المنصوري والخط الأصفر: كيف توسع الاحتلال نحو صور؟

2026.10.07 - 10:21
Facebook Share
طباعة

لم تكن بلدة المنصوري، الواقعة جنوب مدينة صور، ضمن الخريطة الأولى للمناطق التي فرض الاحتلال الإسرائيلي وجوداً عسكرياً فيها بعد الحرب. لكن المشهد تبدل خلال حزيران/يونيو، عندما تحرك ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» شمالاً في أجزاء من القطاع الغربي، لتدخل المنصوري لاحقاً ضمن نطاق السيطرة والعمليات العسكرية الإسرائيلية.

أقرا أيضاً:الحكومة أمام استحقاقات أمنية ومالية في جلسة بعبدا

 

وجاء هذا التوسع قبل أيام من توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 حزيران/يونيو، في وقت كانت المفاوضات يفترض أن تفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتقال السيطرة إلى الجيش اللبناني.

 

وتطرح حالة المنصوري سؤالاً أساسياً حول طبيعة السياسة الإسرائيلية في جنوب لبنان: هل يرتبط توسيع نطاق السيطرة باعتبارات عسكرية مؤقتة، أم أن الاحتلال يحاول تثبيت واقع ميداني جديد قبل بدء تنفيذ أي انسحاب؟

 

 

الخط الأصفر يتحرك شمالاً

 

في 19 نيسان/أبريل، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة للمناطق التي كان يحتفظ فيها بوجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية، ولم تكن المنصوري ضمن نطاقها.

لكن في 18 حزيران/يونيو، ظهرت تعديلات على مسار الخط في القطاع الغربي، شملت مناطق باتجاه البياضة ومجدل زون والمنصوري، وفق مقارنة الخرائط المنشورة في تلك الفترة.

أقرا أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في لبنان بتاريخ 6_10_2026

 

 

وبذلك وجدت المنصوري نفسها أمام واقع ميداني جديد، بعدما تحرك نطاق السيطرة الإسرائيلية شمالاً باتجاه مدينة صور.

وفي 26 حزيران، يوم توقيع اتفاق الإطار في واشنطن، ألقت القوات الإسرائيلية منشورات فوق البلدة دعت السكان إلى المغادرة، في خطوة عكست أن التوسع العسكري لم يكن مجرد تغيير على الخرائط، بل تحول إلى إجراءات مباشرة على الأرض.

 

وقال مسؤول عسكري لبناني، في تصريحات نقلتها رويترز حينها، إن المنصوري أضيفت حديثاً إلى المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل.

وهنا تبرز أهمية التسلسل الزمني: التوسع الإسرائيلي باتجاه البلدة سبق توقيع الاتفاق، ثم دخلت الأراضي التي شملها التوسع ضمن الواقع الميداني الذي يفترض أن تعالجه مفاوضات الانسحاب.

 

اتفاق الانسحاب يبدأ من أرض توسع فيها الاحتلال

 

لم ينص اتفاق 26 حزيران على انسحاب إسرائيلي فوري إلى الحدود الدولية، وإنما وضع آلية تدريجية تتضمن مراحل ومناطق تجريبية، بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وإجراءات تتعلق بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.

وهذا يعني عملياً أن التوسع الذي فرضته إسرائيل على الأرض قبل الاتفاق أصبح جزءاً من نقطة البداية التي يجري التفاوض انطلاقاً منها.

 

ولا يثبت ذلك وحده أن توسيع المنطقة كان مخططاً حصراً لتحسين شروط التفاوض، لكن النتيجة الميدانية واضحة: كلما تحرك الخط الإسرائيلي شمالاً، توسعت مساحة الأرض التي أصبحت خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وأصبح الانسحاب منها لاحقاً جزءاً من التفاوض.

وهنا تكمن إحدى أبرز الانتقادات الموجهة إلى سياسة الاحتلال في الجنوب اللبناني، إذ يؤدي فرض وقائع عسكرية جديدة إلى تغيير شروط التفاوض على الأرض، بدلاً من أن يبدأ المسار من الحدود المعترف بها دولياً.

 

لماذا المنصوري؟

 

تقع المنصوري جنوب صور، في منطقة ينتقل فيها الشريط الساحلي إلى تلال وأودية تمتد باتجاه الداخل. وإلى الجنوب تقع البياضة ورأس البياضة، بينما تقع مجدل زون إلى الشرق والجنوب الشرقي.

وتكتسب المنطقة أهميتها من موقعها بين الساحل والمرتفعات، ومن وجود محاور محددة تربط المناطق الساحلية بالداخل.

 

وهذه الطبيعة الجغرافية تجعل السيطرة على المواقع المرتفعة والممرات المحيطة ذات أهمية عسكرية، لأنها تسمح بمراقبة الحركة في نطاق أوسع.

ومن هذه الزاوية، تبدو المنصوري جزءاً من منظومة جغرافية أكبر، وليس هدفاً منفصلاً عن محيطها. فدفع نطاق السيطرة شمالاً باتجاهها يقرّب الانتشار الإسرائيلي من المجال الجنوبي لمدينة صور، ويزيد من مساحة المنطقة التي يمكن مراقبتها والتأثير فيها من مواقع تقع إلى الجنوب والشرق.

 

لكن الأهمية العسكرية للموقع لا تعني أن احتلال البلدة بحد ذاته يساوي السيطرة على صور أو على كامل القطاع الغربي، بل إن قيمتها ترتبط بموقعها ضمن شبكة الساحل والمرتفعات والممرات الداخلية.

الاحتلال بالنار بدلاً من الانتشار الدائم

 

توضح تجربة المنصوري أن السيطرة الإسرائيلية لا تحتاج بالضرورة إلى إبقاء أعداد كبيرة من الجنود داخل البلدة بصورة دائمة حتى تستمر في التأثير على المنطقة.

فمن خلال المواقع العسكرية المحيطة، ووسائل الاستطلاع والمراقبة، والطائرات، والقدرات النارية بعيدة المدى، يمكن لإسرائيل إبقاء أجزاء واسعة من المنطقة تحت التهديد من خارجها.

 

وهذا الشكل من السيطرة لا يعني انتهاء الاحتلال إذا انسحبت القوات من داخل البلدة، طالما بقيت القدرة على مراقبة الحركة فيها واستهدافها وفرض قيود على دخولها والخروج منها.

ومن هنا تبرز خطورة تحويل مناطق الجنوب اللبناني إلى نطاقات مكشوفة أمام القوة العسكرية الإسرائيلية، لأن الانسحاب من نقطة معينة لا يعني بالضرورة عودة السكان إلى وضع طبيعي ما دامت المنطقة محكومة بالتهديد العسكري المستمر.

 

عملية عسكرية ودمار واسع

 

في 28 أيلول/سبتمبر، أعلن الجيش الإسرائيلي انتهاء عملية عسكرية استمرت أسابيع في المنصوري.

وقال إن قوة من لواء المشاة 55، تحت قيادة الفرقة 91 وبمشاركة وحدة الهندسة «يهلوم»، عملت داخل البلدة، وإن العملية أدت، وفق الأرقام الإسرائيلية، إلى تدمير أكثر من 600 موقع وصفها الجيش بأنها منشآت عسكرية، إضافة إلى ثمانية مسارات تحت الأرض والعثور على عشرات منصات الإطلاق.

 

وتبقى هذه الأرقام منسوبة إلى الجيش الإسرائيلي، ولا تتوافر معطيات مستقلة تسمح بالتحقق من جميع تفاصيلها.

لكن النتيجة التي لا تحتاج إلى دعاية عسكرية هي أن المنصوري تحولت خلال فترة قصيرة إلى ساحة عمليات وقصف وتدمير، بعدما كانت خارج نطاق المنطقة التي أعلنت إسرائيل سيطرتها عليها في البداية.

 

وهذا التحول يضع السكان المدنيين أمام واقع بالغ الصعوبة، خصوصاً في ظل استمرار القيود على الحركة والخوف من القصف واحتمال تضرر المنازل والبنية المدنية.

ماذا تريد إسرائيل من المنصوري؟

 

لا تبدو أهمية المنصوري مرتبطة فقط بعدد الجنود الذين يمكن أن يبقوا داخلها، بل بموقعها ضمن المجال الجغرافي الممتد بين الساحل والمرتفعات.

فتوسيع نطاق السيطرة نحو البلدة يمنح إسرائيل مجالاً أوسع للمراقبة باتجاه صور، ويزيد من قدرتها على التأثير في المحاور التي تصل الساحل بالمناطق الداخلية.

 

وبذلك، يمكن أن تتحول السيطرة على الأرض إلى نوع آخر من السيطرة، يقوم على إبقاء المنطقة تحت المراقبة والتهديد حتى في حال عدم وجود انتشار عسكري دائم داخل كل بلدة.

وهذا تحديداً ما يجعل تحرك «الخط الأصفر» مسألة تتجاوز الخرائط العسكرية؛ فالخط الذي يتحرك على الأرض يغيّر حياة السكان، ويعيد رسم نطاق الحركة، ويخلق واقعاً جديداً قبل أن تبدأ أي عملية انسحاب.

 

الجنوب بين الاتفاق والوقائع الإسرائيلية

 

تكشف حالة المنصوري التناقض بين مسار دبلوماسي يتحدث عن الانسحاب التدريجي، وواقع ميداني شهد توسعاً في نطاق السيطرة الإسرائيلية.

ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يقود اتفاق الإطار إلى إعادة انتشار وانسحاب، كانت إسرائيل قد وسعت نطاق وجودها في أجزاء من القطاع الغربي، وأدخلت المنصوري ضمن المنطقة التي تعمل فيها قواتها.

 

وبالتالي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بموعد الانسحاب الإسرائيلي، وإنما بالخط الذي ستنسحب منه القوات في النهاية، وما إذا كان الواقع الذي فرضه الاحتلال خلال الحرب وبعدها سيُعامل باعتباره مؤقتاً أم يتحول إلى نقطة انطلاق جديدة للمفاوضات.

 

وتبقى المنصوري نموذجاً واضحاً على هذه المعضلة: بلدة لم تكن ضمن الخريطة الأولى للسيطرة الإسرائيلية، ثم تحرك الخط نحوها، فدخلت في نطاق العمليات العسكرية، وأصبح مستقبلها مرتبطاً بمسار انسحاب يفترض أن يعيد تحديد حدود السيطرة على الأرض. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 2

اقرأ أيضاً