منذ توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، وبعد 221 يوماً على اندلاع الحرب بين الجانبين، تتواصل التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية على أكثر من مسار، بالتزامن مع استمرار الخلاف حول شروط إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، ووسط ضغوط اقتصادية متزايدة على إيران ومساعٍ أميركية للحصول على تنازلات مرتبطة ببرنامجها النووي.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن حركة مرور النفط عبر مضيق هرمز عادت، بحسب تقديره، إلى مستويات ما قبل الحرب، بل تجاوزتها في بعض الأحيان، مضيفاً أن الولايات المتحدة في وضع جيد جداً، في حين وصف الوضع الإيراني بأنه شديد السوء.
وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع تدفقات النفط الخام من منطقة الخليج بشكل كبير مقارنة بالأشهر الأولى للحرب، إذ بلغت صادرات الخام عبر المنطقة نحو 16.5 مليون برميل يومياً في أيلول، مقابل نحو 6 ملايين برميل يومياً في آذار. إلا أن حركة المنتجات النفطية المكررة، ولا سيما الديزل، لا تزال أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، كما أن جزءاً متزايداً من النفط يتجاوز المضيق عبر خطوط أنابيب وعمليات نقل بين السفن.
طهران تتحدث عن استمرار الضغوط
وفي المقابل، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن الولايات المتحدة خسرت الحرب العسكرية، معتبراً أنها ستفشل أيضاً في الحرب الاقتصادية.
وتأتي تصريحات رضائي في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً اقتصادية كبيرة، وسط تراجع صادراتها النفطية وتعطل حركة تحميل الخام، إذ أشارت بيانات نقل ومتابعة ملاحية إلى توقف تحميل النفط الإيراني على السفن خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع القيود الأميركية على صادرات البلاد.
وفي السياق نفسه، أقر محافظ البنك المركزي الإيراني بأن الضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد كبيرة، لكنه أكد وجود برامج وخطط متعددة للتعامل معها ومواجهة تداعيات الحرب والقيود المفروضة على الاقتصاد.
وتعكس التصريحات الإيرانية محاولة التأكيد على قدرة المؤسسات الاقتصادية على التعامل مع الظروف الحالية، في وقت تستمر فيه الضغوط على قطاع النفط والتجارة الخارجية وسعر العملة والأسواق المحلية.
انفجار قرب قشم
وأفادت وكالة الأنباء الإيرانية بسماع دوي انفجار من جهة البحر بالقرب من جزيرة قشم جنوبي البلاد.
وأكدت الوكالة أن الجزيرة لم تتعرض لاستهداف، ولم تتحدث المعلومات المتداولة عن وقوع أضرار أو خسائر نتيجة الصوت الذي سُمع في المنطقة.
ويأتي ذلك في ظل استمرار حالة التأهب الأمني في مناطق مختلفة من إيران، بعد أشهر من العمليات العسكرية والهجمات التي طالت منشآت ومواقع داخل البلاد.
انتقادات لترمب بعد حديثه عن المدن الأميركية
وفي الولايات المتحدة، واجه ترمب انتقادات من قادة ديمقراطيين في ولاية كاليفورنيا، إلى جانب بعض الجمهوريين، على خلفية تصريحات تحدث فيها عن احتمال تدمير إيران مدينتي لوس أنجلوس وسان دييغو، معتبراً أن ذلك سيكون ثمناً ضئيلاً ينبغي دفعه لتحقيق النصر.
وأثارت التصريحات ردود فعل سياسية داخل الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه النقاشات بشأن كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية، ولا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني.
وتأتي هذه الانتقادات بالتزامن مع استمرار ترمب في التأكيد على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما تواجه الإدارة الأميركية ضغوطاً مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف العمليات العسكرية.
حركة النفط تتعافى وأزمة النقل مستمرة
وفي قطاع الطاقة، نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن الرئيس التنفيذي لشركة "فيتول" لتجارة النفط، راسل هاردي، أن نحو 12 مليون برميل من النفط الخام ومليوني برميل من الوقود المكرر تتحرك يومياً من منطقة الخليج.
وأشار هاردي إلى أن ارتفاع التدفقات النفطية ترافق مع مشكلة أخرى تتمثل في نقص الناقلات وارتفاع تكاليف الشحن، نتيجة اعتماد مسارات وعمليات نقل أكثر تعقيداً في ظل الظروف الأمنية المحيطة بمضيق هرمز.
وبحسب هاردي، فإن نقل النفط من الخليج بات يعتمد بدرجة أكبر على عمليات نقل بين السفن، وهو ما يرفع الحاجة إلى الناقلات ويزيد تكاليف النقل ويضغط على قدرة الأسواق على استيعاب التدفقات. كما حذر من إمكانية ارتفاع أسعار النفط بصورة حادة إذا تعرضت تدفقات الخليج إلى اضطراب جديد.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ارتفاع تدفقات الخام لا يعني عودة قطاع الطاقة إلى وضعه الطبيعي بالكامل، إذ لا تزال حركة المنتجات المكررة أقل من مستويات ما قبل الحرب، فيما تواصل المخاطر الأمنية والتكاليف اللوجستية التأثير في حركة التجارة.
إيران تتحدث عن أهداف أميركية لتغيير النظام
وقال أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران حسن أحمديان إن الضغوط الاقتصادية والعسكرية الأميركية تستهدف، وفق تقديره، إحداث تغيير في النظام والمواقف الإيرانية، لكنه اعتبر أن هذه الضغوط لم تحقق أهدافها حتى الآن.
وأضاف أحمديان أن طهران تمتلك، بحسب تقديره، قدرة على التكيف والصمود أمام الضغوط، مشيراً إلى أن أحد أبرز الخلافات الحالية مع واشنطن يتعلق بشروط إعادة فتح مضيق هرمز.
وأوضح أن إيران ترفض مرور البوارج العسكرية الأميركية في الجزء الجنوبي من المضيق، كما تتمسك بالفصل بين ملف المضيق والملف النووي، في حين تسعى واشنطن إلى ربط ترتيبات إنهاء الحرب بمجموعة من المطالب الأمنية والنووية.
وتأتي هذه الخلافات بالتزامن مع استمرار الاتصالات غير المباشرة بين الطرفين وتبادل المقترحات، وسط وساطات إقليمية تهدف إلى التوصل إلى صيغة تسمح بإنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق بصورة أوسع.
الحرس الثوري يتحدث عن صمود إيران
وفي سياق متصل، نقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن مسؤول في الحرس الثوري الإيراني قوله إن خصوم إيران أخطأوا في تقديراتهم المتعلقة بإمكانية انهيار البلاد.
وقال المعاون السياسي للحرس الثوري إن تقديرات الخصوم، بحسب ما عرضه، كانت تقوم على إمكانية إحداث فراغ في السلطة ودفع بنية الدولة إلى الانهيار خلال فترة قصيرة، من خلال الجمع بين العمليات العسكرية والعقوبات الاقتصادية وإثارة الاضطرابات الداخلية واستهداف شخصيات ومسؤولين.
وأضاف أن هذه الحسابات لم تتحقق، معتبراً أن ما وصفه بالوحدة الوطنية ووعي الإيرانيين حال دون الوصول إلى النتائج التي كان يتوقعها خصوم البلاد.
وتأتي هذه التصريحات في إطار الخطاب الإيراني الذي يركز على استمرار مؤسسات الدولة وقدرتها على العمل رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تعرضت لها البلاد منذ اندلاع الحرب.
فانس يضع التخصيب في صلب الاتفاق
وفي أحدث المواقف الأميركية بشأن شروط إنهاء الحرب، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن إيران مطالبة بإجراء خفض ملموس في قدراتها على تخصيب اليورانيوم كجزء من أي اتفاق ينهي الحرب.
وأوضح فانس في مقابلة مع رويترز أن واشنطن تريد خطوات عملية من طهران، وليس مجرد تعهدات مستقبلية، معتبراً أن استمرار إيران في امتلاك قدرات تخصيب مرتفعة يتعارض مع الموقف الأميركي بشأن منعها من امتلاك سلاح نووي.
وقال فانس إن واشنطن لا تزال منفتحة على التوصل إلى اتفاق، لكنه أكد أن أي تسوية ستحتاج إلى تنازلات إيرانية ملموسة في الملف النووي، مضيفاً أن الولايات المتحدة لن تكتفي بالكلمات بدلاً من الإجراءات.
وفي المقابل، تتمسك طهران بموقفها من برنامجها النووي وبفصل قضية مضيق هرمز عن الملف النووي، ما يجعل التوصل إلى صيغة مشتركة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع اختلاف الطرفين بشأن مستوى التخصيب وترتيبات الملاحة العسكرية في المضيق.
كما أشار فانس إلى أن واشنطن لا تزال غير متأكدة من آلية اتخاذ القرار داخل إيران، بينما قالت وزارة الخارجية الإيرانية في وقت سابق إن المسؤولين الأميركيين يعرفون جيداً نظراءهم الإيرانيين وآلية صنع القرار في البلاد.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الخلاف بين واشنطن وطهران لا يتركز على ملف واحد، بل يتداخل فيه مستقبل البرنامج النووي الإيراني مع وضع مضيق هرمز والعقوبات والضغوط الاقتصادية، إلى جانب شروط وقف العمليات العسكرية.
وفي الوقت الذي ترى فيه واشنطن أن خفض قدرات التخصيب يمثل شرطاً أساسياً لأي تسوية، تتمسك طهران بفصل الملفات وعدم تقديم تنازلات منفصلة عن ترتيبات الحرب والمضيق، بينما يستمر تدفق النفط من الخليج بمستويات مرتفعة نسبياً رغم ارتفاع كلفة النقل والمخاطر الأمنية.