تتزايد المخاوف داخل الاتحاد الأوروبي من تحول الجبهة الشرقية إلى مسار جديد للهجرة غير النظامية، مع ارتفاع أعداد القادمين من بيلاروسيا نحو لاتفيا وليتوانيا، وظهور وسائل أكثر تعقيداً لتجاوز الحواجز، بينها حفر الأنفاق.
أقرا أيضاً:القسام تستعرض 107 أيام من المواجهات في شمال غزة
تتهم بولندا ودول البلطيق الثلاث، لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، بيلاروسيا، وبدعم روسي محتمل وفق الرواية الأوروبية، بتسهيل وصول طالبي اللجوء واستخدامهم أداة للضغط السياسي ضمن ما تصفه بروكسل بـ"الحرب الهجينة". وتعيد التطورات الراهنة إلى الأذهان موجة 2021، حين تحولت الحدود البيلاروسية البولندية إلى بؤرة توتر بين مينسك والاتحاد الأوروبي.
بولندا تشدد إجراءاتها
دفعت أحداث 2021، إلى جانب مقتل جندي بولندي متأثراً بإصابته خلال مواجهات مع مهاجرين عام 2024 وفق الرواية الرسمية في وارسو، السلطات إلى رفع مستوى التحصين.
وفي مارس/آذار 2025، اتخذت بولندا إجراءات استثنائية شملت تقييد إمكانية تقديم طلبات اللجوء عند المعابر، وتعزيز سياج يبلغ ارتفاعه نحو 4 أمتار ويمتد لمسافة 190 كيلومتراً، فضلاً عن زيادة انتشار القوات الخاصة والشرطة وإمكانية إغلاق المعابر مؤقتاً في الظروف الأمنية الاستثنائية.
وتقول وارسو إن هذه الخطوات ساهمت في خفض محاولات التسلل. ووفق البيانات الواردة في التقرير، لم يتجاوز العدد 335 محاولة حتى بداية أغسطس/آب 2026، مقابل نحو 29,700 محاولة خلال عام 2025.
في المقابل، سجلت لاتفيا 9,609 محاولات منذ مطلع العام، بينما أحصت ليتوانيا 1,105 محاولات خلال الفترة نفسها.
انتقال الضغط إلى دول البلطيق
يربط مراقبون هذا التحول بتشديد الإجراءات البولندية، فيما يرجح آخرون أن تكون شبكات تهريب البشر تسعى إلى استغلال الفترة التي تسبق الشتاء، في منطقة شاسعة تغطيها الغابات والمستنقعات.
وتشير تقارير ميدانية إلى استخدام وسائل متعددة لاجتياز العوائق، من تسلق السياج إلى عبور المجاري المائية، وصولاً إلى حفر ممرات تحت الأرض. وأعلنت السلطات اللاتفية العثور على عدة أنفاق قرب بيلاروسيا، أحدها مجهز لاستيعاب أعداد كبيرة.
وتتراوح أعداد الوافدين إلى لاتفيا، وفق تقديرات نقلتها وسائل إعلام، بين 30 و100 شخص يومياً، غالبيتهم رجال تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عاماً، مع تراجع ملحوظ في أعداد النساء والعائلات.
طرق الوصول إلى بيلاروسيا
تقول منظمة "غروبا غرانيشا" إن تحديد المسارات التي يسلكها القادمون إلى بيلاروسيا ليس سهلاً، مشيرة إلى أن بعضهم يحمل تأشيرات روسية أو بيلاروسية للدراسة أو السياحة.
خلال أزمة 2021، تحدثت المنظمة عن نقل أشخاص إلى مناطق قريبة من خط الفصل ومنع بعضهم من العودة، إلى جانب الترويج لعروض سياحية في بيلاروسيا. كما أشارت إلى رحلات جوية وصلت من دول بينها العراق وتركيا والإمارات.
وخلال 2026، شكّل الأفغان والباكستانيون النسبة الأكبر من الوافدين إلى ليتوانيا، بينما تصدرت الجنسيات الأفغانية والباكستانية والسودانية والإريترية والكاميرونية قائمة القادمين إلى بولندا خلال 2025.
كلفة بشرية مرتفعة
تحمل الرحلة مخاطر كبيرة، خصوصاً أن المناطق المحيطة بالحدود تضم مستنقعات وغابات كثيفة وتفتقر إلى التجمعات السكانية.
ووفق المنظمة الدولية للهجرة، توفي 132 شخصاً على الحدود الأوروبية البيلاروسية منذ 2021 وحتى أغسطس/آب 2026.
أما منظمة "غروبا غرانيشا" فتقول إنها وثقت 107 وفيات على الجانب البولندي، إضافة إلى 13,266 عملية إعادة قسرية، فيما رصدت حالات مماثلة في ليتوانيا ولاتفيا.
وتنظر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضايا تتعلق بعمليات الإعادة القسرية التي نفذتها الدول الثلاث، من دون صدور أحكام نهائية فيها حتى الآن.
وتبرر وارسو وريغا وفيلنيوس تشديد التدابير بما تصفه بـ"التهديدات الهجينة" القادمة من موسكو ومينسك. في المقابل، تنص القواعد الأوروبية على بقاء حظر الإعادة القسرية قائماً حتى خلال الأزمات، مع السماح ببعض التعديلات الإجرائية المتعلقة بآجال معالجة طلبات اللجوء.
ألمانيا في نهاية الطريق
تحظى التطورات باهتمام ألماني خاص، نظراً إلى أن ألمانيا تعد من أبرز الوجهات التي يقصدها طالبو اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي.
لهذا السبب، قارنت وسائل إعلام ألمانية بين الوضع الحالي وما شهدته مدينة سبتة الإسبانية، حيث استُخدمت حركة الهجرة في سياق ضغوط سياسية على الاتحاد الأوروبي.
وتشير إفادات نقلتها وسائل إعلام عن ناشطين إلى أن لاتفيا أصبحت بالنسبة إلى بعض القادمين محطة انتقال نحو دول أخرى، خصوصاً ألمانيا. ووفق هذه الروايات، يبدأ مسار بعضهم من دول في أفريقيا والشرق الأوسط باتجاه روسيا، قبل الانتقال منها إلى دول البلطيق.
اتهامات لمينسك
ينقل الإعلام المحلي عن حرس الحدود اللاتفيين اعتقادهم بأن بعض عمليات التسلل يصعب تنفيذها من دون علم الجانب البيلاروسي أو تغاضيه عنها.
كما تتحدث روايات أمنية عن مخيمات داخل بيلاروسيا يقيم فيها القادمون لفترات متفاوتة، قبل توجيههم نحو السياج، مع اتهامات بتوفير وسائل تساعدهم على تجاوزه.
غير أن هذه الروايات تمثل بالأساس مواقف السلطات والجهات الأمنية في دول الاتحاد الأوروبي، ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيلها، خصوصاً في المناطق الخاضعة لقيود أمنية مشددة.
هل تتكرر سبتة؟
لا تقتصر الضغوط على لاتفيا؛ فقد سجلت ليتوانيا أيضاً أكثر من ألف محاولة خلال العام، بينما رصدت إستونيا، رغم عدم امتلاكها حدوداً مباشرة مع بيلاروسيا، زيادة في دخول أشخاص من دون وثائق، وسط اعتقاد بأن بعضهم يصل عبر الأراضي اللاتفية.
تكشف هذه المعطيات تغيراً في مسار الضغط على الجبهة الشرقية للاتحاد الأوروبي. فمع نجاح بولندا في تقليص الأعداد عبر تعزيز الحواجز، انتقل جزء من النشاط إلى مناطق أخرى، بالتزامن مع لجوء شبكات التهريب إلى وسائل أكثر تعقيداً، بينها الأنفاق.
وبين المخاوف الأمنية والاعتبارات الإنسانية والاتهامات الموجهة إلى مينسك وموسكو باستخدام الهجرة ضمن أدوات "الحرب الهجينة"، تواجه دول البلطيق اختباراً جديداً. ويبقى السؤال ما إذا كان التصعيد الحالي سيظل محدوداً، أم يتحول إلى موجة أوسع تعيد إلى أوروبا أزمات شهدتها
حدودها خلال السنوات الماضية.