تعمل شبكة من المؤسسات والجهات اليمينية في إسرائيل، بدعم من تمويل قدمه أثرياء يهود أمريكيون، على إعداد شخصيات تستهدف الوصول إلى مواقع مؤثرة في مجالي الأمن والسياسة، ضمن مشروع يتجه، بحسب تحقيق لصحيفة "هآرتس"، من التأثير في المؤسسات القضائية إلى محاولة التأثير في توجهات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
ويحمل المشروع اسم "المركز من أجل حرية إسرائيلية"، ويأتي امتداداً لنشاط "صندوق الأمل"، الذي حصل على تمويل من أثرياء يهود أمريكيين، وسبق أن دعم منظمة "كوهيليت" اليمينية، التي ارتبط اسمها بالتصورات التي شكلت أساساً لخطة "الإصلاح القضائي" التي طرحتها حكومة بنيامين نتنياهو وأثارت احتجاجات وخلافات داخل إسرائيل.
وبحسب التحقيق، يركز المشروع في مرحلته الحالية على المجال الأمني، من خلال برامج تهدف إلى بناء شبكة من الشخصيات ذات التوجهات اليمينية داخل الأوساط العسكرية والأمنية والسياسية، مع تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
اقرأ أيضا:
الصحة العالمية: تأخر المساعدات يفاقم الأزمة الصحية في غزة
كيف بقي اختراق بيانات الجيش الأمريكي 9 أشهر؟
برنامج لتشكيل شبكة أمنية وسياسية
ويرعى "المركز من أجل حرية إسرائيلية" "معهد أرغمان"، الذي يرأسه رونين شوفال، مؤسس حركة "إم تيرتسو". ويقدم المعهد "برنامج تشرشل" المتخصص في الاستراتيجية والسياسة والأمن، ويقول في تعريفه الرسمي إن البرنامج موجه إلى أشخاص يسعون إلى التأثير في أجندة السياسة الخارجية والأمن في إسرائيل.
ويستهدف البرنامج، وفق المعهد، ثلاث فئات رئيسية، تشمل العاملين في المجالات الاستراتيجية والأمنية، والناشطين في المجال العام والسياسة والإعلام، إضافة إلى طلاب الدراسات العليا الذين يبحثون في قضايا مرتبطة بالسياسة الخارجية والأمن.
وتضم قوائم خريجي البرنامج شخصيات من خلفيات عسكرية وسياسية وأمنية، من بينها دافيد زيني، الذي أصبح رئيساً لجهاز الشاباك الإسرائيلي. ويشير المعهد إلى أن البرنامج خرّج عشرات المشاركين، بينهم ضباط ومسؤولون ومستشارون وشخصيات تنشط في مجالات الأمن والسياسة.
كما يشارك في البرنامج محاضرون من الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، بينهم عضو الكنيست سيمحا روتمان، والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي مئير بن شبات، إلى جانب شخصيات عسكرية وسياسية أخرى.
تصور جديد للعقيدة الأمنية
ويستند تحقيق "هآرتس" إلى وثيقة أعدها مشاركون في "برنامج تشرشل"، وتتضمن تصوراً لإعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
وتدعو الوثيقة إلى زيادة حجم القوات البرية، والاستعداد لمواجهة عدة جبهات في وقت واحد، واعتماد سياسة تقوم على المبادرة والهجوم بدلاً من الاقتصار على الرد على الهجمات.
كما تتضمن مقترحات لإقامة مناطق عازلة خارج الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل، والاستعداد لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة وعميقة، فضلاً عن وضع سيناريوهات عسكرية للتعامل مع احتمال اعتبار مصر والأردن مصدرَي تهديد مستقبلي، رغم معاهدات السلام الموقعة مع البلدين.
ولا تقتصر التصورات الواردة في الوثيقة على طبيعة العمليات العسكرية، وإنما تمتد إلى طريقة تعريف أهداف المؤسسة الأمنية ودورها في المرحلة المقبلة.
الضفة الغربية و"الهجرة الطوعية"
وفي ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، تفترض الوثيقة أن الصراع لا يمكن حله عبر مسار سياسي، وتطرح مجموعة من الإجراءات التي تشمل تفكيك السلطة الفلسطينية والتوجه نحو ضم الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب تشجيع الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم.
وتقترح الوثيقة إنشاء جهة حكومية تتولى ملف ما تسميه "الهجرة الطوعية"، إلى جانب دراسة إنشاء مطار بالقرب من معبر الكرامة بهدف تسهيل مغادرة الفلسطينيين.
كما تتضمن تقديرات تتعلق بأعداد الفلسطينيين الذين يفترض أن يغادروا خلال العقدين المقبلين، في إطار التصور الذي تطرحه الوثيقة بشأن مستقبل الضفة الغربية والسكان الفلسطينيين فيها.
إعادة تعريف القواعد داخل الجيش
ويمتد المشروع كذلك إلى الجانب الفكري داخل المؤسسة العسكرية، إذ تتضمن الوثيقة مقترحات لإعادة صياغة القواعد الأخلاقية للجيش الإسرائيلي وفق توجه قومي، مع تعزيز مفاهيم "الانتصار" والهوية القومية، وتقليص حضور المبادئ التي تركز على الإنسان وكرامته، وفق ما أورده تحقيق "هآرتس".
كما تدعو التصورات إلى تقليل الاعتماد على المساعدات الأمريكية وزيادة الموارد المخصصة للمؤسسة العسكرية، بالتزامن مع خفض الإنفاق الحكومي في قطاعات مدنية، من بينها التعليم والثقافة، وتقليص عدد الوظائف في القطاع العام.
وتشير هذه المقترحات إلى أن المشروع لا يتناول فقط بنية المؤسسة الأمنية أو طبيعة العمليات العسكرية، وإنما يطرح أيضاً تغييرات في الأولويات الوطنية والإنفاق الحكومي والقواعد الفكرية التي تحكم عمل الجيش.
انتقال من القضاء إلى المؤسسة الأمنية
وبحسب التحقيق، تحدث دافيد زيني خلال فعالية نظمها "معهد أرغمان" عن امتلاكه "أجندة" يسعى إلى دفعها، فيما قال المدير العام لـ"المركز من أجل حرية إسرائيلية" إن "نخبة جديدة" تتشكل في إسرائيل.
ويضم المعهد وبرامجه شبكة من الشخصيات التي انتقلت بين المؤسسات البحثية والسياسية والأمنية، وهو ما يراه التحقيق جزءاً من آلية لبناء نفوذ طويل الأمد داخل مؤسسات الدولة.
وكان نشاط هذه الشبكة قد ركز في مرحلة سابقة على المجال القضائي، ولا سيما من خلال دعم "كوهيليت" والأفكار المرتبطة بالإصلاح القضائي، قبل أن يتوسع الاهتمام إلى المؤسسات الأمنية.
وتظهر المعلومات المنشورة على موقع "معهد أرغمان" أن برنامج تشرشل مصمم صراحة لبناء معرفة وشبكات لدى أشخاص يرغبون في التأثير في قضايا السياسة الخارجية والأمن، فيما تضم قائمة خريجيه شخصيات تولت لاحقاً مناصب عسكرية وأمنية وسياسية.
وفي هذا السياق، يقدم تحقيق "هآرتس" انتقال المشروع من المجال القضائي إلى المجال الأمني باعتباره محاولة لبناء شبكة جديدة من الشخصيات المؤثرة في عملية صنع القرار، فيما لا يعني مجرد تخرج شخصية من البرنامج أنها تتبنى بالضرورة جميع الأفكار الواردة في الوثائق المرتبطة به، أو أن تلك التصورات أصبحت سياسة رسمية للدولة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تنامي حضور التيارات اليمينية داخل الحكومة الإسرائيلية، بالتزامن مع طرح مواقف تدعو إلى ضم الضفة الغربية المحتلة وتشجيع الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم، واستمرار الحرب على قطاع غزة، بما يضع العلاقة بين المؤسسات الفكرية والسياسية والأمنية الإسرائيلية أمام نقاش متزايد حول اتجاهات صنع القرار في المرحلة المقبلة.