يفقد سكان قطاع غزة ساعات طويلة من يومهم في تأمين الماء والغذاء والدواء، بعدما تحولت الاحتياجات الأساسية إلى مهام تتطلب الانتظار والتنقل بين نقاط التوزيع ومراكز الخدمات. ومع استمرار الحرب وتراجع القدرة على توفير الضروريات، بات الوقت نفسه جزءاً من كلفة البقاء، فيما تتقلص مساحة العمل والتعليم والراحة داخل حياة الأسر.
يحتاج القطاع يومياً إلى نحو 450 طناً من الدقيق لتلبية احتياجات السكان، بينما لا تدخل فعلياً سوى كميات تقل عن نصف هذه الحاجة، وفق المعطيات الواردة في التقرير. كما تواجه نحو 82% من الأسر انعدام الأمن المائي، فيما تتراوح نسبة الفاقد في شبكات المياه المتضررة بين 50 و70%.
لا تقتصر آثار هذا الواقع على نقص الموارد، إذ تدفع صعوبة الحصول عليها الأسر إلى إعادة توزيع أدوار أفرادها. يتولى الأطفال في بعض الحالات جلب الخبز والمياه، بينما ينشغل البالغون بتأمين الطعام والدواء ورعاية المرضى، ما يستهلك ساعات كان يمكن أن تذهب إلى الدراسة أو العمل.
يوم يتوزع بين الماء والطعام والدواء
تتكرر الرحلات اليومية بين مصادر المياه ومراكز توزيع الطعام والعيادات، وقد يحتاج الفرد إلى قضاء ساعات للحصول على كمية محدودة من الاحتياجات الأساسية.
أقرا أيضاً:غارة إسرائيلية شمال غزة توقع شهيدين في ذكرى 7 أكتوبر
وتزداد صعوبة هذه المهام بالنسبة إلى المصابين والمرضى وكبار السن، بينما تتحمل الأسر مسؤولية تأمين احتياجات أفرادها في ظل محدودية وسائل النقل وارتفاع تكاليفها.
وتفرض ندرة المياه عمليات بحث متكررة عن مصادر صالحة للاستخدام، في وقت تضررت فيه شبكات الإمداد وارتفعت نسبة الفاقد فيها. ولا تتوقف الحاجة عند مياه الشرب، بل تشمل أيضاً المياه المستخدمة في النظافة والغسيل ورعاية المرضى.
الأطفال أمام أعباء تفوق أعمارهم
أصبح الحصول على الخبز والمياه جزءاً من المسؤوليات اليومية لعدد من الأطفال، ما يؤثر في انتظامهم بالتعليم ويقلص الوقت المتاح للعب والراحة.
وفي بعض المخيمات، يتطلب الوصول إلى نقاط التعبئة السير لمسافات، بينما يستدعي الحصول على الخبز أو الطعام انتظاراً إضافياً. ومع تعدد المهام خلال اليوم، قد يضطر الطفل إلى التأخر عن المبادرات التعليمية أو التغيب عنها.
وتزداد الأعباء داخل الأسر التي تضم مرضى يحتاجون إلى رعاية مستمرة، إذ تستهلك النظافة والعناية الشخصية كميات إضافية من المياه، ما يدفع أفراد العائلة إلى البحث عن مصادر أخرى عند نفاد الكمية المتاحة.
أقرا أيضاً:القسام تستعرض 107 أيام من المواجهات في شمال غزة
ضغط نفسي يتراكم يومياً
يرى مختصون في الصحة النفسية أن الانتظار المستمر والعجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية وتراكم الخسائر وفقدان الشعور بالأمان تفرض نوعاً من الضغط المزمن، يختلف عن الصدمة المباشرة الناتجة عن القصف والانفجارات.
وقد يؤدي استمرار هذا الوضع إلى إجهاد نفسي طويل الأمد يرتبط بالقلق أو الاكتئاب أو الاحتراق النفسي، خصوصاً عندما يترافق مع التعرض المتكرر للخطر وفقدان القدرة على التخطيط للحياة اليومية.
ويختلف هذا الاستنزاف عن الصدمة الناتجة عن حدث مفاجئ، إذ يتشكل تدريجياً من خلال الإرهاق وفقدان الدافع والشعور بالعجز. كما يمكن أن يؤدي غياب القدرة على تنظيم اليوم إلى تراجع الإحساس بالسيطرة على الحياة، وقد يتطور مع الوقت إلى ما يعرف بـ"العجز المكتسب".
الأطفال الأكثر هشاشة
ينعكس انتقال مسؤوليات تأمين الاحتياجات إلى الأطفال على نموهم النفسي والتعليمي، بعدما أصبحت مساعدة الأسرة وتأمين الضروريات تتقدم على الدراسة واللعب وتطوير الذات.
ويشير مختصون إلى أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر هشاشة أمام الضغوط المتراكمة، خصوصاً مع فقدان الاستقرار داخل الأسرة والبيئة التعليمية.
وقد يظهر الضغط النفسي في صورة خوف شديد أو غضب أو عدوانية أو اضطرابات في النوم والأكل، فيما يمكن أن تتطور بعض الحالات إلى اضطراب كرب ما بعد الصدمة، وفق تقييمات نفسية متخصصة.
كما يزيد الازدحام والتنافس على الموارد من مستويات التوتر، بينما تضطر الأسر التي لا تملك بديلاً إلى الاعتماد على الأطفال في جلب المياه والطعام، بمن فيهم الصغار وذوو الإعاقة.
الوقت يتحول إلى خسارة اقتصادية
يؤدي الانتظار للحصول على الاحتياجات الأساسية إلى خسارة اقتصادية تتجاوز قيمة السلع نفسها، إذ يخسر الفرد الساعات التي كان يمكن أن يخصصها للعمل أو الدراسة أو رعاية أسرته.
ويضع نقص المواد الأساسية السكان أمام خيارين: دفع أسعار أعلى للحصول عليها مباشرة، أو توفير المال مقابل قضاء ساعات في الانتظار. ويعرف الاقتصاديون هذه الخسارة بمفهوم "تكلفة الفرصة البديلة"، أي قيمة النشاط الذي يتخلى عنه الفرد أثناء تأمين احتياجاته.
ولا يمكن اختزال ارتفاع البطالة في ظاهرة الانتظار، إذ سبقت ذلك الحرب التي أضعفت فرص العمل والنشاط الاقتصادي على نطاق واسع. لكن الوقت الذي تستهلكه عمليات الحصول على الضروريات يزيد الضغط على من لا يزالون قادرين على العمل، من خلال التأخير عن وظائفهم وتقليص إنتاجيتهم.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، انكمش الناتج المحلي في غزة بنسبة 83% خلال 2024، ثم سجل انكماشاً إضافياً بنحو 7% في العام التالي.
استنزاف يتجاوز نقص الموارد
لا تقتصر كلفة الحصول على الماء والطعام والدواء على الجهد المبذول، بل تمتد إلى الوقت الذي يُنتزع من التعليم والعمل والراحة والحياة الأسرية.
ومع تكرار الرحلات إلى نقاط التوزيع والانتظار لساعات للحصول على كميات محدودة، يتحول اليوم إلى سلسلة من المهام المرتبطة بالبقاء. ويطال أثر ذلك الأطفال بصورة خاصة، بعدما أصبحت مسؤوليات كانت تقع على عاتق البالغين جزءاً من حياتهم اليومية.
هكذا تعيد الأزمة تشكيل تفاصيل الحياة في غزة، فلا تستنزف الموارد وحدها، بل تستهلك الوقت والطاقة وتفرض على السكان تخصيص جزء كبير من يومهم لتأمين أبسط مقومات العيش، في واقع يترك آثاراً تتجاوز الحاضر إلى التعليم والعمل والصحة النفسية.