تدخل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عامها الرابع، فيما لا تزال الانقسامات الفلسطينية تعرقل جهود توحيد الصف الداخلي، رغم اتساع حجم الخسائر والدمار في القطاع، وتصاعد الاستيطان والعمليات العسكرية في الضفة الغربية.
أقرا أيضاً: القسام تستعرض 107 أيام من المواجهات في شمال غزة
خلال السنوات الثلاث الماضية، لم تنجح تداعيات الحرب في دفع حركتي «فتح» و«حماس» إلى تجاوز خلافاتهما الممتدة منذ عام 2007، رغم تعدد اللقاءات والاتفاقات التي بحثت إنهاء الانقسام وتشكيل إطار وطني موحد للتعامل مع تداعيات الحرب ومستقبل الأراضي الفلسطينية.
في غزة، تجاوزت الأزمة أبعادها العسكرية إلى أوضاع إنسانية متفاقمة، مع نزوح أكثر من مليوني فلسطيني إلى مناطق محدودة المساحة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وسط نقص في الأدوية واتساع مخاطر المجاعة والأمراض. كما طال الدمار مساحات واسعة من القطاع، فيما تتطلب إعادة الإعمار موارد ضخمة وترتيبات سياسية وأمنية معقدة.
أما في الضفة الغربية، فتتواصل عمليات الاستيطان والاقتحامات والهجمات، إلى جانب القيود المفروضة على الحركة والنشاط الاقتصادي، ما يزيد الضغوط على السلطة الفلسطينية التي تواجه بدورها أزمة مالية وسياسية متفاقمة.
أقرا أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في غزة والضفة الغربية بتاريخ 6_10_2026
الانقسام يعرقل توحيد القرار الفلسطيني
تتولى «حماس» إدارة قطاع غزة منذ عام 2007، بينما تقود «فتح» السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وهو واقع كرّس انقساماً سياسياً وجغرافياً طال أمده. ومع الحرب، برزت ترتيبات جديدة مرتبطة بإدارة القطاع ووقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، ما أضاف تعقيدات إلى أي مسعى لتشكيل حكومة توافق فلسطينية قادرة على إدارة الضفة وغزة معاً.
في هذا السياق، طرحت قوى فلسطينية مختلفة الحاجة إلى برنامج وطني موحد يحدد شكل الإدارة السياسية للمرحلة المقبلة، وآليات إعادة الإعمار، ومستقبل المؤسسات الفلسطينية، في ظل رفض خطط من شأنها تكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية.
«إعلان بكين» من دون تنفيذ
لم تتمكن سلسلة الاتفاقات السابقة بين «فتح» و«حماس» من إنهاء الانقسام، رغم توقيع اتفاقات في القاهرة والدوحة وغزة. وكان «إعلان بكين»، الذي وقعته 14 فصيلاً فلسطينياً في 23 تموز/يوليو 2024، أحدث أبرز المحاولات في هذا المسار.
نص الإعلان على تشكيل حكومة وفاق وطني بقرار رئاسي تتولى إدارة المؤسسات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، والإشراف على إعادة الإعمار، إلى جانب التأكيد أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والعمل على انضمام مختلف الفصائل إلى إطارها.
دعا الاتفاق كذلك إلى إجراء الانتخابات وتمكين لجنة الانتخابات المركزية من أداء مهامها، مع التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال ورفض محاولات التهجير.
لكن الإعلان لم يتحول إلى خطوات تنفيذية على الأرض، في ظل غياب جداول زمنية ملزمة وآليات واضحة لتطبيق بنوده، فضلاً عن استمرار الخلافات السياسية بين الطرفين وتغير الظروف التي أحاطت بالاتفاق بعد اندلاع الحرب.
خلافات حول المسؤولية والبرنامج السياسي
تتمسك «فتح» بموقف ينتقد قرار «حماس» شن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتربطه بالنتائج الكارثية التي لحقت بقطاع غزة، بينما تحمل «حماس» «فتح» مسؤولية استمرار الانقسام وتنتقد المسار السياسي والتفاوضي مع إسرائيل.
ويرى الكاتب الصحافي محمد العجلة أن الخلاف بين الحركتين لم يتغير بعد مرور 3 سنوات على الحرب، وأن استمرار الانقسام يفاقم الأزمة الفلسطينية ويضعف القدرة على مواجهة التحديات القائمة.
ودعا العجلة إلى التوجه نحو مصالحة حقيقية والاتفاق على برنامج وطني، معتبراً أن الظروف الحالية تتطلب تشكيل حكومة مهنية بغطاء وطني تتولى إدارة الضفة وغزة، بما يحول دون تكريس الفصل بينهما.
كما اعتبر أن الحوار الوطني المرتقب في مصر يمثل فرصة لتجاوز إخفاقات التجارب السابقة، والتوصل إلى برنامج سياسي مرحلي يعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية ويعيد القضية إلى صدارة الاهتمام الدولي.
حوار القاهرة والانتخابات
لم يتحدد موعد نهائي للحوار الوطني الفلسطيني المرتقب في القاهرة، في وقت تتواصل التحضيرات لعقده وسط استمرار الخلافات بين «فتح» و«حماس».
ويُعد ملف الانتخابات من أبرز القضايا المطروحة أمام الحوار، خصوصاً مع استمرار الجدل بشأن موعد الاستحقاقات الانتخابية وآليات إجرائها في ظل الظروف القائمة. وكان مرسوم رئاسي قد حدد 28 تشرين الثاني/نوفمبر موعداً للانتخابات، قبل أن تبرز صعوبات تتعلق باستكمال
الاستعدادات اللازمة.
وتتمسك «فتح» بإجراء الانتخابات باعتبارها وسيلة لتجديد الشرعيات وتعزيز وحدة النظام السياسي الفلسطيني، وتدعو إلى تهيئة الظروف لإجرائها في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وتمكين لجنة الانتخابات المركزية من أداء مهامها.
في المقابل، أعلنت «حماس» استعدادها للجلوس مع الرئيس محمود عباس بهدف وضع أسس لبرنامج وطني وتحقيق وحدة سياسية، مؤكدة أن التحالف مع الفصائل الفلسطينية سيبقى قائماً في حال تأجيل الانتخابات.
تحالفات جديدة تزيد تعقيد المشهد
يزداد ملف المصالحة تعقيداً مع بروز احتمالات لتحالف انتخابي بين «حماس» و«تيار الإصلاح الديمقراطي» الذي يتزعمه محمد دحلان، القيادي السابق في «فتح»، في ظل مشاركته في اتصالات مرتبطة بالتهدئة والوساطة.
وطلبت «حماس» مشاركة التيار في جلسات الحوار الوطني المرتقب في القاهرة، بينما ترفض «فتح» ذلك، معتبرة أن التيار لا يمثل جسماً تنظيمياً رسمياً معترفاً به داخل الساحة الفلسطينية.
ويضيف هذا الخلاف عقبة جديدة أمام التحضيرات للحوار، خصوصاً مع استمرار التباين حول شكل المشاركة السياسية وترتيبات المرحلة المقبلة.
مصالحة مؤجلة أمام تحديات متزايدة
بعد 3 سنوات من الحرب، تبدو المصالحة الفلسطينية أمام اختبار أكثر تعقيداً من المراحل السابقة. فالخلافات الداخلية لم تعد تقتصر على البرنامج السياسي أو توزيع الصلاحيات، بل باتت مرتبطة أيضاً بإدارة غزة، وإعادة الإعمار، ومستقبل الأجهزة والمؤسسات، والانتخابات، وشكل العلاقة بين الضفة والقطاع.
في ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية، يبقى توحيد القرار الفلسطيني أحد أبرز التحديات أمام القوى والفصائل، فيما يكتسب الحوار المرتقب في القاهرة أهمية إضافية باعتباره اختباراً لقدرة الأطراف على تحويل الاتفاقات السابقة من وثائق سياسية إلى خطوات عملية قابلة
للتنفيذ.