مفقودو سوريا وضحايا الحرب في قلب العدالة الانتقالية

2026.10.07 - 15:50
Facebook Share
طباعة

تواجه سوريا مرحلة دقيقة تتداخل فيها أسئلة الماضي مع استحقاقات المرحلة الجديدة. فبينما تتجه البلاد إلى إعادة بناء مؤسساتها ومعالجة آثار سنوات الصراع، تبرز ملفات ثقيلة تنتظر الحسم، من مصير آلاف المفقودين إلى حقوق الضحايا والناجين، مروراً بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وإصلاح المؤسسات التي ارتبطت بها.


أقرا أيضاً:قصف إسرائيلي جديد يستهدف محيط عابدين في حوض اليرموك

 

ويضع هذا المسار السلطات والمجتمع أمام مهمة تتجاوز إصدار الأحكام أو إعادة بناء المدن، إذ تتعلق أيضاً بكيفية استعادة ثقة السوريين بمؤسسات الدولة، وضمان حقوق المتضررين، ووضع أسس تحول يمنع تكرار الانتهاكات.

المفقودون في صدارة المشهد

يمثل ملف المفقودين إحدى أكثر القضايا إلحاحاً بالنسبة إلى آلاف العائلات السورية التي لا تزال تبحث عن معلومات بشأن مصير أقاربها. ولا تتوقف مطالب هذه الأسر عند معرفة أماكن وجود المفقودين، بل تشمل كشف ملابسات الاختفاء وتحديد المسؤولين عنه ومحاسبتهم، إلى جانب توفير الدعم للناجين والمفرج عنهم.


أقرا أيضاً: إعادة الإعمار في سوريا تصطدم بتعقيدات الاستملاك والملكية

 

تتولى الهيئة الوطنية للمفقودين العمل على هذا الملف، بالتزامن مع تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، في خطوة تهدف إلى التعامل المؤسسي مع آثار الانتهاكات السابقة.

وترى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن قضايا الماضي تعود إلى الواجهة في ظل التحولات التي تشهدها سوريا، سواء عبر المحاكمات أو اكتشاف المقابر الجماعية، مشيرة إلى أن التعامل مع هذه الملفات يمثل جزءاً أساسياً من مسار العدالة الانتقالية.

 

العدالة لا تنتهي بالإفراج

لا تقتصر احتياجات الناجين من الاعتقال والانتهاكات على إطلاق سراحهم، إذ يواجه بعضهم صعوبات صحية ونفسية واجتماعية، فضلاً عن تحديات مرتبطة بالاندماج مجدداً في المجتمع والحصول على فرص العمل.

وتبرز الحاجة إلى توفير الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب إزالة العقبات التي قد تحول دون عودة الناجين إلى حياتهم الطبيعية. ويُنظر إلى إعادة دمجهم باعتبارها جزءاً من معالجة آثار الانتهاكات، وليس مرحلة منفصلة عن العدالة.

 

عدالة انتقالية بطابع سوري

أسست سوريا مؤسسات وطنية جديدة معنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين، بالتزامن مع فتح تحقيقات حول أحداث شهدتها مناطق مختلفة من البلاد. ويضع ذلك المؤسسات أمام اختبار يتعلق بقدرتها على العمل بشفافية، والاستجابة لاحتياجات الضحايا والعائلات والمجتمعات المتضررة.

 

تقدم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان دعماً فنياً للمسار السوري، يشمل الخبرات والمشورة وتسهيل الحوار والاستفادة من تجارب دول أخرى. لكنها تؤكد أن العدالة الانتقالية لا يمكن أن تعتمد على نموذج جاهز يمكن نقله من بلد إلى آخر.

يقوم النهج المقترح على الاستفادة من القانون الدولي والتجارب المقارنة، مع ترك مهمة صياغة الآليات المناسبة للسوريين أنفسهم، بما يتلاءم مع طبيعة الانتهاكات التي شهدتها البلاد واحتياجات الضحايا.

 

وشملت الجهود عقد ورش عمل جمعت مؤسسات حكومية وأعضاء في هيئات العدالة الانتقالية وممثلين عن المجتمع المدني وخبراء، لبحث إصلاح المؤسسات وضمان عدم تكرار الانتهاكات، إضافة إلى مناقشة احتياجات عائلات المفقودين والناجين.

دور الضحايا في صياغة المسار

 

تؤكد الجهات الحقوقية أهمية إشراك الضحايا والناجين وعائلات المفقودين والمجتمعات المتضررة في صياغة الآليات المستقبلية. فمشاركة هذه الفئات لا تتعلق فقط بالحصول على معلومات بشأن ذويهم، بل تمتد إلى تحديد احتياجاتهم والمساهمة في بناء المؤسسات التي ستتولى المحاسبة وجبر الضرر وحماية الشهود.

 

وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة بالنسبة إلى العائلات التي فقدت المعيل، إذ ترك الاختفاء آثاراً اقتصادية واجتماعية ونفسية تتجاوز مسألة غياب الشخص نفسه.

المحاكم أمام اختبار الاستقلال

 

بدأت مؤسسات الدولة خطوات قضائية في مسار المحاسبة، من بينها تأسيس محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بقضايا العدالة الانتقالية، التي تنظر في ملفات مرتبطة بانتهاكات خلال عهد النظام السابق.

ويمثل انتقال بعض الملفات إلى القضاء خطوة مهمة في مسار المحاسبة، إلا أن نجاحها يرتبط بمدى استقلال القضاء، وضمان حقوق المتهمين والضحايا، واحترام قواعد المحاكمة العادلة، وإصدار الأحكام استناداً إلى الأدلة.

 

ويشكل ملف الأطفال والمفقودين أحد الملفات التي تترقب العائلات إحالتها إلى المسار القضائي، باعتبار أن معرفة الحقيقة وتحديد المسؤوليات يمثلان جانباً أساسياً من المطالب المطروحة.

إعادة الإعمار لا تكفي

 

لا تنفصل معالجة آثار الحرب عن الدمار الذي خلفته. فالمناطق التي تعرضت للقصف تحتاج إلى إعادة بناء واسعة، بينما تبرز قضايا الملكية وحقوق السكان والعودة إلى المناطق الأصلية باعتبارها ملفات شديدة التعقيد.

تواجه الدولة احتياجات ضخمة في إعادة تأهيل المنازل والبنية التحتية، إلى جانب توفير الموارد اللازمة للتعافي. وتحتاج العملية كذلك إلى معالجة قضايا الملكية التي تراكمت خلال سنوات النزوح، بما يضمن حقوق السكان ويحد من النزاعات المستقبلية.

 

بالنسبة إلى كثير من السوريين، لا تعني العودة مجرد استعادة منزل أو حي، بل استعادة جزء من الحياة التي انقطعت بفعل الصراع. لذلك ترتبط إعادة الإعمار بمسائل أوسع تتعلق بالحقوق والملكية والعودة الآمنة.

بناء الثقة يبدأ من المؤسسات

 

ترى الجهات العاملة في مجال العدالة الانتقالية أن معالجة الانتهاكات السابقة ينبغي أن تقترن بإصلاح المؤسسات والقوانين والممارسات التي سمحت بوقوعها.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى أن العدالة الانتقالية يمكن أن تتحول إلى تغييرات ملموسة في حياة السكان، من خلال تحسين طريقة تعامل مؤسسات الدولة مع المواطنين، وتعزيز حماية الحقوق، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ومنع تكرار الإقصاء والتمييز.

 

كما يرتبط نجاح المسار بقدرة المؤسسات الجديدة على بناء الثقة مع الضحايا والمجتمع، وهو أمر يتطلب الشفافية والمساءلة وضمان المساواة أمام القانون.

طريق طويل

 

تواجه سوريا تحديات متشابكة، من استمرار النزوح والفقر والدمار إلى انتشار السلاح والأزمات الاقتصادية والبيئية، إضافة إلى صعوبة التعامل مع إرث الانتهاكات التي وقعت على مدى سنوات الصراع.

في المقابل، بدأت ملفات ظلت مغلقة لسنوات بالانتقال إلى المجال العام والمؤسسي، مع تأسيس هيئات متخصصة وبدء إجراءات قضائية وفتح نقاشات حول الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر ومنع تكرار الانتهاكات.

 

ويبقى تجاوز إرث الماضي مرتبطاً بقدرة المؤسسات على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وإنصاف المتضررين وإصلاح مواطن الخلل، بالتوازي مع إعادة بناء المدن والاقتصاد. وبينما تمثل الخطوات الحالية بداية لمسار طويل، فإن نجاحه سيتوقف على مدى قدرة السوريين على صياغة عملية تحظى بثقة الضحايا والمجتمع وتؤسس لعلاقة مختلفة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 2

اقرأ أيضاً