شاركت سوريا بوفد رفيع المستوى في اجتماعات التحالف الدولي لهزيمة تنظيم الدولة، التي استضافتها العاصمة الإيطالية روما في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في خطوة تأتي بعد انضمام دمشق رسمياً إلى التحالف في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
وضم الوفد السوري رئيس جهاز الاستخبارات العامة عبد القادر طحان، الذي ظهر في صور نشرها المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص لسوريا والعراق والسفير الأمريكي لدى تركيا توم براك، خلال مشاركته في أعمال الاجتماع.
ووصف براك المرحلة الحالية بأنها "فصل جديد وعظيم"، مشيراً إلى التضحيات التي ساهمت في إنهاء سيطرة تنظيم الدولة على الأراضي، بمشاركة الولايات المتحدة وشركائها في التحالف، إلى جانب العراقيين والسوريين الذين شاركوا في العمليات ضد التنظيم.
وأكد المسؤول الأمريكي أن نجاح عملية "العزم الصلب" لا يرتبط فقط بالعمليات العسكرية السابقة، وإنما بقدرة الشركاء الإقليميين على تولي مسؤولياتهم بصورة مباشرة، مشدداً على استمرار التزام الولايات المتحدة والتحالف بمنع عودة تنظيم الدولة والعمل على دعم استقرار المنطقة.
مشاركة دمشق ومسار التعاون الدولي
وتأتي مشاركة سوريا في اجتماعات روما ضمن مسار بدأ رسمياً بانضمامها إلى التحالف الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لتصبح العضو رقم 90، بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد وتولي الحكومة السورية الجديدة السلطة بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
ويرى رئيس لجنة الإعلام في مجلس الشعب مؤيد غزلان قبلاوي أن اجتماعات روما حملت، من وجهة نظره، رسالة تتعلق برفض أي انقسام مجتمعي أو دعوات انفصالية داخل سوريا، معتبراً أن استمرار الانقسام قد يوفر بيئة يستفيد منها تنظيم الدولة.
وقال قبلاوي إن المشاركة السورية تمثل، بحسب تقييمه، اعترافاً دولياً بقدرة سوريا على مكافحة تنظيم الدولة، مضيفاً أن دمشق يمكنها الاضطلاع بمسؤوليات أمنية في حال خروج القوات الأمريكية من قواعدها في الشدادي أو التنف.
وفي السياق نفسه، اعتبر الصحفي والباحث السياسي أحمد مظهر سعدو أن حضور سوريا في اجتماع التحالف يأتي ضمن مسار أوسع يتعلق بتعزيز القبول الدولي بدمشق والتعامل معها كشريك في جهود مكافحة الإرهاب.
وأشار سعدو إلى أن المشاركة تعكس، بحسب رؤيته، التزام الحكومة السورية بمواصلة التعاون في هذا الملف، معتبراً أن مكافحة تنظيم الدولة باتت مساراً مستمراً ضمن السياسة الأمنية السورية.
دعم مالي وقدرات أمنية
وتزامنت اجتماعات روما مع إعلان التحالف الدولي التزامات مالية تتجاوز 75 مليون دولار، مخصصة لدعم الاحتياجات السورية في مجال مكافحة الإرهاب، ورفع القدرة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز، والحفاظ على خدمات الصحة والصرف الصحي، إضافة إلى دعم السكان النازحين والمعتقلين في سوريا والعراق.
وربط قبلاوي بين الدعم المالي وبين مسألة تعزيز الاستقرار في سوريا، مشيراً إلى أهمية استمرار ما وصفها بالنجاحات الحكومية في ملف إدماج قسد، وتعزيز السلم الأهلي، والعمل على إنهاء البنية التنظيمية والتطوير الأيديولوجي لتنظيم الدولة.
من جهته، اعتبر سعدو أن الدعم المالي واللوجستي والاستخباراتي لسوريا يرتبط، بحسب تقديره، بأهمية موقعها ودورها في مواجهة التنظيم، مضيفاً أن هذه المساعدات يمكن أن تساعد دمشق على ملاحقة شبكات تنظيم الدولة وقطع طرق إمدادها.
كما أشار إلى أهمية التنسيق بين سوريا والعراق في المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من بعض المواقع في البلدين، معتبراً أن التعاون بين دمشق وبغداد يمكن أن يشمل ملاحقة عناصر التنظيم في البادية السورية وقطع خطوط الإمداد المرتبطة بها، إضافة إلى التعامل مع التنظيمات الموالية لإيران.
تراجع عمليات تنظيم الدولة
وفيما يتعلق بالنشاط العملياتي لتنظيم الدولة، قال قبلاوي إن الأرقام تشير، بحسب عرضه، إلى تراجع كبير في عدد الهجمات المنسوبة إلى التنظيم خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن عدد العمليات بلغ، وفق الأرقام التي أوردها، بين 600 و700 عملية خلال عام 2024، قبل أن يتراجع إلى ما بين 300 و400 عملية خلال عام 2023، وصولاً إلى عام 2026 الذي وصفه بأنه الأقل من حيث عدد العمليات منذ نشأة التنظيم عام 2013، مشيراً إلى اقتصارها على عمليات محدودة خلال شهر مايو/أيار فقط.
وعزا قبلاوي هذا التراجع إلى ما وصفه بالسياسة الأمنية لوزارة الداخلية السورية، إضافة إلى الانتشار العسكري، وربط ذلك أيضاً بعملية إدماج قسد ضمن البنية السياسية والعسكرية السورية.
وأضاف أن الحكومة السورية تعمل، وفق تقييمه، على مسارين متوازيين، يتمثل الأول في تفكيك البنية العسكرية لتنظيم الدولة، بينما يركز الثاني على الحد من قدرته على تطوير بنيته الأيديولوجية.
شريك في دمشق
وفي بيان صدر على هامش اجتماعات روما، قالت وزارة الخارجية الأمريكية إن أعضاء التحالف "احتفوا بوجود شريك في دمشق يقرّ بتهديد تنظيم الدولة ويبدي عزماً أكيداً على العمل المشترك للحد منه".
ويعكس البيان انتقال التعاون بين دمشق والتحالف إلى مستوى جديد، بعد انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وما تبع ذلك من مشاركة مسؤولين سوريين في الاجتماعات المرتبطة بجهود مكافحة تنظيم الدولة.
وتجمع التطورات الأخيرة بين المسار الأمني والتعاون الدولي والدعم المالي، في وقت تواجه فيه سوريا ملفات مرتبطة بإعادة ترتيب بنيتها الأمنية والعسكرية، وتحديد أدوار القوى المحلية والدولية في المرحلة المقبلة، بما في ذلك مستقبل الوجود العسكري الأمريكي وآليات التنسيق الإقليمي لمواجهة نشاط تنظيم الدولة.