تواجه لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» اختباراً سياسياً مختلفاً عن ذلك الذي اعتادت عليه خلال عقود، بعدما أصبحت العلاقة مع إسرائيل أكثر إثارة للجدل داخل الولايات المتحدة، ولا سيما في أوساط الديمقراطيين والشباب اليهود الأمريكيين.
ويطرح مقال رأي في صحيفة «نيويورك تايمز» للكاتب والأكاديمي إريك ألترمان، المتابع منذ سنوات للشؤون الإسرائيلية واليهود الأمريكيين، قراءة حادة لمسار المنظمة، معتبراً أن قدرتها التقليدية على فرض أجندتها داخل الحزب الديمقراطي تراجعت، وأن ارتباطها المتزايد بالتيار الجمهوري جعلها أكثر عرضة للتحول من حليف انتخابي إلى عبء على بعض السياسيين الديمقراطيين.
لكن تراجع التأثير في قطاع سياسي لا يعني اختفاء النفوذ من واشنطن. فما زالت أيباك قادرة على جمع الأموال، ودعم المرشحين، والتدخل في الانتخابات التمهيدية، فيما تقول المنظمة نفسها إنها تدعم مرشحين ديمقراطيين وجمهوريين مؤيدين لإسرائيل. وفي تقريرها عن انتخابات 2022، قالت إنها أيدت 365 مرشحاً، وإن أعضاءها قدموا 17.5 مليون دولار لمرشحين مؤيدين لإسرائيل عبر لجنتها السياسية.
اقرأ أيضاً: إعلانات ترامب الانتخابية تثير غضب الأمريكيين.. رفض لاستخدام المال العام
من الإجماع إلى الانقسام
لسنوات طويلة، استفادت أيباك من وجود دعم واسع داخل الكونغرس للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، وقدمت نفسها باعتبارها قوة ضغط قادرة على الحفاظ على هذا الدعم عبر التواصل مع الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
لكن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023 غيرت البيئة السياسية المحيطة بالملف، بعدما أصبح الدعم غير المشروط لإسرائيل أكثر كلفة سياسياً بالنسبة إلى عدد من الديمقراطيين، بالتزامن مع اتساع الانتقادات للحرب داخل الولايات المتحدة.
وتظهر استطلاعات الرأي حجم التحول داخل المجتمع اليهودي الأمريكي أيضاً. ففي استطلاع أجرته «واشنطن بوست» في أيلول 2025، قال 61% من اليهود الأمريكيين إن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة، بينما رأى 39% أنها ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. وفي الوقت نفسه، أظهر الاستطلاع استمرار وجود انقسامات واضحة حول الحرب وتقييم أداء الحكومة الإسرائيلية.
وأظهر استطلاع أجرته وكالة أسوشيتد برس ومركز «نورك» في 2026 استمرار هذا الانقسام؛ فبين اليهود ذوي الانتماء الديني، رأى نحو نصف المستطلعين فقط أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في غزة مبررة، بينما كانت النسبة أقل بكثير بين اليهود غير المرتبطين دينياً.
اقرأ أيضاً: بحضور بن غفير هدم جديد في القدس.. 70 فلسطينياً يفقدون منازلهم
تحوّل سياسي بدأ قبل غزة
ولا يرتبط الجدل حول أيباك بحرب غزة وحدها، إذ يعود جزء من المشكلة إلى مسار سياسي بدأ قبل ذلك بسنوات.
تأسست المنظمة عام 1953 للدفاع عن تعزيز العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وتوفير الدعم السياسي والمالي والعسكري والدبلوماسي لإسرائيل. ومع مرور الوقت، تحولت إلى واحدة من أبرز جماعات الضغط المرتبطة بالسياسة الخارجية الأمريكية.
غير أن مسارها بدأ يتجه بصورة أكبر نحو اليمين الأمريكي والإسرائيلي مع تراجع فرص عملية السلام، ثم ظهر الخلاف الحزبي بصورة أكثر وضوحاً خلال مواجهة إدارة باراك أوباما بشأن الاتفاق النووي مع إيران.
وفي عام 2015، ألقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطاباً أمام الكونغرس الأمريكي دعا فيه إلى رفض الاتفاق النووي مع إيران، في خطوة أثارت توتراً واسعاً مع إدارة أوباما والديمقراطيين في الكونغرس، خصوصاً أن الخطاب جرى ترتيبه بالتنسيق مع القيادة الجمهورية في مجلس النواب من دون إبلاغ البيت الأبيض مسبقاً.
وفي الحملة ضد الاتفاق، دعمت أيباك جهوداً سياسية وإعلامية واسعة. ووفق تقارير آنذاك، جمعت منظمة غير ربحية مدعومة من أيباك قرابة 30 مليون دولار لتمويل إعلانات تستهدف الاتفاق في عشرات الولايات.
ورغم حجم الإنفاق والضغط السياسي، دخل الاتفاق حيز التنفيذ، لتصبح تجربة 2015 واحدة من أبرز المحطات التي أظهرت حجم الصدام بين أجندة جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل وبعض السياسات التي تبنتها الإدارة الديمقراطية في واشنطن,
المال في قلب المواجهة
في السنوات اللاحقة، لم تعد أيباك تكتفي بالضغط المباشر على أعضاء الكونغرس، بل أصبحت أكثر حضوراً في العملية الانتخابية نفسها عبر أدوات سياسية ومالية.
ويشير ألترمان إلى أن المنظمة وحلفاءها استخدموا أموالاً كبيرة للتأثير في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، بهدف إقصاء مرشحين يعتبرون أكثر انتقاداً لإسرائيل.
هذه الاستراتيجية حققت نتائج في بعض السباقات، لكنها حملت في الوقت نفسه كلفة سياسية، إذ أثارت اعتراض التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، ورسخت لدى شريحة من الشباب اليهودي الأمريكي انطباعاً بأن أيباك لا تعبر عن مواقفهم تجاه إسرائيل والحرب على غزة.
وفي المقابل، لا تقدم بيانات المنظمة صورة عن تراجع شامل في نشاطها السياسي. فأيباك تقول إنها تتعامل مع الحزبين، وتعلن دعمها لمرشحين ديمقراطيين وجمهوريين، وهو ما يشير إلى أن النقاش الحقيقي لا يدور حول اختفاء نفوذها، وإنما حول طبيعته والدوائر السياسية التي ما زالت قادرة على التأثير فيها.
الديمقراطيون يغيرون حساباتهم
المشكلة الأكثر وضوحاً بالنسبة إلى أيباك تبدو داخل الحزب الديمقراطي، حيث أصبحت إسرائيل واحدة من الملفات التي تكشف الانقسامات بين الجناح التقليدي للحزب والتيار التقدمي.
فبعد سنوات كان فيها دعم إسرائيل يحظى بمساحة واسعة من التوافق بين الديمقراطيين والجمهوريين، باتت الحرب على غزة مرتبطة بقضايا داخلية أمريكية مثل حقوق الإنسان والسياسة الخارجية ودور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وتزامن ذلك مع ظهور أصوات ديمقراطية تعلن رفضها التمويل المرتبط بأيباك، إما بسبب موقفها من إسرائيل أو خشية أن تتحول الأموال التي تقدمها المنظمة إلى عبء انتخابي أمام قواعد الحزب، وخصوصاً في الدوائر التي تضم ناخبين أصغر سناً وأكثر انتقاداً للحرب.
وفي انتخابات التمهيد الديمقراطي، أصبح تدخل جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في دعم مرشح ضد آخر جزءاً من معركة أوسع حول مستقبل الحزب وموقفه من العلاقة مع إسرائيل.
هل فقدت أيباك نفوذها فعلاً؟
القول إن عصر نفوذ أيباك انتهى يبدو، وفق المعطيات المتاحة، أوسع من الأدلة الموجودة. فالمنظمة ما زالت تمتلك موارد مالية وشبكة سياسية واسعة، ولا تزال قادرة على دعم مرشحين والتأثير في بعض الانتخابات التمهيدية.
لكن ما يبدو أنه تغير بصورة أكبر هو طبيعة النفوذ الذي تمارسه.
فالقوة التي كانت تستند إلى فكرة وجود إجماع أمريكي واسع حول دعم إسرائيل باتت تعمل في بيئة أكثر انقساماً، خصوصاً داخل الحزب الديمقراطي. كما أن اتساع الانتقادات للحرب في غزة لم يعد مقتصراً على التيار اليساري الأمريكي، بل ظهر أيضاً داخل قطاعات من المجتمع اليهودي الأمريكي، وفق استطلاعات حديثة.
وهنا تكمن المفارقة: كلما اعتمدت أيباك بصورة أكبر على التحالف مع الجمهوريين والقوى المحافظة، قد تصبح أقل قدرة على لعب الدور الحزبي المشترك الذي شكل أساس نفوذها التاريخي.
لكن هذا لا يعني تلقائياً أن نفوذها لدى الجمهوريين يتراجع بالمقدار نفسه، ولا أن جماعات ضغط أخرى أصبحت قادرة على ملء موقعها بالكامل.
معركة على شكل العلاقة لا وجودها
ما يحدث في واشنطن يبدو أقرب إلى إعادة تشكيل لنفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل، وليس اختفاءً لهذا النفوذ.
فإسرائيل لا تزال تحظى بدعم سياسي كبير في الولايات المتحدة، وأيباك لا تزال حاضرة في الانتخابات والكونغرس، لكن هامش النقاش حول العلاقة تغير بصورة واضحة، وأصبحت تكلفة المواقف المؤيدة لإسرائيل بلا شروط أعلى داخل أجزاء من الحزب الديمقراطي.
وبالنسبة إلى أيباك، فإن التحدي الأساسي قد لا يكون الحفاظ على قدرتها على الإنفاق أو الوصول إلى السياسيين، بل الحفاظ على موقعها كقوة قادرة على العمل عبر الحزبين في وقت تتحول فيه إسرائيل نفسها إلى قضية أكثر استقطاباً داخل السياسة الأمريكية.
وبذلك، فإن السؤال المطروح في واشنطن ليس ببساطة ما إذا كانت أيباك قد فقدت نفوذها، وإنما أي نوع من النفوذ ستحتفظ به، ولدى أي حزب، وفي أي بيئة سياسية خلال السنوات المقبلة.