الإعلام اللبناني أمام مسؤولية جديدة لحماية خصوصية الأطفال

2026.10.03 - 11:40
Facebook Share
طباعة

في عام 2020، تعرّض طفل سوري يبلغ 13 عامًا لاعتداء جنسي في بلدة سحمر البقاعية. تحولت القضية لاحقًا إلى مادة إعلامية أثارت جدلًا واسعًا، بعدما أُجريت مقابلات مع الطفل عقب الاعتداء، في ممارسة عُدّت انتهاكًا لخصوصيته، وسط مخاوف من آثار نفسية قد تتركها إعادة استحضار تفاصيل التجربة الصادمة أمام الجمهور.

أقرا أيضاً:بعد لقاءاته الأميركية.. سلام ينقل أجواء واشنطن إلى عون

 


لم تكن الواقعة حالة منفردة في المشهد الإعلامي اللبناني، من دون أن يعني ذلك تعميم المسؤولية على وسائل الإعلام كافة. فقد كشفت تغطيات عدد من قضايا الأطفال عن إشكاليات تتعلق بكشف الهوية، ونشر الصور والمعلومات الشخصية، وإجراء مقابلات مع أطفال في ظروف نفسية صعبة، إلى جانب إعادة تداول المواد المنشورة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

 

تزامنت هذه الممارسات مع غياب إطار إعلامي متخصص وواضح ينظم التعامل مع قضايا الأطفال، رغم وجود نصوص قانونية ودولية توفر الحماية لهم. فالقانون 422/2002 يفرض قيودًا على نشر صور الأحداث ومعلومات التحقيق والمحاكمة، كما تحمي المادة 16 من اتفاقية حقوق الطفل حق الطفل في الخصوصية، وهي اتفاقية كان لبنان من أوائل الدول التي انضمت إليها.

 

أقرا أيضاً:100 مليون برميل تضرب أسعار النفط.. فماذا عن محروقات لبنان؟

 

 

في محاولة لتعزيز الممارسات المهنية، وضعت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، بالتعاون مع منظمة «كفى»، عام 2021 سياسة لحماية الطفل في الإعلام، تضمنت مبادئ أخلاقية تضع مصلحة الطفل الفضلى في صلب التغطية. إلا أن هذه المبادئ بقيت، في إطارها السابق، ذات طابع إرشادي، ما أبقى الحاجة قائمة إلى إطار تشريعي أكثر وضوحًا وإلزامًا.

بعد سنوات من النقاش، أُقر قانون الإعلام الجديد في لبنان عام 2026، متضمنًا نصوصًا تتعلق بحماية خصوصية الأطفال ومدونات السلوك المهنية. ويطرح ذلك سؤالًا أساسيًا حول مدى قدرة القانون على سد الثغرات التي ظهرت في الممارسات السابقة، وتحقيق توازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الطفل في الخصوصية والحماية.

 

انتهاكات إعلامية تكشف ثغرات في التعامل مع قضايا الأطفال

 

وثقت منظمات حقوقية خلال السنوات الماضية حالات إعلامية رأت فيها انتهاكًا لحقوق الأطفال أو خطرًا على سلامتهم، في ظل تغليب بعض التغطيات عامل السبق الصحفي على حماية الطفل وكرامته.

وتشير الخبيرة في حوكمة حقوق الطفل في منظمة «إنقاذ الطفل» مايا أبي سمرا إلى أن الطفل يتمتع بحقوق أساسية في الخصوصية وحماية الهوية، إلى جانب حقه في الحماية من الأذى والاستغلال والوصم والتمييز، على أن تكون مصلحته الفضلى أولوية في أي تعامل إعلامي معه.

 

ومن بين الممارسات التي رصدتها المنظمة كشف هوية طفل ضحية للعنف، أو إجراء مقابلات مع أطفال يعيشون حالة خوف أو صدمة، ونشر صور حساسة أو مهينة، إضافة إلى استخدام الأطفال في سياقات سياسية.

ولا يقتصر كشف هوية الطفل على ذكر اسمه أو إظهار وجهه، إذ قد تكشف مجموعة من التفاصيل غير المباشرة عن هويته، مثل اسم المدرسة أو المنطقة التي يعيش فيها أو صوت الطفل أو تفاصيل عائلته، ما يجعل إخفاء الاسم والصورة وحدهما غير كافيين في بعض الحالات.

 

المقابلة مع الطفل تحتاج إلى حماية قبل التسجيل

 

توضح أبي سمرا أن القضية لا تتعلق فقط بسؤال ما إذا كان من الجائز مقابلة الطفل، وإنما بكيفية إجراء المقابلة والظروف المحيطة بها.

وترى أن مشاركة الطفل في التغطية يجب أن تكون آمنة وتحترم حقوقه ومصلحته الفضلى، مع تجنب دفعه إلى تكرار تفاصيل التجربة المؤلمة، ووقف المقابلة عند ظهور علامات الخوف أو التوتر.

 

كما أن الحصول على موافقة الوالدين لا يعني بالضرورة أن مشاركة الطفل أصبحت آمنة أو مناسبة، خصوصًا إذا كان الطفل نفسه لا يريد الظهور أو يشعر بعدم الارتياح.

وعند مرحلة النشر، تقترح أبي سمرا اعتماد سؤال أساسي: هل يستطيع شخص يعرف الطفل تحديد هويته من خلال المعلومات الواردة في التقرير، حتى لو لم يُذكر اسمه ولم تظهر صورته؟

 

إذا كانت الإجابة نعم، فإن حماية الهوية لم تتحقق بصورة كافية. وفي قضايا العنف والاستغلال الجنسي، تبرز أهمية استخدام صور رمزية ومعلومات مجهّلة قدر الإمكان، لتجنب إعادة تعريض الطفل للأذى.

«تيكتوكرز».. عندما سبقت التغطية التحقيق

 

برزت إشكالية حماية الأطفال إعلاميًا بصورة واضحة خلال قضية عُرفت إعلاميًا باسم «تيكتوكرز» عام 2024، بعد ظهور شبهات بشأن شبكة تستخدم حسابات وهمية على منصة «TikTok»، بالتعاون مع مؤثرين، لاستدراج أطفال قاصرين مقابل مبالغ مالية مرتبطة بأعمال جنسية.

تولى مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية الملف بإشراف القضاء، وبدأت التحقيقات، إلا أن بعض وسائل الإعلام سارعت إلى نشر تفاصيل من القضية، إلى جانب صور وأسماء أشخاص وردت أسماؤهم في التحقيقات، بينهم أطفال.

 

في المقابل، اختار صحافيون آخرون التعامل بحذر مع الملف، واضعين حماية الأطفال وخصوصيتهم في مقدمة الاعتبارات المهنية.

من بين هؤلاء الصحافي إدمون ساسين، الذي كان يعمل حينها مراسلًا في قناة LBCI، إذ امتنع عن نشر صور وأسماء المشتبه بهم والضحايا، رغم امتلاكه معلومات واسعة عن القضية وتعرضه لضغوط عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

 

ساسين: المعيار الأخلاقي يتقدم على السبق الصحفي

 

يعتبر ساسين أن حساسية القضية، وارتباطها بأطفال وبشبهات حول شبكة تمتد بين لبنان والخارج، فرضت التعامل معها بدرجة أعلى من الحذر.

وبرأيه، لا تقتصر مسؤولية الصحافي على نقل الوقائع، بل تشمل أيضًا حماية الطفل اجتماعيًا ونفسيًا وصون خصوصيته وخصوصية أسرته، لأن كشف هويته قد يعرضه للوصم والتنمر ويترك آثارًا طويلة الأمد على حياته.

 

ولا يرى ساسين أن الإشكالية اقتصرت على انتهاك خصوصية الأطفال، إذ يشير أيضًا إلى نشر تفاصيل من محاضر التحقيق الأولية، معتبرًا أن ذلك يثير مسائل تتعلق بسرية التحقيق وقرينة البراءة التي تبقى قائمة إلى حين صدور حكم قضائي.

وتزداد حساسية المسألة عندما يكون الشخص المعني قاصرًا، إذ قد يؤدي الكشف المبكر عن هويته إلى آثار اجتماعية وقانونية يصعب تجاوزها لاحقًا.

 

ويرى ساسين أن السبق الصحفي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لانتهاك خصوصية الأشخاص بهدف جذب الجمهور، بل يجب أن يقوم على الوصول إلى المعلومة الموثوقة والتحقق منها وتقديمها بدقة ومسؤولية.

قانون الإعلام الجديد يضع حماية الأطفال ضمن الإطار التشريعي

 

لم تمنع القوانين اللبنانية والاتفاقيات الدولية استمرار بعض الإشكاليات في تغطية قضايا الأطفال، فيما ارتبط جزء من المشكلة بغياب نص إعلامي واضح ومفصل ينظم هذه الممارسات.

مع إقرار قانون الإعلام الجديد عام 2026، دخلت حماية خصوصية الأطفال بصورة أكثر وضوحًا إلى الإطار التشريعي الناظم للإعلام.

 

وينص القانون على إنشاء هيئة وطنية تُعنى بضمان حرية التعبير والإعلام والنشر، وفق المبادئ التي يحددها الدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

كما يحدد ضمن مهام الهيئة وضع مدونات سلوك مهنية تتناول عددًا من الموضوعات، من بينها احترام خصوصية الأطفال في التغطيات الإعلامية.

 

وتوضح النائبة حليمة قعقور، التي شاركت في نقاشات القانون، أن مدونات السلوك المنصوص عليها في المادة 95 ستكون ملزمة، وأن مخالفتها قد تترتب عليها إجراءات وفق المادة 90.

وبحسب قعقور، تشمل التدابير الممكنة الاستيضاح والتنبيه والإنذار والغرامات المالية، إضافة إلى إحالة المؤسسات الإعلامية المخالفة إلى الجهات القضائية المختصة أو إلى لجنة متخصصة بالأخلاقيات الإعلامية منبثقة عن الهيئة.

 

كما يتيح القانون، وفق شرحها، للمتضرر حق الادعاء، إلى جانب الدور الذي يمكن أن تؤديه الهيئة في هذا المجال.

 

هيئة وطنية ورقابة على تطبيق القانون

 

لا تقتصر أهمية القانون، بحسب قعقور، على النص المتعلق بخصوصية الأطفال، بل تشمل أيضًا طبيعة الهيئة الوطنية وتركيبتها، ولا سيما وجود شخصية متخصصة في حقوق الإنسان.

ومن شأن هذا التخصص، وفق رأيها، تعزيز الاهتمام بالتفاصيل المرتبطة بحقوق الأطفال عند وضع مدونات السلوك ومتابعة الشكاوى والمخالفات.

 

وتبرز هنا مسألة استقلالية الهيئة وآلية اختيار أعضائها، وهي نقطة كانت موضع نقاش خلال إقرار القانون، بحسب قعقور، التي تشدد على أهمية الدور الرقابي لمجلس النواب في متابعة تشكيل الهيئة وحسن تطبيق التشريع.

 

وترى أن مسؤولية حماية القانون لا تقع على مؤسسة واحدة، إذ تتوزع بين السلطة التشريعية والجهات الحكومية والهيئة المعنية والجمعيات ووسائل الإعلام، إلى جانب أهمية رفع الوعي لدى الصحافيين والجمهور حول حقوق الأطفال.

حرية الإعلام في مواجهة حماية الفئات الأكثر هشاشة

 

قد يثير وضع ضوابط للتغطية الإعلامية مخاوف من تأثيرها في حرية الصحافة والتعبير، إلا أن قعقور ترى أن حرية التعبير ليست مطلقة، وأن ممارستها يجب أن تراعي حقوق الآخرين، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة.

ومن هذا المنطلق، تعتبر أن حماية الأطفال لا تتعارض بالضرورة مع حرية الإعلام، بل تستدعي وضع قواعد واضحة تحدد المسؤولية المهنية وتمنع أن تتحول التغطية إلى مصدر ضرر إضافي للطفل.

 

وتبرز أهمية هذا التوازن خصوصًا في القضايا التي تتعلق بالاعتداءات الجنسية والعنف والاستغلال، حيث يمكن أن يؤدي نشر معلومة صغيرة إلى كشف هوية الطفل أو إعادة تعريضه للوصم والأذى.

 

من حماية الهوية إلى حماية الطفل بعد النشر

 

تتجاوز مسؤولية الإعلام مرحلة إعداد التقرير ونشره، خصوصًا مع انتشار المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وتشير أبي سمرا إلى أن إعادة نشر المقاطع أو الصور قد تجعل إزالة المادة من الموقع الأصلي غير كافية، إذ يمكن أن تستمر المواد في التداول لسنوات، بما قد يؤثر في الطفل مستقبلًا وعلى فرص اندماجه في المجتمع.

 

لذلك، لا بد من تقييم مخاطر النشر قبل بث المادة، بما يشمل العنوان والصورة الرئيسية والمقاطع المصورة والتعليقات وإمكانية إعادة نشر المحتوى عبر منصات أخرى.

 

وتزداد المسؤولية في الحالات التي يكون فيها الطفل معرضًا للخطر أو على تماس مع القانون، لأن أي معلومة منشورة قد تبقى مرتبطة باسمه أو قصته لفترة طويلة بعد انتهاء القضية.

مقترحات لتغطية أكثر أمانًا

 

تتقاطع الآراء حول عدد من الأسباب التي تقف خلف الإخفاقات في بعض التغطيات، من بينها نقص التدريب المتخصص، وضعف الالتزام ببعض قواعد أخلاقيات المهنة، والحاجة إلى دعم قانوني يساعد غرف الأخبار على تحقيق التوازن بين حرية الإعلام وحقوق الطفل.

 

ومن المقترحات المطروحة منع الترويج للبيدوفيليا تحت ذريعة حرية التعبير، بحسب قعقور، وعدم نشر صور الأطفال أو أسمائهم حتى في بعض الحالات التي يكونون فيها ضحايا لجرائم أو تعذيب، وفق ساسين.

ويشدد ساسين كذلك على أهمية توفير الدعم النفسي وإعادة تأهيل الأطفال المتضررين، بدل الاكتفاء بمنع كشف هوياتهم إعلاميًا.

 

في المقابل، تعمل منظمة «إنقاذ الطفل» على إعداد إرشادات عملية تساعد الصحافيين والإعلاميين على تغطية قضايا الأطفال بصورة أكثر أمانًا، مع تركيز خاص على وسائل التواصل الاجتماعي والبث المباشر.

 

وتقترح المنظمة اعتماد أدوات عملية داخل المؤسسات الإعلامية، مثل نماذج الموافقة، والتأكد من قبول الطفل للمشاركة، وقوائم مبسطة لتقييم المخاطر قبل إجراء المقابلات وقبل النشر.

 

الطفل له صوت.. لكن بصيغة آمنة

لا تعني حماية الطفل إبعاده بالكامل عن الإعلام أو منعه من التعبير عن تجربته، إذ يمكن أن يكون للأطفال دور مهم في نقل القضايا التي تمسهم، شرط توفير الضمانات التي تحميهم من الاستغلال أو الوصم أو إعادة التعرض للأذى.

 

وتؤكد منظمة «إنقاذ الطفل» أن للطفل الحق في أن يكون له صوت في الإعلام، لكن هذا الصوت ينبغي أن يكون آمنًا، وأن تظل الأولوية لكشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها من دون أن تتحول التغطية نفسها إلى انتهاك جديد.

ويضع قانون الإعلام الجديد لبنان أمام مرحلة مختلفة في تنظيم العلاقة بين الإعلام وحقوق الطفل، لكن فاعلية النصوص ستبقى مرتبطة بكيفية تطبيقها، واستقلالية الجهات الرقابية، وتطوير مدونات السلوك، وتدريب الصحافيين، وقدرة المتضررين على الوصول إلى آليات الإنصاف.

 

وفي النهاية، لا يكمن التحدي في الاختيار بين حماية الطفل وحق الجمهور في المعرفة، بل في تطوير ممارسة إعلامية قادرة على تحقيق المصلحة العامة من دون أن يدفع الطفل ثمن التغطية.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 3

اقرأ أيضاً