إعادة الإعمار في سوريا تصطدم بتعقيدات الاستملاك والملكية

2026.10.07 - 12:35
Facebook Share
طباعة

تواجه سوريا في المرحلة الانتقالية ملفات عقارية وعمرانية معقدة تراكمت على مدى عقود، ويبرز بينها ملف الاستملاك ومخالفات البناء وحقوق الملكية، خصوصًا في دمشق وريفها. وتزداد حساسية هذه القضايا مع عودة النازحين والمهجرين، وارتفاع قيمة الأراضي، وبدء البحث في مشاريع إعادة الإعمار والاستثمار.


أقرا أيضاً: قصف إسرائيلي جديد يستهدف محيط عابدين في حوض اليرموك

 


لا يرتبط ملف الملكية في سوريا بمرحلة سياسية واحدة، إذ يعود جزء من الإطار القانوني المنظم للاستـملاك إلى عقود سابقة، فيما أضيفت لاحقًا تشريعات تناولت التخطيط العمراني وإعادة تنظيم المناطق وتطويرها. وتثير هذه المنظومة أسئلة تتعلق بكيفية تقدير التعويضات، وإثبات الملكية، وإتاحة سبل الاعتراض والطعن أمام أصحاب العقارات.


الاستملاكات وتعقيدات الملكية

يجيز القانون السوري الاستملاك للمنفعة العامة ضمن حالات محددة، لكن الإشكالية لا ترتبط بمبدأ الاستملاك وحده، بل بطريقة تطبيقه وتحديد قيمة التعويض وضمان حق أصحاب العقارات في الاعتراض.

أقرا أيضاً:اختطاف وهمي لطفلة يشعل التوتر بين قبتان ونبل


تزداد الصعوبات عندما تكون قيمة الأرض قد ارتفعت بصورة كبيرة منذ تاريخ الاستملاك، ما يخلق فجوة بين التعويض الذي حصل عليه المالك آنذاك والقيمة الحالية للعقار. كما أدت سنوات الحرب إلى فقدان وثائق وتضرر سجلات عقارية، الأمر الذي زاد صعوبة إثبات الملكية وتسوية النزاعات.


كانت مشكلات تسجيل الأراضي موجودة قبل الحرب، ثم تفاقمت خلال سنوات النزاع بسبب النزوح وتضرر المؤسسات وانتشار المعاملات غير الرسمية. لذلك أصبح توثيق الملكيات واستعادة السجلات وتسوية النزاعات من أبرز متطلبات مرحلة التعافي.

 

في دمشق وريفها، اكتسب الملف أهمية إضافية نتيجة التوسع العمراني وارتفاع قيمة الأراضي القريبة من العاصمة. وتبرز مناطق مثل الصبورة والديماس وقدسيا والمعضمية في النقاشات المتعلقة بالاستملاك وإعادة التنظيم، غير أن تحديد حجم الأراضي المستملكة وقيمة التعويضات يحتاج إلى مراجعة القرارات والسجلات الرسمية لكل حالة.


الاستملاك وإعادة التنظيم


لم تقتصر عمليات نقل الملكية على الاستملاك التقليدي، إذ استخدمت الدولة خلال عقود أدوات قانونية أخرى لإعادة التخطيط وتنظيم المناطق وتطويرها.

أدخلت التشريعات السورية أطرًا مختلفة للاستـملاك والتطوير العقاري وإعادة تنظيم المناطق، الأمر الذي جعل ملف الملكية أكثر تشابكًا، خصوصًا في المناطق التي شهدت مشاريع عمرانية واسعة.

 

تزداد الإشكالية عندما يكون العقار المستملك قد دخل ضمن مشروع قائم، مثل مدرسة أو مستشفى أو جامعة أو طريق أو مرفق عام. في مثل هذه الحالات، تصبح إعادة العقار إلى مالكه الأصلي أكثر تعقيدًا، وقد يكون التعويض أو التسوية القانونية بديلًا أكثر قابلية للتطبيق.

 

ملف الأراضي المحيطة بدمشق

 

يرتبط جزء من النقاش العام حول الأراضي المحيطة بدمشق باستخدام بعض المناطق خلال العقود السابقة لأغراض سكنية وعسكرية وأمنية. لكن توصيف جميع عمليات الاستملاك بأنها كانت جزءًا من سياسة واحدة أو هدف واحد يحتاج إلى وثائق وأدلة خاصة بكل حالة.

 

الثابت أن الحرب والسياسات العمرانية السابقة تركتا واقعًا شديد التعقيد في الملكية والسكن، إذ أصبحت بعض الأراضي مرتبطة بمنشآت عامة أو مساكن أو مرافق عسكرية، بينما بقي أصحاب الملكيات الأصلية يطالبون بمراجعة القرارات التي مست حقوقهم.

 

لذلك تتطلب معالجة كل حالة دراسة مصدر الملكية، وقرار الاستملاك، والغرض الذي صدر من أجله، وقيمة التعويض، والاستخدام الحالي للعقار.

 

بعد سقوط النظام ومطالب رد الحقوق

أعاد التغيير السياسي في سوريا ملف الملكية إلى الواجهة، مع ارتفاع المطالبات بمراجعة عمليات الاستملاك ورد الحقوق إلى أصحابها، خصوصًا في الحالات التي يرى أصحابها أنها تمت دون تعويض عادل أو لغايات لا تتطابق مع المنفعة العامة المعلنة.


في المقابل، يبرز سؤال عملي حول العقارات التي استُملكت منذ عقود وأقيمت عليها مدارس ومستشفيات وجامعات وطرق ومرافق عامة تخدم ملايين المواطنين.

لا تبدو المعالجة الموحدة لجميع الحالات ممكنة؛ فبعض العقارات قد يكون قابلًا للرد، بينما تتطلب حالات أخرى تعويضًا إضافيًا أو تسوية قانونية، في حين أصبح بعضها الآخر جزءًا من مرافق عامة لا يمكن إزالتها دون التأثير في الخدمات الأساسية.

الاستثمار وإعادة الإعمار

تدخل الاستثمارات العقارية في صلب عملية إعادة إعمار سوريا، في ظل حجم الأضرار التي خلفتها الحرب والحاجة إلى تمويل ضخم لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية والمنشآت العامة.

يمكن للشراكة بين أصحاب الأراضي والمستثمرين أن تشكل أحد الخيارات لتطوير المناطق المستملكة أو المتضررة، لكن نجاح هذا النموذج يتطلب وضوح الملكية، وتقييمًا مستقلًا لقيمة الأرض، وعقودًا شفافة، وضمانات قانونية لأصحاب الحقوق.

 

تظهر هنا مواقف مختلفة بين أصحاب العقارات؛ فبعضهم يطالب باستعادة أرضه، بينما يقبل آخرون بالشراكة مع المستثمر مقابل حصة من المشروع. وتبقى النقطة الأكثر حساسية هي تحديد النسبة التي تعكس قيمة الأرض من جهة، وحجم التمويل وأعمال التطوير التي يتحملها المستثمر من جهة أخرى.

لا ينبغي أن تقتصر المعادلة على مساحة البناء التي يحصل عليها كل طرف، بل يجب أن تأخذ في الاعتبار قيمة الأرض، وتكاليف التطوير، والتمويل، والبنية التحتية، والمخاطر الاستثمارية، والقيمة المتوقعة للمشروع بعد إنجازه.

مخالفات البناء وتعقيدات ما بعد الحرب

يتقاطع ملف الاستملاك مع مشكلة مخالفات البناء والتوسع العمراني غير المنظم، التي تفاقمت خلال سنوات الحرب نتيجة النزوح وضعف الرقابة وتضرر المؤسسات.


أنتجت سنوات النزاع حالات متعددة يصعب فيها تحديد صاحب الحق، خصوصًا عندما فقدت الوثائق أو تغيرت حيازة العقارات أو أقيمت أبنية جديدة على أراضٍ متنازع عليها.


لهذا السبب، لا يمكن فصل إعادة الإعمار عن معالجة حقوق الملكية. فأي مشروع عمراني واسع يحتاج أولًا إلى تحديد أصحاب الحقوق، وتوثيق الملكيات، وتسوية النزاعات، ومنع نشوء نزاعات جديدة نتيجة مشاريع التطوير.


المباني العسكرية والسكنية المحيطة بدمشق

تطرح العقارات التي كانت تستخدم لأغراض عسكرية أو سكنية من قبل مؤسسات الدولة السابقة ملفًا آخر يتعلق بحقوق الملكية والإشغال.

الإقامة الطويلة في عقار مملوك للدولة لا تمنح الشاغل تلقائيًا حق الملكية، لكن معالجة أوضاع المقيمين في هذه العقارات تحتاج إلى إجراءات قانونية واضحة، خصوصًا إذا كانت الأسر قد شغلتها بموجب قرارات أو عقود رسمية أو لا تملك مساكن بديلة.

 

في المقابل، يمكن للدولة الاستفادة من الأصول السكنية المتاحة في معالجة أزمة السكن وإيواء الأسر التي فقدت منازلها خلال الحرب، على أن يتم ذلك وفق قواعد قانونية واضحة تراعي حقوق المالكين وتمنع الإخلاء التعسفي.

بين رد الحقوق ومتطلبات الإعمار

لا يكمن التحدي في المفاضلة بين حقوق أصحاب الأراضي والاستثمار، بل في بناء إطار قانوني يوازن بين حماية الملكية ومتطلبات إعادة الإعمار.

يتطلب ذلك جردًا شاملًا لقرارات الاستملاك، ورقمنة السجلات العقارية، والتحقق من الملكيات، وإعادة بناء الوثائق المفقودة، وإنشاء آليات مستقلة وفعالة لتسوية النزاعات.

تحتاج مشاريع التطوير الكبرى كذلك إلى تقييم شفاف للأراضي قبل طرحها للاستثمار، مع وضوح شروط الشراكة ونسب توزيع العوائد وآليات التعويض، حتى لا تتحول إعادة الإعمار إلى مصدر جديد للنزاع على الملكية.

في الحالة السورية، ستكون إعادة بناء الثقة بين الدولة وأصحاب الملكيات عنصرًا أساسيًا في أي مشروع عمراني واسع. الاستثمار يحتاج إلى ملكيات واضحة وضمانات قانونية، وأصحاب الأراضي يحتاجون إلى آليات عادلة لحماية حقوقهم، بينما تحتاج الدولة إلى مشاريع توفر السكن وفرص العمل وتعيد تنشيط الاقتصاد.

يبقى نجاح هذه المعادلة مرتبطًا بقدرة المؤسسات على معالجة إرث الاستملاك ومخالفات البناء وفق قواعد واضحة وشفافة، تضمن رد الحقوق أو التعويض العادل حيثما أمكن، وتفتح في الوقت نفسه المجال أمام استثمارات قادرة على تمويل إعادة الإعمار دون إعادة إنتاج النزاعات التي خلفتها العقود الماضية.

 

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 9

اقرأ أيضاً