تدخل أزمة صناديق الاستثمار التركية مرحلة جديدة مع بدء السلطات إجراءات تسمح للمستثمرين باستعادة جزء من أموالهم قبل انتهاء عمليات التصفية، بعد تجمّد مدخرات مئات الآلاف وتكبد بعض الصناديق خسائر قد تصل إلى 40%.
تتحرك السلطات بعد أسابيع من تفاقم الأزمة، وسط توقعات بأن تستغرق عملية بيع الأصول وتسوية الالتزامات وتحديد الحقوق النهائية للمستثمرين عدة أشهر، ما يجعل الدفعات المرحلية حلًا مؤقتًا لتوفير السيولة وليس تسوية نهائية للخسائر.
دفعات تصل إلى مليون ليرة
وافقت هيئة أسواق المال التركية على صرف مبالغ مرحلية تصل إلى مليون ليرة لكل مستثمر، أي نحو 20.4 ألف دولار، قبل اكتمال تصفية الصناديق وتوزيع الأموال المتبقية.
بحسب تقرير للصحافي بن بالمون في «Bizportal»، تهدف الآلية إلى إتاحة جزء من المدخرات للأسر المتضررة، بالتزامن مع مواصلة المصارف المكلفة بالتصفية بيع أصول الصناديق وتحويلها تدريجيًا إلى سيولة.
يستطيع المستثمرون الذين تقل قيمة استثماراتهم الصافية عن مليون ليرة الحصول على ما يصل إلى كامل المبلغ المستحق لهم وفق الحسابات المعتمدة، مع احتساب نسبة الخسارة الناتجة عن انخفاض قيمة أصول الصندوق.
الدفعات ليست تسوية نهائية
لا تعني الأموال المصروفة حاليًا انتهاء حقوق المستثمرين، إذ تعامل الدفعات باعتبارها سلفة على المبالغ النهائية التي ستحدد بعد إتمام التصفية.
تُخصم المبالغ التي يحصل عليها المستثمرون في المرحلة الحالية من مستحقاتهم النهائية، بينما تبقى وحدات الصناديق مسجلة بأسمائهم حتى إغلاق عمليات التصفية.
تبدأ المرحلة الأولى من المدفوعات في صناديق «تيرا» و«فوسولا» و«أطلس» و«هدف»، مع إعطاء الصناديق النقدية أولوية في إجراءات التصفية.
455,758 مستثمرًا في قلب الأزمة
تعد الأزمة الحالية الأكبر من نوعها في تاريخ صناديق الاستثمار التركية، بعدما دخل 131 صندوقًا تابعًا لـ7 مديري استثمار في إجراءات التصفية.
يبلغ عدد المستثمرين المتضررين 455,758 شخصًا، بينما كانت قيمة الأصول التي تديرها الصناديق قبل اندلاع الأزمة تقدر بنحو 18 مليار دولار.
تولى «زراعات بنك»، أكبر مصرف حكومي في تركيا، إدارة غالبية الصناديق المشمولة بالإجراءات، فيما يتولى «إيش بنك» تصفية صناديق «تيرا».
لماذا تجمدت أموال المستثمرين؟
بدأت الأزمة عندما حاول عدد كبير من المستثمرين الخروج من الصناديق، ليجدوا أنفسهم أمام صعوبة في سحب أموالهم وتحويل وحداتهم إلى سيولة.
حققت بعض الصناديق عوائد مرتفعة خلال السنوات الماضية نتيجة استثمارات كبيرة في أسهم شركات صغيرة محدودة التداول. ومع استمرار تدفق الأموال الجديدة وارتفاع أسعار الأسهم، ارتفعت القيمة المسجلة للصناديق بصورة متسارعة.
لكن مع تزايد طلبات الاسترداد، اضطر مديرو الصناديق إلى بيع كميات كبيرة من الأسهم، في وقت لم يكن فيه الطلب في السوق كافيًا لاستيعاب تلك الكميات.
موجة بيع عمقت الخسائر
أدى اضطرار الصناديق إلى تصفية جزء كبير من استثماراتها إلى انخفاض أسعار الأسهم، الأمر الذي انعكس مباشرة على القيمة الإجمالية للوحدات.
مع تراجع قيمة الصناديق، حاول مزيد من المستثمرين الخروج، لتدخل السوق في حلقة متسارعة من طلبات الاسترداد والبيع القسري وتراجع الأسعار.
تتوقف القيمة النهائية التي سيحصل عليها كل مستثمر على قدرة المصفّين على بيع الأسهم والسندات وبقية الأصول، إلى جانب حجم الالتزامات التي يتعين تسويتها قبل توزيع الأموال.
الخسائر تختلف بين صندوق وآخر
يمكن توضيح حجم الخسارة من خلال مثال افتراضي: إذا بلغت قيمة أصول صندوق مليار ليرة، وتمكن المصفّون بعد بيع الأصول وتسوية الالتزامات من تحصيل 800 مليون ليرة، فسيحصل المستثمرون بصورة نسبية على نحو 80% من القيمة المسجلة لوحداتهم.
في هذه الحالة، سيحصل مستثمر كانت وحداته تساوي 100 ألف ليرة على نحو 80 ألف ليرة.
تنشأ الفجوة بين القيمتين عندما تصبح الأسعار التي يمكن بيع الأصول بها في السوق أقل من القيمة التي كانت مسجلة بها داخل الصندوق قبل الأزمة.
تشير التقديرات إلى تفاوت الخسائر بين الصناديق، إذ قد تصل في بعض الحالات إلى 30% أو 40% من حجم الأصول، بينما قد تقتصر في صناديق أخرى على نحو 10%.
استثمارات مركزة رفعت المخاطر
ساهم تركّز استثمارات بعض الصناديق في عدد محدود من الشركات الصغيرة، وأحيانًا في شركات مرتبطة ببعضها، في زيادة المخاطر عندما بدأت عمليات الخروج الجماعي.
في الأسهم ذات التداول المحدود، يمكن أن تحافظ الأسعار على مستويات مرتفعة في الظروف الطبيعية، لكن بيع كميات ضخمة تصل إلى مليارات الليرات يتطلب وجود عدد كبير من المشترين.
عندما لا يتوافر الطلب الكافي، تصبح عملية تصفية الأصول أكثر صعوبة، وقد يضطر البائعون إلى خفض الأسعار لإتمام الصفقات، ما يزيد حجم الخسائر.
تحقيقات وشبهات بالتلاعب
لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب المالي، إذ دفعت الشبهات المتعلقة بالتأثير غير المشروع في أسعار بعض الأسهم السلطات إلى فتح تحقيقات جنائية واتخاذ إجراءات بحق عشرات الأشخاص المرتبطين بالقضية.
امتد النقاش إلى المجال العام ووسائل التواصل الاجتماعي في تركيا، في ظل اتساع عدد المتضررين وحجم الأموال المرتبطة بالصناديق قيد التصفية.
الحكومة تدخل على خط الأزمة
شكلت السلطات لجنة حكومية برئاسة نائب الرئيس جودت يلماز لتنسيق إجراءات التصفية والعمل على تسريع وصول الأموال إلى المستثمرين.
عقد الرئيس رجب طيب أردوغان اجتماعًا مع الفريق الاقتصادي والجهات التنظيمية، ووجّه بتسريع عملية إعادة الأموال ضمن حدود الأصول المتاحة في الصناديق.
ستة أشهر لحسم التصفية
قد تستغرق عملية التصفية الكاملة ما يصل إلى 6 أشهر، وفق الإجراءات المرتبطة ببيع الأصول والتحقق من حقوق المستثمرين وتسوية الالتزامات.
لن تنتظر المدفوعات انتهاء هذه المدة بالضرورة، إذ يمكن صرفها تدريجيًا كلما تحولت أصول الصناديق إلى سيولة وأصبحت المبالغ القابلة للتوزيع واضحة.
بالنسبة إلى مئات آلاف المستثمرين، يوفر القرار الجديد فرصة للوصول إلى جزء من المدخرات التي بقيت مجمدة، لكنه لا يلغي الخسائر المحتملة ولا يضمن قيمة نهائية موحدة لجميع المتضررين.
تبقى النتيجة النهائية مرتبطة بالقيمة التي ستتحقق من بيع الأصول خلال فترة التصفية، وبقدرة المصارف والمصفّين على تحويل الاستثمارات إلى سيولة وتسوية الالتزامات قبل توزيع المتبقي على أصحاب الوحدات.