اختبار الدولة الجديدة
تواجه المرحلة الانتقالية في سوريا ملفات متشابكة تتجاوز حدود الأمن والسياسة الداخلية، مع عودة قضية المقاتلين الأجانب إلى الواجهة، بالتزامن مع إعادة أستراليا إدراج إبراهيم سكرية، المعروف باسم «أبو مريم الأسترالي»، على قائمة العقوبات المالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب.
ويطرح تزامن الملفين تساؤلات حول الوضع القانوني للأجانب داخل المؤسسات السورية، وآليات منحهم الرتب العسكرية، وحدود تأثير العقوبات الأجنبية، فضلاً عن مدى قدرة دمشق على توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية تحت مظلة الدولة والقانون.
اقرأ أيضاً: استثمارات إماراتية .. مليارات الدولارات لإعادة رسم دمشق والساحل
«أبو مريم» والعقوبات
أعادت أستراليا في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2026 إدراج إبراهيم سكرية، المعروف باسم «أبو مريم الأسترالي»، على قائمة العقوبات المالية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، وذلك ضمن مراجعة دورية للقائمة.
وكانت أستراليا قد أدرجت سكرية للمرة الأولى عام 2018، على خلفية شبهات تتعلق بارتباطه آنذاك بتنظيم «جبهة النصرة»، وفق ما أعلنته السلطات الأسترالية حينها.
ويأتي القرار في وقت ترد فيه معلومات وتقارير عن ظهور اسم سكرية خلال العامين الماضيين في ملفات مرتبطة بإدارة وإعادة ترتيب أصول وشركات في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد.
وتحدثت تقارير عن توليه دوراً اقتصادياً في لجنة شاركت في إدارة بعض الأصول المرتبطة برجال أعمال من المرحلة السابقة، فيما أشارت معلومات أخرى إلى ظهوره بصفته مديراً للصندوق السيادي السوري، من دون توفر قرار تعيين منشور يحسم هذه الصفة بصورة رسمية.
اقرأ أيضاً: درعا.. ضبط متفجرات بمنزل محسن الهيمد والصنمين مجدداً
الأثر القانوني
يرى خبراء أن إدراج شخص على قائمة عقوبات وطنية لدولة أجنبية لا يعني تلقائياً سقوط أي صفة قانونية له داخل سوريا، إذ تحدد القوانين المحلية شروط التعيين وتولي المناصب العامة.
لكن استمرار العقوبات قد يخلق تداعيات عملية على التعاملات المالية والاستثمارية، خصوصاً إذا كانت المؤسسات أو الشركات المرتبطة بالشخص المعاقب تتعامل مع جهات خاضعة للولاية القانونية للدولة التي فرضت العقوبات.
وتبرز هنا الحاجة إلى التمييز بين الأثر القانوني المباشر للعقوبات الأجنبية داخل سوريا وبين تداعياتها الاقتصادية والمالية المحتملة على المؤسسات والأفراد.
الأويغور داخل الجيش
بالتوازي مع ملف «أبو مريم»، عاد ملف المقاتلين الأويغور إلى الواجهة بعد تقارير تحدثت عن وجود نحو ألفي مقاتل منهم داخل سوريا، وانضمام عناصر إلى تشكيلات عسكرية تابعة للجيش السوري.
وكانت خطة دمج المقاتلين الأجانب قد أثارت نقاشاً دولياً منذ عام 2025، مع الحديث عن إدخال نحو 3500 مقاتل أجنبي، غالبيتهم من الأويغور، ضمن الفرقة 84، على أن يتم ذلك وفق شروط تتعلق بالشفافية وإدماجهم ضمن مؤسسات الدولة.
كما أُعلن في وقت سابق عن حل التنظيم الذي كان يضم عدداً من هؤلاء المقاتلين، وانتقال عناصره للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.
غير أن عملية الدمج أثارت تساؤلات إضافية تتعلق بالرتب العسكرية التي يمكن منحها للأجانب، وحدود مشاركتهم في المؤسسات الرسمية، ومدى توافق ذلك مع القوانين السورية النافذة.
الرتب تحت المجهر
تستند المسألة القانونية إلى استمرار العمل بالتشريعات السابقة ما لم تعدل أو تلغَ بنصوص جديدة، وفق ما ينص عليه الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025.
ويفرض قانون الخدمة العسكرية شروطاً محددة للحصول على رتبة ضابط، من بينها حمل الجنسية السورية لمدة زمنية معينة، مع وجود استثناءات محددة تتعلق بحاملي جنسيات عربية وفق شروط وإجراءات قانونية.
وبناء على ذلك، يرى خبراء أن التمييز ضروري بين مجرد وجود مقاتل أجنبي ضمن تشكيل جرى دمجه في مؤسسة عسكرية، وبين منحه صفة عسكري نظامي، ثم بين ذلك وبين منحه رتبة ضابط أو تكليفه بقيادة وحدة عسكرية.
ولا يعني تحقق إحدى هذه الحالات تلقائياً تحقق الحالات الأخرى، ما يجعل الأساس القانوني لكل قرار عاملاً حاسماً في تقييم مدى مشروعيته.
الجنسية لا تحسم المسألة
يطرح ملف التجنيس بدوره أسئلة إضافية، إذ إن حصول شخص أجنبي على الجنسية السورية في وقت لاحق لا يعني بالضرورة تسوية القرارات السابقة بأثر رجعي، خصوصاً إذا كانت القوانين تشترط مرور مدة زمنية محددة على اكتساب الجنسية قبل تولي بعض الرتب أو المناصب.
ويرى مراقبون أن نشر الأساس القانوني لقرارات التجنيس والتعيين والترفيع سيكون عاملاً مهماً في حسم الجدل، ولا سيما في الملفات المرتبطة بأفراد أجانب يشغلون مواقع داخل المؤسسات العسكرية.
واشنطن تراقب المسار
لم يقتصر الجدل على الداخل السوري، إذ تضمنت مناقشات أميركية خلال عام 2026 مقترحات تربط التعاون مع الحكومة السورية باتخاذ خطوات تتعلق بالمقاتلين الأجانب الموجودين داخل مؤسسات الدولة.
وشملت المقترحات المطروحة إخراج بعض المقاتلين الأجانب من المؤسسات الحكومية، ونزع سلاح من يبقى منهم، وإنشاء آليات لمتابعتهم، مع بقاء بعض هذه البنود ضمن مراحل التشريع وعدم تحولها جميعاً إلى قانون نهائي بصيغتها المطروحة.
ويعكس ذلك وجود تباين بين مقاربة دمشق القائمة على دمج بعض العناصر داخل مؤسسات الدولة، وبين مواقف خارجية تشدد على تقليص حضور المقاتلين الأجانب داخل المؤسسات الرسمية.
عقوبات وطنية وأخرى دولية
يفرق مراقبون بين العقوبات التي تفرضها دولة بصورة منفردة، وبين التدابير الصادرة عن مجلس الأمن والتي تكون ملزمة للدول الأعضاء وفق طبيعة القرار.
وبالتالي، فإن إدراج شخص على قائمة أسترالية لا يعني تلقائياً إدراجه على قوائم العقوبات الأممية، كما أن الأثر القانوني لكل قائمة يرتبط بالجهة التي أصدرتها وبالقوانين التي تحكم تطبيقها.
لكن أي ارتباط محتمل بأسماء أو جهات مدرجة على قوائم أممية أو تورط في أنشطة تخضع لتدابير دولية يفرض على السلطات السورية التعامل مع الحالة ضمن التزاماتها الدولية والقوانين النافذة.
وتحتاج كل حالة، وفق هذا المنظور، إلى فحص مستقل للهوية، وطبيعة العقوبات، ومصدرها، والارتباطات المالية والتنظيمية، قبل تحديد آثارها القانونية.
من الاحتواء إلى المؤسسة
يرى خبراء أن التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بوجود مقاتلين أجانب داخل المؤسسات السورية، بل بكيفية انتقالهم من تشكيلات سابقة إلى مؤسسة عسكرية تخضع لسلسلة قيادة موحدة وقواعد قانونية واضحة.
ويشمل ذلك تحديد معايير التجنيد، والرتب، والمهام، وآليات المساءلة، إضافة إلى ضمان عدم وجود مراكز قرار موازية داخل المؤسسات الرسمية.
وتزداد حساسية الملف عندما تمتد أدوار بعض الشخصيات من المجال العسكري إلى الملفات الاقتصادية أو الإدارية، إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى تدقيق دولي أكبر في هوية شاغلي المناصب وعلاقاتهم السابقة.
ملفات مفتوحة
بعد نحو عامين على سقوط نظام الأسد، ينتقل النقاش حول المقاتلين الأجانب في سوريا من سؤال وجودهم داخل البلاد إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بموقعهم داخل مؤسسات الدولة وحدود أدوارهم القانونية.
وفي المقابل، يظل ملف «أبو مريم الأسترالي» مرتبطاً بتداعيات العقوبات الأجنبية، وسط تساؤلات حول طبيعة الأدوار التي نُسبت إليه داخل بعض المؤسسات الاقتصادية، ومدى وجود قرارات رسمية منشورة تثبت المناصب التي أُسندت إليه.