سوريا تعيد رسم قواعد الإعلام.. هل يتسع هامش الصحافة؟

سامر مارديني - دمشق - وكالة أنباء آسيا

2026.10.01 - 15:33
Facebook Share
طباعة

تشريع أمام اختبار التطبيق
تدخل منظومة الإعلام في سوريا مرحلة جديدة مع انتهاء وزارة الإعلام السورية من إعداد مسودة قانون جديد تتضمن إلغاء العقوبات السالبة للحرية في المخالفات الإعلامية، وحماية سرية المصادر، وتوسيع حق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات.
وتأتي المسودة بعد سلسلة جلسات تشاورية شارك فيها صحفيون وممثلون عن مؤسسات إعلامية، لتفتح الباب أمام إعادة تنظيم العلاقة بين الصحافة والمؤسسات العامة، ولا سيما في ملفات الاستقلال المهني، والوصول إلى المعلومات، والعمل الميداني، وحدود تدخل الجهات الإدارية والأمنية.
لكن القيمة العملية لأي تغيير تشريعي ستبقى مرتبطة بمدى وضوح النصوص وآليات تطبيقها، وقدرة المؤسسات على تحويل الضمانات القانونية إلى ممارسات يومية تحمي العمل الصحفي.

اقرأ أيضاً: القنيطرة تحت التوغل.. قوات إسرائيلية تداهم منزلاً في جباتا الخشب


ضمانات جديدة
تتضمن المسودة مجموعة من المبادئ التي يمكن أن تشكل تحولاً في البيئة القانونية الناظمة للعمل الإعلامي، أبرزها إلغاء الحبس في المخالفات الإعلامية، وحماية المصادر، وتثبيت حق الوصول إلى المعلومات.
غير أن بعض هذه الحقوق لم تكن غائبة بالكامل عن التشريعات السورية السابقة، إذ تضمن قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 نصوصاً تتعلق باستقلال الإعلام وحق الصحفي في الحصول على المعلومات وحضور الاجتماعات العامة وتسهيل مهمته.
وعليه، فإن التحدي لا يتعلق فقط بإضافة حقوق جديدة إلى النص القانوني، بل بمدى قدرة التشريع الجديد على إحداث تغيير فعلي في طريقة تعامل المؤسسات العامة مع الصحفيين.

اقرأ أيضاً: روسيا أمام مطالب جبر الضرر بعد 11 عاماً بسوريا


حق الوصول إلى المعلومات
يُعد الوصول إلى المعلومات أحد أبرز الاختبارات التي تواجه القانون الجديد، إذ لا تكتمل فاعلية هذا الحق بمجرد النص عليه، بل تحتاج ممارسته إلى إجراءات واضحة تحدد الجهات المسؤولة عن تقديم المعلومات، وآجال الرد على الطلبات، والحالات التي يمكن فيها حجبها.
كما تبرز أهمية تحديد نطاق السرية بصورة دقيقة، حتى لا تتحول الاستثناءات إلى قاعدة تحد من قدرة الصحفي على الحصول على الوثائق والبيانات اللازمة للتحقيقات والتغطيات.


حماية المصادر
تشكل حماية المصادر محوراً آخر في المسودة، خصوصاً في القضايا التي تعتمد على معلومات يقدمها أشخاص قد يتعرضون للضغط أو الملاحقة بسبب تعاونهم مع الصحافة.
وتحتاج هذه الحماية، إلى جانب النص الإعلامي، إلى انسجام مع التشريعات المتعلقة بالإجراءات القضائية والتوقيف والاستدعاء، بما يضمن وضوح الحدود التي يمكن فيها مطالبة الصحفي بالكشف عن مصادره.
كما يرتبط ذلك بما يعرف بـ"الأثر المثبط"، عندما يدفع الغموض القانوني أو الخوف من الملاحقة الصحفي إلى تجنب موضوعات أو مصادر أو أساليب معينة في التغطية قبل البدء بها.


أخطاء بلا تجريم
يركز المشروع كذلك على إعادة النظر في طريقة التعامل مع الأخطاء والمخالفات الصحفية، مع إعطاء أهمية أكبر لحق الرد والتصحيح والمسؤولية المدنية بدلاً من التوسع في التجريم.
ويشير باحثون في الإعلام إلى أن وضوح تعريف المخالفات وتحديد المسؤوليات يساعدان الصحفي والمؤسسة على معرفة الحدود القانونية لعملهما، ويقللان من مساحة التأويل في تطبيق القانون.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع توسع الصحافة الرقمية وتعدد المنصات وظهور أنماط جديدة من إنتاج المحتوى وتداوله، ما يجعل التشريع أمام واقع مهني يتجاوز المؤسسات الصحفية التقليدية.


تنظيم القطاع
لا يقتصر النقاش على حقوق الصحفي، بل يمتد إلى الجهة التي ستتولى تنظيم القطاع الإعلامي، وطبيعة الصلاحيات التي ستمنح لها.
ويطرح هذا الجانب أسئلة حول الترخيص، ومراقبة المحتوى، والعقوبات، وآليات الاعتراض، ومدى الفصل بين الدور التنظيمي والسلطة التنفيذية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة إذا تركزت صلاحيات الترخيص والرقابة واتخاذ إجراءات بحق المؤسسات الإعلامية لدى جهة واحدة، إذ يصبح توزيع الاختصاصات ووجود آليات مستقلة للطعن والمراجعة جزءاً أساسياً من فعالية القانون.


العقوبات تحت المجهر
تبرز العقوبات المالية بدورها ضمن الملفات التي تحتاج إلى ضوابط واضحة، خصوصاً بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والصحفيين المستقلين.
ويطرح متخصصون في سياسات الإعلام أهمية تحديد المخالفات بدقة، واعتماد تدرج واضح للعقوبات، وربط القرارات بمعايير قابلة للمراجعة، إلى جانب ضمان حق المؤسسات والصحفيين في الاعتراض واللجوء إلى القضاء.
فالجزاءات، وفق هذا التصور، لا تنفصل عن البيئة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، إذ يمكن لعقوبات مرتفعة أو غير محددة المعايير أن تؤثر في قدرة بعض الجهات على الاستمرار في العمل.


التطبيق هو الاختبار
تواجه المسودة اختباراً عملياً يتجاوز صياغة النصوص، إذ ستتحدد فاعليتها من خلال قدرة الصحفي على الوصول إلى وثيقة رسمية، وتغطية حدث عام، وإجراء تحقيق، ومساءلة مؤسسة عامة، والعمل الميداني من دون عوائق غير منصوص عليها قانوناً.
كما أن نجاح القانون يرتبط بمدى التزام الجهات الإدارية والأمنية والقضائية بالضمانات التي يقرها، وبوجود إجراءات واضحة تسمح للصحفي والمؤسسة الإعلامية بالاعتراض عندما تُنتهك حقوقهما. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 8