يشهد العالم ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات الإصابة بالسرطان بين الفئات العمرية الأصغر، بعدما بدأت أنواع من الأورام التي كانت ترتبط تقليدياً بمن تجاوزوا الخمسين والستين بالظهور لدى أشخاص في سن مبكرة. وتثير هذه الزيادة تساؤلات حول العوامل التي تقف وراء تغير خريطة الإصابة، بين أنماط الحياة الحديثة والعوامل الوراثية والبيئية، إلى جانب تطور وسائل التشخيص والكشف المبكر.
أقرا أيضاً: تكريم أميركي للسادات يستحضر محطة كامب ديفيد التاريخية
كشفت الأرقام عن ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان لدى الأشخاص دون سن الخمسين بنسبة تراوح بين 1 و2% سنوياً، مع تسجيل الزيادة بصورة خاصة في أنواع من الأورام التي كانت تظهر غالباً في مراحل عمرية متقدمة. ويرى طبيب أمراض الدم والأورام الدكتور مارون صادق أن هذا التحول يرتبط بمجموعة من العوامل المتداخلة، ولا يمكن تفسيره بسبب واحد.
يبرز سرطان القولون والثدي بين أنواع السرطان التي شهدت تغيراً في متوسط عمر الإصابة. فقبل عقود، كان تشخيص سرطان القولون يرتبط بصورة أكبر بالأشخاص الذين تجاوزوا سن الخمسين، بينما تشير المعطيات الحالية إلى زيادة ظهوره لدى فئات أصغر سناً.
دفع هذا التغير إلى تعديل توصيات الفحص المبكر لسرطان القولون، إذ خُفض السن الذي يُنصح عنده بإجراء الفحوص من 50 إلى 45 عاماً بالنسبة للفئات التي تنطبق عليها التوصيات الطبية. ويساعد تنظير القولون على اكتشاف الأورام في مراحل مبكرة، كما يمكن أن يكشف التغيرات التي قد تسبق الإصابة بالسرطان، ما يتيح التعامل معها قبل تطورها.
يشير صادق إلى أن العامل الوراثي قد يكون مؤثراً في بعض الحالات، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالمرض. إلا أن غالبية حالات السرطان التي تظهر في سن مبكرة لا تعني بالضرورة وجود سبب وراثي مباشر، إذ تتداخل عوامل متعددة في تحديد احتمالات الإصابة.
ساهمت حملات التوعية بأهمية الكشف المبكر في زيادة الإقبال على فحوص سرطان القولون، ما أدى إلى اكتشاف عدد أكبر من الحالات في مراحل مبكرة. وتحدد نتائج الفحص والعوامل الطبية لكل شخص موعد تكرار التنظير، إذ قد تكون المتابعة سنوية أو بعد 5 سنوات وفق الحالة وتوصيات الطبيب.
لا يرتبط التغير في سن الإصابة بسرطان القولون وحده، إذ يسجل سرطان الثدي أيضاً حضوراً متزايداً بين الفئات الأصغر سناً. ويرتبط جزء من الزيادة بتحسن القدرة على اكتشاف الحالات في مراحل مبكرة، إلا أن عوامل أخرى، بينها الوراثة ونمط الحياة والبيئة، قد تؤدي دوراً في ظهور المرض.
يمتد الأمر إلى أنواع أخرى من السرطان، من بينها سرطان البروستات، مع تسجيل إصابات لدى أشخاص دون سن الخمسين. ويشير ذلك إلى ضرورة عدم حصر الوعي بالسرطان في الفئات العمرية المتقدمة، خصوصاً لدى وجود عوامل خطر أو تاريخ عائلي للمرض.
يلفت صادق إلى أن نمط الحياة الحديث قد يكون أحد العوامل المرتبطة بارتفاع معدلات الإصابة ببعض السرطانات في سن مبكرة. ويشمل ذلك التغير في العادات الغذائية، مع زيادة استهلاك اللحوم الحمراء واللحوم المصنعة والأطعمة الغنية بالدهون، إلى جانب انخفاض مستوى النشاط البدني.
يرتبط نمط الحياة كذلك بالتعرض للملوثات البيئية وبعض المواد الكيميائية، وهي عوامل يجري بحث علاقتها بخطر الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان. كما يمكن أن تؤثر زيادة الوزن وقلة الحركة والعادات الغذائية غير المتوازنة في الصحة العامة وتزيد عوامل الخطر المرتبطة ببعض الأورام.
في المقابل، لا تعني زيادة معدلات التشخيص بين الشباب بالضرورة أن جميع الحالات ناتجة عن ارتفاع حقيقي في الإصابة، إذ يمكن أن يسهم تطور وسائل التشخيص واتساع نطاق الفحوص في اكتشاف حالات كانت قد لا تُشخّص في السابق إلا في مراحل متقدمة.
يركز الأطباء على أهمية التمييز بين ارتفاع الإصابة الفعلي وزيادة معدلات الكشف، مع استمرار الدراسات في البحث عن الأسباب التي تقف وراء ظهور بعض أنواع السرطان في أعمار أصغر. وتبقى العوامل الوراثية والبيئية والسلوكية، إلى جانب التطور الطبي، عناصر أساسية في فهم هذا التحول.
تؤكد هذه المعطيات أهمية تعزيز الوعي الصحي وعدم تجاهل الأعراض غير المعتادة، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لديهم عوامل خطر أو تاريخ عائلي للإصابة. كما يمثل اتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني، والحد من التعرض للعوامل البيئية الضارة، والالتزام بالفحوص الموصى بها، خطوات أساسية للوقاية والكشف المبكر.
يساعد اكتشاف السرطان في مراحله الأولى على تحسين فرص العلاج في كثير من الحالات، ما يجعل التشخيص المبكر محوراً أساسياً في مواجهة ارتفاع الإصابات بين الفئات الشابة، إلى جانب مواصلة البحث في الأسباب التي تدفع بعض الأورام إلى الظهور في أعمار أقل من المعتاد.