دخل التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا عامه الحادي عشر، وسط استمرار الجدل حول المسؤوليات القانونية والإنسانية المترتبة على العمليات التي نفذتها القوات الروسية خلال سنوات الحرب، بالتزامن مع تغير المشهد السياسي في البلاد وسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024.
اقرأ أيضاً: سوريا تخرج من سياسة الرفض الشامل للأسلحة الأميركية
وفي بيان أصدرته بمناسبة الذكرى الحادية عشرة، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن تغير السلطة في سوريا لا ينهي، من وجهة نظرها، مسؤولية روسيا عن الأفعال التي تنسب إلى قواتها وترى الشبكة أنها أفعال غير مشروعة دولياً، ولا يسقط ما تعتبره التزامات مترتبة عليها تجاه الضحايا وجبر الأضرار.
اقرأ أيضا: حوض اليرموك والرفيد يتصدران توغلات إسرائيل خلال أيلول
وبحسب الشبكة، فإن التدخل الذي بدأ في 30 أيلول 2015 ترك آثاراً مستمرة على عائلات فقدت أفراداً منها، ومناطق تعرضت منازلها ومرافقها وموارد عيشها للضرر، مشيرة في بيانها إلى أنها وثقت مقتل ما لا يقل عن 6993 مدنياً على يد القوات الروسية، بينهم 2061 طفلاً و984 سيدة. وهذه الأرقام تمثل توثيق الشبكة وليست حصيلة صادرة عن جهة دولية مستقلة.
من التدخل العسكري إلى ملف المسؤولية
بدأت روسيا تدخلها العسكري المباشر في سوريا في أيلول 2015 دعماً لنظام الأسد، بعد سنوات من تقديم الدعم السياسي له في مجلس الأمن.
وتشير الشبكة إلى استخدام موسكو حق النقض 18 مرة في ملفات مرتبطة بسوريا، بينما تؤكد سجلات مجلس الأمن أن روسيا والصين استخدمتا الفيتو في 22 أيار 2014 لمنع إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية بموجب مشروع القرار S/2014/348، الذي حظي بتأييد 13 عضواً في المجلس.
وترى الشبكة أن هذه الخلفية السياسية، إلى جانب العمليات العسكرية الروسية، تجعل مسألة المسؤولية والمساءلة جزءاً من أي نقاش مستقبلي حول العلاقات بين دمشق وموسكو، ولا سيما في ظل استمرار وجود قنوات سياسية وأمنية بين البلدين.
ماذا يعني جبر الضرر؟
استند البيان إلى قواعد مسؤولية الدول وإلى المبادئ التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار 60/147 بشأن حق ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي في الانتصاف والجبر.
وتتضمن أشكال الجبر، وفق المبادئ الأممية، رد الحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار، مع ارتباط نطاق الجبر بطبيعة الضرر وظروف كل حالة.
وبناءً على ذلك، تقول الشبكة إن أي ترتيبات مستقبلية بين سوريا وروسيا، بما فيها العلاقات السياسية والاقتصادية أو مشاركة موسكو في التعافي وإعادة الإعمار، ينبغي ألا تأتي على حساب حقوق الضحايا.
وتطالب الشبكة بأن يرتبط أي دور روسي مستقبلي في إعادة الإعمار بثلاثة مسارات، هي الاعتراف بالمسؤولية عن الأفعال التي تثبت مخالفتها للقانون الدولي، والتعاون مع آليات المساءلة، والمساهمة في جبر الأضرار.
كما تدعو إلى عدم استخدام أي تسوية سياسية أو اقتصادية أو عسكرية بين البلدين بما يؤدي إلى تقييد حق الضحايا في معرفة الحقيقة أو الوصول إلى الانتصاف والجبر.
اتفاقية مناهضة التعذيب تدخل على خط القضية
ولا يقتصر البيان على المسؤولية المرتبطة بأفعال القوات الروسية، إذ يثير أيضاً التزامات روسيا بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي انضمت إليها روسيا وسوريا.
وتشير الشبكة إلى المواد 5 و6 و7 من الاتفاقية، المتعلقة بالاختصاص القضائي والتحقيق الأولي والإحالة إلى السلطات المختصة في حال وجود شخص يُشتبه بارتكابه أفعالاً تدخل ضمن نطاق الاتفاقية على أراضي الدولة، ما لم يتم تسليمه وفق الأطر القانونية ذات الصلة.
وفي هذا السياق، يلفت البيان إلى وجود بشار الأسد في روسيا، وإلى ما تصفه الشبكة بمعلومات وادعاءات موثقة وعلنية بشأن أفعال تعذيب، إضافة إلى توثيقها هي ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا حالات تعذيب واسعة في مراكز احتجاز تابعة للنظام السابق.
وتقول الشبكة إنها لم تتمكن، استناداً إلى المصادر العلنية التي راجعتها، من التحقق من إعلان السلطات الروسية إجراء تحقيق أولي بهذه الوقائع أو إحالة قضية الأسد إلى سلطاتها المختصة بقصد الملاحقة.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال في مقابلة مع وسائل إعلام تركية في 29 كانون الثاني 2026 إن مسألة محاكمة الأسد لم تُطرح منذ فترة طويلة، وإن روسيا سمحت له ولعائلته باللجوء إليها لأسباب وصفها بأنها «إنسانية بحتة»، مضيفاً أن الأسد لم يعد يؤدي أي دور في الحياة السياسية السورية.
ماذا تطلب الشبكة من موسكو؟
تضع الشبكة في مقدمة مطالبها الاعتراف بالمسؤولية عن الأفعال التي تثبت مخالفتها للقانون الدولي، وحفظ سجلات الطلعات الجوية وعمليات الاستهداف التي أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين، وإتاحتها للجهات القضائية والتحقيقية المختصة.
كما تطالب موسكو بالتعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، والجهات السورية المختصة بالمساءلة والعدالة الانتقالية.
وتدعو كذلك إلى إنشاء آليات لجبر الأضرار البشرية والمادية والمعنوية، مع إشراك ممثلي الضحايا في تصميمها، والمساهمة في إعادة تأهيل المرافق والخدمات الأساسية التي يثبت تضررها نتيجة أفعال منسوبة إلى القوات الروسية وثبتت مخالفتها للقانون الدولي.
وفي الملف المتعلق باتفاقية مناهضة التعذيب، تطالب الشبكة روسيا بإعمال الالتزامات المنصوص عليها في المواد ذات الصلة، بما في ذلك إجراء التحقيقات الأولية، وإحالة القضايا إلى السلطات المختصة إذا لم يتم تسليم الأشخاص المعنيين، والتعاون القضائي وفق الالتزامات الدولية.
وماذا عن الحكومة السورية؟
وجهت الشبكة مطالب موازية إلى الحكومة السورية، في مقدمتها ضمان ألا تؤدي أي تسوية مع موسكو إلى الانتقاص من حقوق الضحايا، وإشراك ممثليهم في تصميم أي آليات جبر مرتبطة بالانتهاكات المنسوبة إلى القوات الروسية.
كما دعت إلى توسيع نطاق عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ضمن الإطار التشريعي المنظم لها، بحيث تشمل الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الأجنبية التي دعمت النظام السابق، وبينها القوات الروسية.
وتطالب الشبكة دمشق أيضاً بمطالبة موسكو رسمياً بالوفاء بالتزاماتها القانونية تجاه الضحايا السوريين، ودعم جهود حفظ الأدلة والتوثيق والتعاون مع الآليات الدولية ولجنة التحقيق المستقلة.
أما على المستوى الدولي، فتدعو الشبكة إلى مواصلة جمع الأدلة المتعلقة بالانتهاكات المنسوبة إلى مختلف الأطراف، بما فيها القوات الروسية، ودعم برامج جبر الضرر التي تشمل ضحايا جميع الأطراف وتربط العدالة الانتقالية بكشف الحقيقة وضمانات عدم التكرار.
الوجود الروسي يدخل مرحلة مختلفة
وبالتوازي مع الجدل القانوني، تغير شكل الوجود الروسي في سوريا بصورة كبيرة منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024.
فبعد سنوات من الانتشار العسكري الواسع، بدأت موسكو ودمشق مفاوضات حول مستقبل قواعدها ومواقعها، قبل أن تتوصل الحكومتان في آب 2026 إلى مذكرة تفاهم لإعادة تنظيم الوجود الروسي على الساحل السوري.
وبموجب المذكرة، تتولى سوريا إدارة المنشآت ذات الاستخدام المدني، ومنها مطار حميميم والرّصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بينما يجري تحويل المنشآت العسكرية الروسية في حميميم وطرطوس إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، على أن تستكمل عملية الانتقال خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية السورية.
وتعكس هذه الترتيبات انتقال العلاقة بين البلدين من صيغة الوجود العسكري الروسي المباشر الذي ارتبط بمرحلة الحرب، إلى صيغة جديدة يجري التفاوض على تفاصيلها بين دمشق وموسكو.
وفي الوقت نفسه، حافظت الحكومة السورية على قنوات اتصال مع روسيا، رغم الدور الذي لعبته موسكو في دعم نظام الأسد خلال سنوات الحرب، فيما استمرت الاتصالات السياسية بين الجانبين.
وهكذا، يتقاطع مساران في الذكرى الحادية عشرة للتدخل الروسي: مسار سياسي يسعى إلى إعادة تنظيم العلاقات والوجود الروسي في سوريا، ومسار قانوني وحقوقي يطالب بأن تبقى ملفات الضحايا والانتهاكات وجبر الضرر حاضرة في أي صيغة للعلاقة المستقبلية بين دمشق وموسكو.