تتزايد التساؤلات في سوريا بشأن الجهات التي تقف وراء سلسلة حوادث طالت منشآت وخطوطاً مرتبطة بقطاع الطاقة، بعدما شهد ريف دمشق الشرقي مساء الأربعاء انفجاراً في خط لأنابيب الغاز، سبقه بيومين حريق أصاب خطاً آخر يصل بين منطقتي الشولا ودير الزور.
أقرا أيضاً:سوريا تعيد رسم قواعد الإعلام.. هل يتسع هامش الصحافة؟
وتطرح هذه التطورات، وفق قراءات أمنية وسياسية، احتمال ارتباط الحوادث باستهداف أوسع للبنية التحتية للطاقة، نظراً إلى تأثير خطوط الغاز على إنتاج الكهرباء، وانعكاس أي توقف في إمداداتها على النشاط الاقتصادي والصناعي والخدمات المرتبطة بحياة السكان.
الطاقة في صلب تداعيات الاستهداف
يرى الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عصمت العبسي أن التعامل مع الحوادث الأخيرة باعتبارها وقائع منفصلة لا يعكس، من وجهة نظره، طبيعة ما يجري، مشيراً إلى أن خطوط إنتاج الطاقة، ولا سيما خطوط الغاز، ترتبط بصورة مباشرة بقدرة محطات توليد الكهرباء على العمل.
ويشير العبسي إلى أن أهمية هذه الخطوط لا تقتصر على تأمين الطاقة للاستخدام اليومي، إذ يرتبط استمرار تدفق الغاز أيضاً بالنشاط الاقتصادي والاستثماري والإنتاج الصناعي، وبالتالي فإن تعطيلها يمكن أن ينعكس على قطاعات متعددة.
أقرا أيضاً:القنيطرة تحت التوغل.. قوات إسرائيلية تداهم منزلاً في جباتا الخشب
وبحسب قراءته، فإن الجهات التي تقف وراء التفجيرات، إذا ثبت وجود عمل متعمد خلفها، قد يكون هدفها التأثير في استقرار قطاع الطاقة ومنع الظروف اللازمة لاستئناف النشاط الاقتصادي وتسريع مسار التنمية في البلاد.
من جهته، يرى الكاتب والباحث السياسي عمر كوش أن التطورات الأخيرة تضع ملف حماية البنية التحتية للطاقة أمام تحديات أمنية كبيرة، مشدداً على أهمية تحديد الجهات المسؤولة عنها، ومعرفة ما إذا كانت العمليات ناتجة عن نشاط خلايا محلية تسعى إلى تعطيل إمدادات الطاقة، أم أن جهات خارجية تقف وراءها بهدف التأثير في الاستقرار الأمني وتعقيد جهود تطوير قطاع الطاقة.
ويطرح كوش احتمال أن تكون بعض التفجيرات ذات طابع رسائلي يتجاوز تأثيرها المباشر على المنشأة المستهدفة، بحيث تهدف إلى الإيحاء بأن الأراضي السورية لا تزال تواجه مخاطر أمنية تحول دون استخدامها ممراً آمناً للطاقة.
سوريا وممرات الطاقة الإقليمية
ويكتسب هذا الاحتمال أهمية، وفق كوش، في ظل النقاش حول الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا مستقبلاً كممر للطاقة في المنطقة، ولا سيما مع استمرار تداعيات أزمة مضيق هرمز.
كما يرتبط ذلك بالعمل المتعلق بالمرحلة الثانية من خط الغاز العربي، الذي يصل الأردن بتركيا مروراً بالأراضي السورية، ما يجعل خطوط الطاقة داخل البلاد جزءاً من مشاريع ذات امتداد إقليمي، وليس مجرد منشآت مرتبطة بالاستهلاك المحلي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اضطراب أمني يطال خطوط الغاز أو منشآت الإنتاج والنقل يمكن أن يؤثر في قدرة سوريا على أداء هذا الدور، بحسب القراءة التي يطرحها كوش، إلى جانب تأثيره المباشر في قطاع الكهرباء والاقتصاد المحلي.
حوادث متتالية وخسائر في الكهرباء
على الأرض، جاء انفجار خط الغاز في ريف دمشق الشرقي ليضيف حادثة جديدة إلى سلسلة التطورات التي شهدها قطاع الطاقة خلال فترة قصيرة.
وأدى الانفجار الذي وقع مساء الأربعاء إلى اندلاع حريق كبير، كما تسبب بتعطل محطات دير علي والناصرية وتشرين لتوليد الكهرباء، ما انعكس مباشرة على منظومة توليد الطاقة المرتبطة بالغاز.
وقبل ذلك بيومين، اندلع حريق في خط الغاز الممتد بين منطقتي الشولا ودير الزور، وقالت الرواية الرسمية حينها إن الحادث نجم عن «عمل تخريبي»، الأمر الذي أدى إلى توقف ضخ الغاز من معمل الجبسة.
وفي حين أُسند حادث الشولا ودير الزور رسمياً إلى عمل تخريبي، لا تزال طبيعة حادث خط المحطات الثلاث في ريف دمشق غير محسومة، بحسب العبسي، الذي أشار إلى أن التحقيقات لم تحدد بعد ما إذا كان الانفجار ناجماً عن عمل متعمد أم عن خلل تقني.
وبذلك، يختلف مستوى اليقين بشأن طبيعة الحوادث الأخيرة، بين واقعة أُعلن رسمياً أنها تخريبية، وأخرى لا تزال التحقيقات بشأن أسبابها مستمرة.
الاستهداف لا يقتصر على خطوط الغاز
ولا يرى العبسي أن التأثيرات الأمنية على قطاع الطاقة تقتصر على خطوط نقل الغاز والمنشآت المرتبطة بها، مشيراً إلى حادثة استهداف حافلة تقل موظفين تابعين لشركة الكهرباء الخاصة في مصياف، والتي وقعت الأربعاء.
ويعتبر العبسي أن استهداف وسيلة نقل العاملين في قطاع الكهرباء يمكن إدراجه، وفق قراءته، ضمن نطاق أوسع من التأثير على قطاع الطاقة، باعتبار أن حماية المنشآت لا تنفصل عن حماية العاملين والوسائل المستخدمة في تشغيلها وصيانتها.
ويضيف هذا الحادث بعداً آخر إلى المشهد، في وقت تتعرض فيه منشآت الطاقة وخطوط نقلها لحوادث متتالية في مناطق مختلفة من البلاد.
اتساع المساحات يصعّب حماية الخطوط
وتبرز في المقابل مشكلة جغرافية وأمنية تتعلق بطول شبكات الطاقة وطبيعة المناطق التي تمر فيها، وهو ما يراه كوش أحد أبرز أسباب صعوبة تأمينها بصورة كاملة.
ويشير إلى أن خطوط الطاقة السورية تمتد لمئات الكيلومترات، ما يجعل تأمينها على امتداد مساراتها يحتاج إلى إمكانات كبيرة، خصوصاً أن أجزاء واسعة منها تمر في مناطق صحراوية ومفتوحة يصعب فرض رقابة مستمرة عليها.
وتفرض هذه الجغرافيا تحديات إضافية على الجهات المكلفة بالحماية، إذ لا تقتصر المخاطر على المنشآت المركزية، وإنما تشمل خطوط النقل الممتدة لمسافات طويلة والنقاط الواقعة في مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية.
جهات متعددة في دائرة الاحتمالات
وفي ما يتعلق بالجهات التي يمكن أن تكون وراء العمليات، يحذر العبسي من توجيه الاتهام إلى طرف واحد قبل اكتمال التحقيقات، ويطرح عدة احتمالات.
ومن بين الجهات التي يذكرها العبسي فلول النظام السابق، وخلايا تنظيم الدولة، إلى جانب مجموعات أو أطراف قد تكون متضررة من مسار مركزة إنتاج الطاقة وحصر إدارة الإنتاج بيد الدولة السورية.
ويضع هذا الطرح الحوادث الأخيرة ضمن مجموعة احتمالات أمنية مختلفة، بعضها يرتبط بخلايا مسلحة، وبعضها الآخر بمصالح مرتبطة بطريقة إدارة قطاع الطاقة وتوزيع عائداته وآليات تشغيله.
أما كوش، فيتحدث بدوره عن إمكانية وقوف خلايا مسلحة وراء بعض العمليات، مشيراً إلى أن تنفيذ مثل هذه الهجمات لا يحتاج بالضرورة إلى إمكانات كبيرة، ويمكن أن يتم بوسائل محدودة الكلفة.
ويطرح كوش ضمن هذه الاحتمالات خلايا تابعة لتنظيم الدولة، وأطرافاً مرتبطة بحزب الله وإيران، إضافة إلى جهات متضررة من مسار إدماج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة، ومن بينها اتحاد الشبيبة الثورية، مع احتمال وجود عناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، بحسب تقديره.
العامل الخارجي حاضر في التحليلات
ولا يحصر كوش الاحتمالات في العوامل الداخلية، إذ يشير أيضاً إلى وجود أطراف خارجية تعلن، وفق تعبيره، مواقفها الداعية إلى التأثير في استقرار سوريا، ويذكر إسرائيل بصورة خاصة ضمن الجهات التي يرى أنها قد تكون معنية بإضعاف الاستقرار السوري.
ويبقى هذا الطرح في إطار التقديرات والتحليلات التي يقدمها كوش، ولا يعني ثبوت مسؤولية أي من الجهات التي ورد ذكرها عن الحوادث الأخيرة، في ظل عدم اكتمال التحقيقات المتعلقة ببعض الوقائع.
ويعكس تعدد الجهات المحتملة، بحسب القراءات المطروحة، تعقيد البيئة الأمنية التي تعمل فيها منشآت الطاقة السورية، خصوصاً مع امتداد خطوط الغاز والنقل عبر مناطق واسعة ومفتوحة.
الهجمات تأتي مع محاولات تطوير القطاع
وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه الحكومة السورية على إعادة تنشيط قطاع الطاقة وتوسيع قدرته الإنتاجية، ضمن جهود التعافي الاقتصادي وإعادة تشغيل القطاعات الحيوية.
وفي هذا السياق، وقّعت الشركة السورية للبترول عقداً مع شركتي كونوكو فيليبس ونوفاتيرا الأمريكيتين لتطوير حقول الغاز والعمل على زيادة الإنتاج.
ويضع ذلك حوادث استهداف خطوط الغاز والكهرباء أمام أهمية إضافية، نظراً إلى تزامنها مع خطوات تستهدف رفع إنتاج الطاقة وتطوير بنيتها التحتية، بينما لا تزال الجهات المسؤولة عن بعض الحوادث موضع تحقيق وتقدير بين احتمالات التخريب والخلل التقني وتعدد الجهات التي يمكن أن تكون لديها دوافع لاستهداف القطاع.
وبينما تتفق القراءات الأمنية والسياسية على أن حماية خطوط الطاقة تمثل تحدياً واسعاً بسبب امتدادها الجغرافي، يبقى تحديد المسؤولية عن التفجيرات الأخيرة مرتبطاً بنتائج التحقيقات، في وقت تتداخل فيه عوامل أمنية واقتصادية وإقليمية تجعل قطاع الطاقة أحد الملفات الحساسة في مسار استقرار سوريا وتعافيها.