هرمز وباب المندب.. الجغرافيا تتحول إلى نفوذ

2026.10.06 - 14:12
Facebook Share
طباعة

يأتي مضيق هرمز في مقدمة المواقع التي تكشف هذه المعادلة، باعتباره منفذاً بحرياً رئيسياً لحركة الطاقة من الخليج إلى الأسواق الدولية. ومع الحرب على إيران، تحول المضيق إلى واحدة من أبرز أوراق الضغط المرتبطة بالصراع، بعدما باتت حركة السفن والطاقة فيه جزءاً من الحسابات السياسية والعسكرية.

اقرأ أيضاً: عملية «فجر اليمن» تتسع ميدانياً ما المرحلة المقبلة؟


ولا يقتصر المشهد على هرمز، إذ يظهر مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر باعتباره نقطة أخرى يمكن أن تؤثر في خطوط التجارة العالمية. وتشير المادة التحليلية إلى أن جماعة أنصار الله المدعومة من طهران تسعى إلى التأثير في حركة الملاحة عبر هذه المنطقة، ما يضيف مساراً آخر إلى قائمة الممرات التي يمكن أن تتحول من طرق تجارية إلى أدوات ضغط في أوقات الصراع.

اقرأ أيضاً: بعد 10 أشهر.. أبراهام لينكولن تقترب من سان دييغو


وتشمل القائمة أيضاً بحر الصين الجنوبي وقناة السويس، حيث يجعل الموقع الجغرافي لهذه الممرات أي اضطراب فيها قابلاً للانتقال سريعاً إلى حركة التجارة الدولية.
ويرى إدوارد فيشمان من «مجلس العلاقات الخارجية» في واشنطن أن ما يحدث يعكس اتجاهاً نحو ما يمكن وصفه بـ«تسليح الجغرافيا»، في ظل ابتعاد النظام الدولي تدريجياً عن نموذج العولمة الذي افترض أن المصالح الاقتصادية المشتركة ستحد من استخدام المواقع الاستراتيجية في الصراعات.
وبحسب الطرح نفسه، فإن محاولة فرض رسوم على السفن مقابل المرور في هرمز، إذا تحققت، ستعني انتقال الموقع الجغرافي من مجرد عنصر قوة استراتيجية إلى مصدر محتمل للإيرادات والنفوذ السياسي.


المناخ يفتح جبهات جديدة
لكن الجغرافيا لا تصبح عاملاً ضاغطاً بسبب الحروب وحدها. فالتغير المناخي بدأ بدوره في تغيير قدرة الممرات المائية على أداء وظائفها التجارية، ما يضيف نوعاً آخر من المخاطر إلى الاقتصاد العالمي.
في أوروبا، أدى انخفاض منسوب نهري الراين والدانوب بفعل الجفاف إلى إعاقة نقل البضائع ورفع تكاليف الشحن، مع انعكاسات مباشرة على قطاعات صناعية تعتمد على هذه الممرات لنقل المواد الخام والمنتجات.
ولم تقتصر التأثيرات على التجارة، إذ أثار انخفاض مستويات المياه مخاوف مرتبطة بإنتاج الكهرباء في المجر ورومانيا، بسبب اعتماد بعض المفاعلات النووية على مياه الأنهار لتبريدها.
وفي قناة بنما، فرض انخفاض منسوب المياه المرتبط بظاهرة النينيو قيوداً على حركة السفن، رغم أهمية القناة في التجارة العالمية، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة الحاويات المرتبطة بالولايات المتحدة.
وفي الاتجاه المقابل، يفتح ذوبان الجليد في المناطق القطبية مساراً جديداً أمام الملاحة. فقد بدأت شركات شحن صينية استخدام طرق منتظمة عبر المحيط المتجمد الشمالي مع ارتفاع درجات الحرارة، وهو تطور قد يضيف مساراً جديداً للمنافسة الاقتصادية والاستراتيجية بين بكين وواشنطن.


أوكرانيا وتايوان.. الموقع في قلب الصراع
تبرز أوكرانيا وتايوان كنموذجين واضحين لاستمرار الدور السياسي والعسكري للموقع الجغرافي.
فأوكرانيا تقع عند نقطة اتصال مهمة بين أوروبا وآسيا، وتتمتع بموانئ على البحر الأسود ومساحات زراعية واسعة، ما يجعل السيطرة على أراضيها ومنافذها البحرية ذات أبعاد تتجاوز حدود الحرب نفسها.
أما تايوان، فتقع عند عقدة بحرية استراتيجية في شرق آسيا، ضمن منطقة تمتد بين اليابان وإندونيسيا وعلى مقربة من الساحل الصيني. ولذلك فإن موقع الجزيرة يرتبط مباشرة بحسابات الأمن والتجارة وسلاسل الإمداد والتنافس بين القوى الكبرى.
وتظهر في المقابل صورة أخرى من «الجغرافيا الاقتصادية» عبر الولايات المتحدة والصين، اللتين تمتلكان قدرة كبيرة على التأثير في نقاط اختناق لا ترتبط بالبحار وحدها. فالنظام المالي العالمي والمواد الأرضية النادرة أصبحا بدورهما أدوات يمكن استخدامها في الصراع الاقتصادي، بما يعكس انتقال مفهوم الممرات الاستراتيجية من المجال البحري إلى شبكات المال والموارد والتكنولوجيا.


العولمة أمام اختبار الجغرافيا
يرى هال براندز، الأستاذ في جامعة جونز هوبكنز، أن العقود الثلاثة الماضية قامت جزئياً على افتراضين لم يصمدا أمام التطورات الأخيرة: الأول أن صراع القوى الكبرى فقد جزءاً كبيراً من أهميته، والثاني أن التطور التكنولوجي قادر على تجاوز القيود التي تفرضها الجغرافيا.
وتشير هذه القراءة إلى تآكل تدريجي في النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، مع تراجع مساحة التعاون والثقة والقواعد المشتركة لصالح الصدام والضغط والإكراه واستخدام أدوات القوة الاقتصادية والجغرافية.
ومع اضطراب الممرات الرئيسية، تتجه الدول والشركات إلى البحث عن بدائل، سواء عبر خطوط الأنابيب أو تغيير مسارات السفن أو تنويع مصادر الإمداد. غير أن إنشاء هذه البدائل يحتاج إلى وقت واستثمارات ضخمة، ما يعني أن امتلاك موقع جغرافي حساس سيظل قادراً على منح صاحبه نفوذاً يتجاوز حجمه الاقتصادي والعسكري.


في المحصلة، لا تعني عودة الجغرافيا اختفاء التكنولوجيا أو نهاية التجارة العالمية، لكنها تكشف حدود قدرتها على تجاوز المكان. فهرمز وباب المندب وقناة السويس وبنما، إلى جانب طرق الأنهار والممرات القطبية ومصادر الموارد، تشكل شبكة من نقاط الاختناق التي يمكن أن تعيد رسم حركة الاقتصاد العالمي كلما انتقلت المنافسة الدولية من التعاون إلى الصراع.
ومع دخول العالم مرحلة أكثر تنافساً بين القوى الكبرى، يبدو أن السؤال لم يعد فقط عن من يمتلك التكنولوجيا أو رأس المال، بل أيضاً عن من يسيطر على الطريق الذي لا تستطيع التجارة تجاوزه. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8