اختبرت حرب أكتوبر 1973 حدود القدرة العسكرية المصرية على الانتقال من عبور قناة السويس إلى استعادة كامل سيناء، بعدما نجحت القوات المصرية في اقتحام خط بارليف وإنشاء رؤوس كباري شرق القناة، قبل أن تواجه معضلة التقدم إلى عمق شبه الجزيرة بعيداً عن مظلة الدفاع الجوي. وأعاد الهجوم الذي نفذته القوات المصرية في 14 أكتوبر الجدل حول طبيعة الخطة الموضوعة للحرب، وما إذا كان الوصول إلى المضايق الاستراتيجية هدفاً مقرراً منذ البداية أم خياراً مرتبطاً بتطورات الميدان.
أقرا أيضاً:باكستان تنفي أرقام رويترز بشأن قواتها في السعودية
العبور ونجاح المرحلة الأولى
حققت القوات المصرية في 6 أكتوبر تقدماً سريعاً عبر قناة السويس، وتمكنت من اختراق خط بارليف وإقامة مواقع عسكرية داخل سيناء على عمق عدة كيلومترات. ساعدت شبكة الدفاع الجوي المصرية على حماية القوات المتقدمة، فيما عززت الأسلحة المضادة للدبابات قدرة وحدات المشاة على مواجهة الهجمات الإسرائيلية.
لم يكن هذا التقدم كافياً لتحقيق الهدف السياسي والعسكري الأوسع المتمثل في تحرير سيناء، لكنه وضع القوات المصرية في مواقع متقدمة سمحت لها بتثبيت رؤوس كباري على الضفة الشرقية للقناة. ظل التحدي الأساسي مرتبطاً بإمكانية نقل المعركة إلى عمق أكبر دون فقدان الحماية الجوية.
برزت المضايق، خصوصاً متلا والجدي، باعتبارها أهدافاً ذات أهمية استراتيجية، نظراً إلى موقعها داخل سيناء وقدرتها على توفير مواقع دفاعية متقدمة لمن يسيطر عليها. لكن الوصول إليها كان يتطلب دفع القوات عشرات الكيلومترات شرق القناة، وهو ما يعني الخروج تدريجياً من نطاق الدفاع الجوي المصري.
أقرا أيضاً:ماكرون يجتمع بوزراء لبحث اتساع الاحتجاجات الطلابية بفرنسا
هجوم 14 أكتوبر وتعدد المحاور
دشنت القوات المصرية في 14 أكتوبر هجوماً واسعاً باتجاه الشرق عبر أربعة محاور رئيسية امتدت من شمال سيناء إلى جنوبها. تحرك اللواء 15 المدرع المستقل في الشمال باتجاه بالوظة، بينما تقدمت الفرقة 21 المدرعة نحو الطاسة في القطاع الأوسط.
تحرك اللواء 11 مشاة ميكانيكي باتجاه الجدي في الجنوب، فيما اتجه اللواء الثالث المدرع من الفرقة الرابعة المدرعة نحو متلا. هدفت التحركات إلى دفع القوات المصرية باتجاه مواقع أعمق في سيناء، لكنها اصطدمت بدفاعات إسرائيلية أعيد تنظيمها بعد أيام من القتال.
تركزت المواجهة الأشد في محور الطاسة، حيث قادت الفرقة 21 المدرعة المجهود الرئيسي للجيش الثاني. تقدّم اللواءان الأول والرابع عشر المدرعان صباحاً بعد تمهيد جوي ومدفعي، قبل أن يواجها مواقع إسرائيلية مجهزة بالمدفعية والدبابات والصواريخ المضادة للدروع.
تعرض اللواء الأول المدرع لخسائر كبيرة منذ بداية الاشتباك، وقُتل قائده محمد توفيق أبو شادي وقائد مدفعية اللواء، كما تضررت الاتصالات بين القيادة وبعض الوحدات. ومع تصاعد الخسائر، أعادت قيادة الفرقة 21 تنظيم القوات داخل رأس كوبري الفرقة 16 مشاة.
محاولة الالتفاف نحو بالوظة
تقدم اللواء 15 المدرع المستقل في القطاع الشمالي باتجاه بالوظة بعد تمهيد مدفعي. اصطدمت القوة المتقدمة بمواقع إسرائيلية قوية تسيطر على الطريق الساحلي، وحاولت تجاوزها قبل أن تعود إلى مهاجمتها مباشرة.
واجهت الدبابات المصرية نيراناً من المدفعية والدبابات والأسلحة المضادة للدروع من الأمام والجوانب، ما أدى إلى وقف التقدم. صدر لاحقاً أمر بعدم دفع التشكيل الثاني، ثم عادت القوة إلى رأس كوبري الفرقة 18.
التقدم نحو متلا ونقص الدعم
اتخذ اللواء الثالث المدرع من الفرقة الرابعة المدرعة مساراً مختلفاً في اتجاه متلا، إذ اختار قائده نور الدين عبد العزيز الالتفاف عبر وادي مبعوق ووادي المر بدلاً من مواجهة الدفاعات الموجودة على الطريق الرئيسي.
سمح هذا المسار للواء بالتقدم نحو 25 كيلومتراً شرق القناة والوصول إلى مسافة تقارب 6 كيلومترات من المدخل الغربي لممر متلا. لكن هذا التقدم جعل القوة بعيدة عن بقية التشكيلات وعن مظلة الدفاع الجوي.
تعرض اللواء لهجمات مدرعة ومضادة للدبابات، ثم لضربات جوية مكثفة أصابت مركز قيادته وأدت إلى مقتل قائده. تعثرت عملية القيادة والسيطرة، بينما طالبت الوحدات المتقدمة بتعزيزات من المشاة والمدفعية والطيران لمواصلة الهجوم، لكن الدعم المطلوب لم يكن متاحاً.
أصدرت القيادة لاحقاً أوامر بالانسحاب، فعادت بقايا اللواء إلى مواقع رؤوس الكباري مساء 14 أكتوبر.
تعثر محور الجدي
واجه محور الجدي ظروفاً مختلفة، إذ لم يصل قرار تأجيل العملية إلى اللواء 11 مشاة ميكانيكي في الوقت المناسب، فتحرك وخاض اشتباكات قبل أن يعود إلى رأس الكوبري خلال الساعات الأولى من 14 أكتوبر.
تقرر لاحقاً تنفيذ هجومه عند الظهر مع تدعيمه بكتيبة دبابات من اللواء 25 المدرع المستقل. تقدمت الكتيبة بسرعة واقتربت من هدفها، لكن القيادة ألغت دفع اللواء وسحبت الدبابات بعدما أصبح تعثر المحاور الأخرى واضحاً.
خسائر كبيرة وتغير ميزان المعركة
كشفت نتائج الهجوم عن حجم المخاطر التي واجهتها القوات المصرية عند التقدم بعيداً عن مظلة الدفاع الجوي. تختلف المصادر في تقدير الخسائر، لكن دراسة للجيش الأمريكي قدرت الخسائر العامة في محاولة الاختراق بنحو 200 دبابة، فيما قدرت خسائر الفرقة 21 المدرعة بنحو 188 دبابة من أصل ما بين 200 و210 دبابات شاركت في اللواءين المتقدمين.
استفادت إسرائيل من تغير الموقف العسكري، خصوصاً بعد أن بدأت القوات الإسرائيلية في احتواء التهديد على الجبهة السورية. كانت القوات الإسرائيلية قد رصدت في وقت سابق وجود فجوة بين الجيشين المصريين الثاني والثالث قرب الدفرسوار، لكن الهجوم المصري في 14 أكتوبر
وما ترتب عليه من تحولات ميدانية وفّر ظروفاً أفضل لاستغلالها.
تمكنت القوات الإسرائيلية لاحقاً من عبور قناة السويس إلى الضفة الغربية، وهددت العمق المصري، ثم تحركت باتجاه الجنوب في محاولة لمحاصرة الجيش الثالث الميداني حول خليج السويس.
الخلاف حول خطة الحرب
أعاد الهجوم الفاشل الجدل داخل القيادة العسكرية المصرية حول الهدف الحقيقي للحرب وحدود الخطة الموضوعة لها. حمّل الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس الأركان خلال الحرب، الرئيس أنور السادات مسؤولية اتخاذ قرار تطوير الهجوم، معتبراً أن الخطة الأساسية لم تكن تستهدف التقدم إلى المضايق بصورة تلقائية.
في المقابل، أكد المشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة خلال الحرب، أن تطوير الهجوم كان موجوداً ضمن التخطيط المصري، وأن الخطة تضمنت مرحلة ثانية بعد العبور والوقفة التعبوية.
يعود جانب من الخلاف إلى اختلاف تعريف القادة لكلمة «الخطة». فوجود تصور استراتيجي لتحرير سيناء لا يعني بالضرورة وجود خطة عملياتية جاهزة للتنفيذ في جميع الظروف. كما أن إدراج مرحلة محتملة ضمن وثائق التخطيط لا يعني أنها كانت ستنفذ حتماً بعد نجاح المرحلة الأولى.
«الخطة 200» وما قبل أكتوبر
تربط شهادة الفريق أول محمد فوزي، وزير الدفاع المصري بين عامي 1967 و1971، التخطيط لتحرير سيناء بمرحلة ما بعد هزيمة يونيو 1967. وبحسب روايته، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر توجيهاً استراتيجياً يقضي بأن يكون الهدف النهائي للقوات المسلحة تحرير سيناء والوصول إلى الحدود الدولية.
تشكلت لجان عسكرية لإعداد التصورات اللازمة، وانتهى العمل إلى ما عرف باسم «الخطة 200». لم تكن الخطة، وفق هذا التصور، عملية واحدة محددة، بل إطاراً استراتيجياً يمكن أن تتفرع منه خطط مرحلية وعملياتية.
ربط فوزي «الخطة 200» بعملية «غرانيت»، التي قال إنها استهدفت عبور قناة السويس والتقدم إلى المضايق، قبل الانتقال لاحقاً إلى مرحلة أوسع باتجاه الحدود الدولية.
لكن رواية فوزي واجهت اعتراضات من قادة عسكريين آخرين، بينهم الشاذلي ومحمد صادق، الذين شككوا في قدرة القوات المصرية خلال تلك الفترة على تنفيذ عملية عميقة في سيناء.
«المآذن العالية» وحدود القدرة المصرية
اتجه الشاذلي بعد توليه رئاسة الأركان عام 1971 إلى صياغة تصور عسكري يأخذ في الاعتبار التفوق الإسرائيلي في المجالين الجوي والمدرع. حمل التصور اسم «المآذن العالية»، وقام على عبور القناة وتدمير خط بارليف وإنشاء رؤوس كباري قوية شرق القناة.
اعتمدت الخطة على إبقاء القوات المصرية ضمن نطاق الحماية التي توفرها شبكة الدفاع الجوي، مع استخدام كثافة المشاة والأسلحة المضادة للدبابات لمواجهة المدرعات الإسرائيلية.
لم يكن التوقف عند عمق 10 إلى 15 كيلومتراً، وفق هذا التصور، نتيجة نقص في الطموح العسكري، بل انعكاساً لتوازن القوى. فالتقدم لمسافات أكبر كان سيضع القوات المصرية في مواجهة الطيران الإسرائيلي بعيداً عن الحماية الصاروخية المصرية.
العامل السوري يغير الحسابات
أدخلت الجبهة السورية عاملاً إضافياً في الحسابات المصرية. كانت دمشق تسعى إلى استعادة الجولان، بينما كان توقف القوات المصرية عند عمق محدود شرق القناة يسمح لإسرائيل بإعادة تركيز جزء كبير من قواتها على الجبهة السورية.
برزت الحاجة إلى تحرك مصري أوسع يجبر إسرائيل على الاحتفاظ بقوات في سيناء. وفي هذا السياق، أعيد تطوير تصور «غرانيت 2» وإدماجه ضمن خطة «بدر».
تضمنت الخطة مرحلة أولى للعبور وإنشاء رؤوس الكباري، تليها وقفة تعبوية لإعادة تنظيم القوات وتقييم الموقف، مع إمكانية الانتقال إلى مرحلة ثانية باتجاه المضايق.
«غرانيت 2» بين الخطة والاحتمال
يقدم الشاذلي «غرانيت 2 المعدلة» باعتبارها خياراً احتياطياً وليس مرحلة إلزامية. وبحسب روايته، كان تنفيذها مرتبطاً بتطورات استثنائية في ساحة القتال، مثل حدوث انهيار كبير في القوة الجوية الإسرائيلية أو انسحاب إسرائيلي يتيح للقوات المصرية التقدم بأمان أكبر.
تقترب هذه الرؤية من مفهوم «الفروع واللواحق» في التخطيط العسكري، حيث يجري إعداد خيارات للعملية التالية بناء على نتائج المرحلة الحالية، بدلاً من تنفيذها بصورة آلية.
أما الجمسي، فيرى أن وجود «غرانيت 2 المعدلة» داخل خطة «بدر» يعني أن تطوير الهجوم كان جزءاً من التسلسل العملياتي المخطط، لكنه لا ينفي أن ظروف التنفيذ وتوقيته كانا مرتبطين بتطور المعركة.
هل كان 14 أكتوبر الخيار الصحيح؟
يختلف القادة أيضاً بشأن توقيت تطوير الهجوم. يرى الجمسي أن فرصة التقدم ربما كانت أفضل قبل 14 أكتوبر، في حين رفض الشاذلي فكرة أن المشكلة كانت مرتبطة بيوم التنفيذ وحده.
بحسب الشاذلي، فإن جوهر المشكلة تمثل في إخراج القوات المدرعة من نطاق الدفاع الجوي، سواء حدث ذلك في 8 أو 9 أكتوبر أو في 14 منه. فالانتقال إلى حرب حركة مفتوحة كان سيمنح إسرائيل فرصة لاستثمار تفوقها الجوي والمدرع.
كان ميزان القوى قد تغير بحلول منتصف أكتوبر. نجحت إسرائيل في استعادة زمام المبادرة على الجبهة السورية، وأصبحت قادرة على تركيز قوات أكبر في سيناء، ما جعل أي تقدم مصري واسع أكثر خطورة من الناحية العملياتية.
اعتراضات قادة الجيشين الثاني والثالث
اكتسب موقف قائدي الجيشين الثاني والثالث أهمية في هذا الجدل. عارض سعد مأمون وعبد المنعم واصل تطوير الهجوم، وحذرا من خروج القوات من نطاق الدفاع الجوي ودخولها في مواجهة مفتوحة مع القوات الإسرائيلية.
تلقى القائدان التعليمات المتعلقة بالعملية في 12 أكتوبر، وأبديا تحفظات بشأن إمكانية تنفيذها، قبل أن يستمر النقاش داخل القيادة ويتأجل الهجوم إلى صباح 14 أكتوبر.
تدعم هذه الوقائع جزئياً الرأي القائل إن تطوير الهجوم لم يكن مرحلة تلقائية بالنسبة إلى جميع القيادات الميدانية، حتى لو كان موجوداً في وثائق التخطيط السابقة.
بين الهدف الاستراتيجي والقدرة العملياتية
تكشف المقارنة بين الروايات المختلفة عن وجود ثلاثة مستويات متداخلة في التخطيط المصري. الأول هو الهدف الاستراتيجي المتمثل في تحرير سيناء. الثاني هو الخطة العملياتية التي نجحت في العبور وإنشاء رؤوس كباري بعمق محدود. الثالث هو الخيارات اللاحقة التي كان يمكن تفعيلها إذا سمحت نتائج المعركة بذلك.
لذلك، لا تبدو المسألة مجرد خلاف حول ما إذا كانت مصر تمتلك خطة للوصول إلى المضايق أم لا. الخلاف الأهم يتعلق بمدى اعتبار تلك الخطة قابلة للتنفيذ، والظروف التي كان يفترض أن تسمح بالانتقال إليها.
ما بعد الحرب
تحول الجدل حول تطوير الهجوم إلى جزء من النقاش السياسي والعسكري بشأن نتائج حرب أكتوبر ومسار العلاقات المصرية الإسرائيلية اللاحق. تمسك منتقدو السادات برواية الشاذلي، معتبرين أن قرار تطوير الهجوم أدى إلى خسائر عسكرية كان يمكن تجنبها، وأضعف الموقف المصري في المرحلة اللاحقة من الحرب.
لكن قراءة القرار في ضوء موازين القوى العسكرية تظهر أن المسألة أكثر تعقيداً من تحميل القرار السياسي وحده مسؤولية النتيجة. فالقوات المصرية كانت قد حققت نجاحاً واضحاً في البيئة التي صممت لها الخطة، بينما واجهت تحدياً مختلفاً تماماً عندما تحركت المدرعات إلى عمق سيناء بعيداً عن مظلة الدفاع الجوي.
توضح حرب أكتوبر، في النهاية، الفارق بين امتلاك هدف استراتيجي واسع وبين القدرة على تحويله إلى عملية عسكرية قابلة للتنفيذ. فقد نجح الجيش المصري في تحقيق اختراق كبير شرق القناة وتثبيت رؤوس كباري، لكنه لم يتمكن من تحويل ذلك النجاح إلى تقدم عميق نحو المضايق.
لهذا ظل سؤال «لماذا لم يتطور الهجوم بعد 1973؟» مرتبطاً بتداخل السياسة والتخطيط العسكري وموازين القوى أكثر من ارتباطه بقرار منفرد. وتبقى قراءة شهادات القادة والخطط السابقة للحرب ضرورية لفهم ما إذا كان التوقف عند رؤوس الكباري يمثل إخفاقاً في استثمار نتائج
العبور، أم نتيجة مباشرة للحدود التي فرضتها طبيعة الحرب وقدرات الطرفين.