جامعات سوريا الخاصة ترفع الكلفة.. هل يصبح التعليم امتيازاً للأثرياء؟

وكالة أنباء آسيا

2026.10.07 - 16:35
Facebook Share
طباعة

الأرقام تفتح باب القلق
لم يعد قرار الالتحاق بجامعة خاصة في سوريا مرتبطاً بسعر الساعة المعتمدة فقط، بل بات يتطلب حساب فاتورة تعليمية تمتد لسنوات وتشمل الرسوم الدراسية والتسجيل والمستلزمات العملية والسكن والنقل والمعيشة.
وتكشف رسوم العام الدراسي 2026–2027 عن ارتفاع كبير في كلفة عدد من التخصصات، ولا سيما الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسات، ما يضع التعليم الخاص أمام تساؤلات متزايدة بشأن قدرته على الحفاظ على تكافؤ الفرص في بلد يعاني مستويات مرتفعة من الفقر وتراجعاً كبيراً في القدرة الشرائية.

اقرأ أيضاً: السلع البرازيلية والتركية تتدفق إلى سوريا.. أين مكاسب المستهلك؟


الطب يتصدر الكلفة
تظهر البيانات المعلنة أن كلفة الساعات الدراسية وحدها في بعض برامج الطب البشري تقترب من خمسة ملايين ليرة سورية جديدة، بينما تتجاوز ثلاثة ملايين في طب الأسنان، وتدور حول مليوني ليرة أو أكثر في الصيدلة وبعض الاختصاصات الهندسية.
وفي جامعة القلمون الخاصة، يحتاج طالب الطب البشري إلى إتمام 257 ساعة معتمدة، بسعر 18,300 ليرة سورية جديدة للساعة، ما يرفع الكلفة النظرية للساعات إلى نحو 4.703 ملايين ليرة.
أما طب الأسنان، فيتطلب 183 ساعة بسعر 16,300 ليرة للساعة، بإجمالي يقارب 2.983 مليون ليرة، بينما تبلغ كلفة ساعات الصيدلة نحو 2.61 مليون ليرة، مقابل نحو 1.785 مليون ليرة للهندسة المعمارية.
وفي جامعة إيبلا الخاصة، تبلغ الكلفة النظرية لساعات الطب البشري نحو 4.612 ملايين ليرة، استناداً إلى 252 ساعة بسعر 18,300 ليرة للساعة، في حين تقترب كلفة الصيدلة من 2.438 مليون ليرة.

اقرأ أيضاً: إعادة الإعمار في سوريا تصطدم بتعقيدات الاستملاك والملكية


الساعة لا تكشف الفاتورة
لا تعكس مقارنة أسعار الساعات وحدها الكلفة الفعلية للتخرج، إذ تختلف الخطط الدراسية من جامعة إلى أخرى من حيث عدد الساعات المطلوبة للحصول على الإجازة.
وفي الجامعة العربية الدولية، تصل الكلفة النظرية لدراسة طب الأسنان إلى نحو 2.928 مليون ليرة، والصيدلة إلى 2.67 مليون ليرة، فيما تبلغ كلفة هندسة المعلوماتية والاتصالات نحو 2.028 مليون ليرة.
أما في جامعة الشهباء، فتتجاوز كلفة ساعات طب الأسنان ثلاثة ملايين ليرة، بينما تصل كلفة هندسة المعلوماتية إلى نحو 2.197 مليون ليرة، في حين تقترب كلفة برنامج الأعمال والإدارة من 858 ألف ليرة.
وتبرز مشكلة إضافية في بعض الجامعات التي لا تحدد بوضوح إجمالي الساعات المطلوبة للتخرج، ما يجعل الطالب غير قادر على تقدير الكلفة النهائية لدراسته قبل التسجيل.

اقرأ أيضاً: أعطال البنزين في سوريا تثير شكاوى واسعة وسادكوب تبدأ التحقيق


زيادات تتجاوز 100%
تأتي هذه الأرقام في ظل تغيرات كبيرة في آلية تسعير الرسوم الجامعية.
ففي العام الدراسي 2025–2026، كانت الرسوم خاضعة لسقوف محددة بالدولار وفق الاختصاص، قبل أن تنتقل رسوم العام الدراسي الجديد إلى الليرة السورية الجديدة، وسط غياب واضح لمحددات سعرية مركزية معلنة، وفق ما أوردته تقارير تحليلية.
وأشارت تقديرات بحثية إلى أن بعض الجامعات رفعت رسومها بنسب تجاوزت 100% مقارنة بالعام السابق في عدد من التخصصات، ما أثار مخاوف من اتساع الفجوة بين كلفة التعليم وقدرة الأسر السورية على تحملها.
وتزداد حساسية المسألة في ظل اعتماد شريحة من الطلاب على الجامعات الخاصة للوصول إلى تخصصات لم يتمكنوا من الالتحاق بها في الجامعات الحكومية بفوارق محدودة في نتائج الشهادة الثانوية.


راتب سنوات لشهادة واحدة
تكشف مقارنة الرسوم بمستويات الأجور عن حجم الفجوة الاقتصادية.
فإذا احتُسبت كلفة ساعات الطب البشري في جامعة القلمون بنحو 4.703 ملايين ليرة سورية جديدة، فإنها تعادل مئات الأشهر من الحد الأدنى العام للأجور المحدد للعاملين في الدولة، والبالغ 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً وفق المرسوم رقم 67 لعام 2026.
وبهذه المعادلة، تعادل رسوم الساعات وحدها نحو 374 شهراً من الحد الأدنى للأجور، أي أكثر من 31 عاماً من الدخل الإجمالي، من دون احتساب أي نفقات أخرى.
وتتضاعف صعوبة المعادلة مع ارتفاع مستويات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل دفع الأقساط الجامعية تحدياً يتجاوز الأسرة إلى قدرة الاقتصاد المحلي على الحفاظ على فرص متكافئة في الوصول إلى التعليم.


تكاليف لا تظهر في الإعلانات
لا تتوقف الفاتورة عند الرسوم الأكاديمية، خصوصاً في الكليات الطبية التي تتطلب أدوات ومستلزمات للتدريب العملي، يمكن أن تشكل عبئاً إضافياً على الطلاب.
وتشمل هذه النفقات الأدوات الطبية والمواد المخبرية والمستلزمات العملية، إلى جانب رسوم التسجيل والسكن والنقل والمصاريف اليومية.
كما يفرض انتشار عدد من الجامعات الخاصة خارج مراكز المدن أعباء إضافية على الطلاب القادمين من محافظات أخرى، إذ تحتاج الأسر إلى تأمين السكن أو النقل وتغطية تكاليف المعيشة طوال سنوات الدراسة.
ويضاف إلى ذلك إلغاء منح جامعية مجانية أو مخفضة كانت تتيح لبعض الطلاب المتفوقين من ذوي الدخل المحدود الوصول إلى التعليم الخاص بتكاليف أقل.


الملكية في دائرة الجدل
لم تقتصر التساؤلات على الرسوم، بل امتدت إلى نقاشات حول مستقبل ملكية وإدارة بعض الجامعات الخاصة وما تردد عن ارتباطها بمساعي إعادة هيكلة استثمارات أو ملكيات.
وفي هذا السياق، نفت الجهة المالكة لجامعة القلمون ما أثير حول نزع ملكية الجامعة أو تغيير طبيعة الاستثمار فيها، موضحةً أن الإجراءات القانونية التي طالت إحدى الشركات اقتصرت، بحسب توضيحها، على التحفظ على حصة أقلية تبلغ نحو 14% من أسهم شركة مرتبطة بالجامعة.
كما أكد وزير التعليم العالي السوري أن المتابعات القانونية ذات صلة بملفات شركات محددة، ولا تستهدف المؤسسات التعليمية أو استقرار العملية التدريسية فيها.


التعليم أمام اختبار العدالة
تطرح الزيادة الكبيرة في الرسوم سؤالاً أوسع من قدرة الأسرة على دفع الأقساط، يتعلق بمدى قدرة التعليم الخاص على الحفاظ على دوره في توسيع فرص الوصول إلى التعليم الجامعي.
وتقول تقديرات اقتصادية إن الجامعات تواجه بدورها ارتفاعاً في تكاليف التشغيل والطاقة والتجهيزات وأجور الكوادر التدريسية، وهي عوامل يمكن أن تنعكس على الرسوم.
لكن استمرار رفع الكلفة من دون تحسن موازٍ في جودة التعليم والخدمات والمختبرات والدعم الأكاديمي يثير مخاوف من تحول الشهادة الجامعية إلى سلعة مرتبطة بالقدرة المالية أكثر من التفوق العلمي.


تحذير من فجوة طبقية
يرى اقتصاديون أن ربط رسوم الجامعات بمستويات الأجور يمثل معياراً أساسياً لفهم حجم الأزمة، محذرين من أن الفجوة المتزايدة قد تدفع الأسر إلى خيارات قاسية لتأمين تعليم أبنائها.
وتتمثل البدائل المطروحة في إعادة تفعيل برامج المنح، وتوفير قروض تعليمية ميسرة، ووضع ضوابط واضحة لزيادة الرسوم، إلى جانب تعزيز الرقابة على جودة التعليم مقابل ما يدفعه الطلاب.


من يدفع كلفة التعليم؟
تضع رسوم الجامعات الخاصة في سوريا لعام 2026–2027 التعليم العالي أمام معادلة صعبة: جامعات تحتاج إلى تغطية تكاليفها المتزايدة، وأسر تواجه تراجعاً حاداً في قدرتها الشرائية، وطلاب يخشون أن تتحول الكلفة المالية إلى حاجز أمام طموحاتهم الأكاديمية.
وبينما تبقى القدرة على تحمل الأقساط متفاوتة بين الأسر، فإن استمرار الفجوة بين الرسوم والأجور قد يعيد رسم خريطة التعليم الجامعي على أساس القدرة المالية، ما يجعل تنظيم الأسعار وتوسيع المنح والقروض التعليمية من أبرز الملفات المطروحة لضمان ألا يصبح التفوق العلمي وحده غير كافٍ للوصول إلى مقعد جامعي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 4

اقرأ أيضاً