ويمنح هذا النقص الهيكلي قاعدة طلب واسعة، خصوصاً بين السوريين المقيمين في الخارج وذوي الدخول المرتفعة والمستثمرين الإقليميين والأجانب.
لكن حجم الاحتياج السكني لا يعني بالضرورة توافر القدرة الشرائية اللازمة، في ظل تراجع الدخول والمدخرات وضعف أدوات التمويل والائتمان، ما يجعل توفير تمويل عقاري طويل الأجل أحد المفاتيح الأساسية لنجاح المشروعات.


اللاذقية تراهن على السياحة
لا يقتصر المشروع الساحلي على الوحدات السكنية، بل يتضمن نحو 4 آلاف غرفة فندقية، إلى جانب مارينا وممشى بحري ومرافق ترفيهية.
أما مشروع «تلال دمشق»، فيتضمن بدوره نحو 4 آلاف وحدة فندقية، مع مستهدفات بجذب قرابة 400 ألف زائر إضافي سنوياً وإنفاق سياحي يقدر بنحو 280 مليون دولار.
ويمكن لهذه الطاقة السياحية، إذا تحققت المستهدفات، أن توفر مصدراً مستداماً للعملات الأجنبية بعد انتهاء مرحلة الإنشاء.
لكن الوصول إلى تلك النتائج يرتبط بعوامل تتجاوز بناء المنشآت، بينها الاستقرار الأمني، وتحسين البنية التحتية، وتطوير النقل والربط الجوي، وتوفير أنظمة دفع فعالة، وقدرة القطاع السياحي السوري على استعادة حضوره في الأسواق الإقليمية والدولية.


التمويل.. الاختبار الأصعب
تُعد القدرة على تمويل مشروعين بهذا الحجم من أبرز التحديات المطروحة، إذ لا تعني القيمة المعلنة أن الشركة المطورة ستضخ 23 مليار دولار دفعة واحدة.
وتعتمد المشروعات العقارية الكبرى عادةً على مزيج من رأس مال المطور والتمويل المصرفي والمبيعات المسبقة والشراكات والاستثمارات المرتبطة بالمشروع.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير النظام المصرفي السوري وتحديث التشريعات المرتبطة بالتمويل والاستثمار والإسكان، إلى جانب إعادة فتح قنوات التعامل المالي مع الخارج.
وفي هذا السياق، شهد القطاع المصرفي السوري خطوات باتجاه استعادة بعض أدوات الدفع الدولية، من بينها تنفيذ أول عملية شراء خارج البلاد باستخدام بطاقة «ماستركارد» صادرة عن بنك سوري، بعد إعلان الشركة العالمية استعدادها لمعالجة معاملات البطاقات المصرفية الدولية داخل سوريا.


ثلاثة اختبارات حاسمة
لا يزال نجاح المشروعين مرتبطاً بثلاثة اختبارات رئيسية.
أولاً، التنفيذ: مدى سرعة الانتقال من الاتفاقات الإطارية إلى العقود الفعلية وبدء الأعمال على الأرض.
ثانياً، التمويل والطلب: قدرة المطورين والمصارف والمستثمرين على توفير التمويل، بالتوازي مع وجود مشترين قادرين على استيعاب الوحدات السكنية والتجارية والفندقية.
ثالثاً، الأثر المحلي: حجم الأموال التي ستبقى داخل الاقتصاد السوري عبر أجور العمال، والمقاولين، والمصانع، والضرائب، والخدمات والبنية التحتية وفرص العمل.
وإذا نجحت هذه العوامل مجتمعة، فقد يتحول المشروعان إلى تجربة قابلة للتكرار وتشجع مستثمرين آخرين على دخول السوق السورية.


رهان على ثقة المستثمرين
يحمل مشروع «إيجل هيلز» في دمشق واللاذقية دلالة تتجاوز قيمته العقارية، إذ يأتي في وقت تسعى فيه سوريا إلى استعادة ثقة المستثمرين وفتح اقتصادها أمام رؤوس الأموال الإقليمية والأجنبية.
وتراهن الشركة على موقع سوريا ومواردها البشرية والطبيعية وحجم احتياجاتها في قطاعات السكن والسياحة والخدمات.
لكن الفاصل بين الطموح والنتيجة يظل مرتبطاً بقدرة السوق على استيعاب المشروعات، وتوفير التمويل، وتحسين البيئة الاستثمارية، وضمان الاستقرار والبنية التحتية اللازمة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 6

اقرأ أيضاً