انفتاح يختبر المصانع
لم يكن فتح السوق السورية أمام مزيد من الواردات مجرد تحول في السياسة التجارية، بل وضع الصناعة المحلية أمام اختبار جديد بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات وتراجع الاستثمار وضعف التمويل.
ومع تدفق منتجات أجنبية أقل كلفة، باتت المصانع السورية مطالبة بالمنافسة في سوق أكثر انفتاحاً، في وقت لا تزال فيه قطاعات واسعة من الصناعة تعاني ارتفاع تكاليف الطاقة، وصعوبة الحصول على التمويل، وتقادم خطوط الإنتاج، وارتفاع كلفة بعض مدخلات التصنيع.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تشير فيه المؤسسات المالية الدولية إلى أن الاقتصاد السوري بدأ مسار تعافٍ تدريجياً، مع توقعات بنمو قوي خلال 2026، لكن ذلك التعافي لا يتوزع بالتساوي بين القطاعات والمناطق، ولا يعني تلقائياً عودة الصناعة إلى مستويات إنتاجها السابقة.
اقرأ أيضاً: دفعة جديدة من السوريين تبدأ رحلة العودة من لبنان
مصنع يتوقف
تقدم تجربة أحد مصانع الغزل في ريف دمشق مثالاً على حجم التحدي الذي تواجهه منشآت صناعية سورية.
فمع تدفق الغزول المصرية منخفضة السعر إلى السوق، اضطر المصنع إلى البيع بخسارة قبل أن يتوقف عن الإنتاج خلال أقل من عام على فتح السوق، ما أدى إلى تسريح نحو 110 عمال، وفق ما ورد في تقارير اقتصادية حديثة.
وتعكس هذه الحالة مشكلة تتجاوز مصنعاً واحداً، إذ يجد المنتج السوري نفسه أمام منافسين يستفيدون من تكاليف إنتاج أقل، وطاقة أكثر استقراراً، وتمويل أوسع، وآلات أحدث، وسلاسل توريد أكثر كفاءة.
وبذلك، فإن انخفاض أسعار السلع المستوردة قد يوفر خيارات أرخص للمستهلك، لكنه في المقابل يزيد الضغط على منشآت محلية لم تستعد بعد قدرتها الكاملة على المنافسة.
اقرأ أيضاً: تحركات إسرائيلية جديدة في حوض اليرموك بدرعا
كلفة الإنتاج
يرى مسؤولون اقتصاديون سوريون أن الانفتاح يفرض على الصناعيين تطوير أساليب الإنتاج ورفع الكفاءة، بعد عقود عمل في سوق اتسمت بدرجات مرتفعة من الحماية والقيود على المنافسة الخارجية.
لكن قدرة المصانع على التكيف لا ترتبط بالإرادة وحدها، إذ تشكل كلفة الكهرباء والطاقة أحد أبرز العوامل التي تحدد القدرة التنافسية للمنتج المحلي.
كما أن سنوات الحرب أضعفت البنية الصناعية وأخرت تحديث الآلات وخطوط الإنتاج، الأمر الذي انعكس على الإنتاجية والكلفة والجودة، وجعل بعض المصانع أقل قدرة على مواجهة السلع المستوردة.
وتشير المعطيات الدولية إلى أن تحسن إمدادات الكهرباء يمثل أحد العوامل الداعمة للتعافي الاقتصادي السوري، فيما لا تزال تكاليف الخدمات والطاقة وضغوط الأسعار تشكل تحدياً أمام النشاط الاقتصادي.
اقرأ أيضاً: سوريا تنفي أنباء ترحيل 700 ألف لاجئ من ألمانيا
التمويل.. عقدة الصناعة
لا تقل أزمة التمويل أهمية عن مشكلة الطاقة.
فالقطاع المصرفي السوري لا يزال في مرحلة إعادة التأهيل، فيما تحتاج المصانع إلى قروض واستثمارات طويلة الأجل لشراء الآلات وتحديث خطوط الإنتاج ورفع الطاقة التشغيلية.
وأقر البنك الدولي في آب/أغسطس 2026 منحة بقيمة 100 مليون دولار لدعم تحديث القطاع المالي السوري، مشيراً إلى أن ضعف الوساطة المالية واعتماد الاقتصاد بدرجة كبيرة على النقد وصعوبة الوصول إلى الخدمات المالية يحد من قدرة الشركات على تمويل نشاطها والاستثمار والتجارة.
وهذا يعني أن المصنع الذي يدخل سوقاً مفتوحة لا يواجه المنتج المستورد بالسعر النهائي فقط، بل ينافسه أيضاً في كلفة التمويل والتكنولوجيا والطاقة وسرعة الوصول إلى المدخلات.
الجمارك تحت المجهر
تزداد حساسية المنافسة عندما تختلف الرسوم الجمركية بين المواد الأولية والسلع النهائية.
فالصناعي الذي يستورد المواد الخام ثم يتحمل تكاليف الكهرباء والأجور والتمويل والنقل، قد يجد نفسه أمام منتج نهائي مستورد قادر على الوصول إلى السوق بسعر أقل.
ولهذا برزت مطالب بإعادة النظر في بعض الرسوم الجمركية وقواعد الاستيراد، بالتوازي مع تشديد معايير الجودة لبعض المنتجات المستوردة، بهدف تحقيق قدر أكبر من التوازن بين حماية المستهلك وإتاحة المنافسة وحماية القدرة الإنتاجية المحلية.
وتظهر بيانات التجارة الدولية أن سوريا ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، ما يجعل إدارة العلاقة بين الاستيراد والإنتاج المحلي إحدى القضايا الأساسية في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد.
النمو لا يكفي
رغم التحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي، فإن نمو الناتج لا يعني بالضرورة تعافي القطاع الصناعي بالسرعة نفسها.
ويتوقع صندوق النقد الدولي نمواً بمعدلات من خانتين للاقتصاد السوري خلال 2026، مدفوعاً بتحسن الزراعة وإنتاج النفط والغاز والكهرباء والتجارة والخدمات، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى استمرار انتشار الفقر وعدم تساوي التعافي بين المناطق.
أما البنك الدولي، فيشير إلى أن الاقتصاد السوري يظهر علامات تعافٍ، مدفوعاً بتحسن الكهرباء والاستثمار وعودة اللاجئين وتخفيف القيود الاقتصادية، مع استمرار تحديات كبيرة مرتبطة بإعادة الإعمار وضعف بعض القطاعات الإنتاجية.
وهنا تبرز الفجوة بين نمو الاقتصاد على الورق وبين قدرة المصنع على الاستمرار فعلياً في السوق.
دولة من منتج إلى منظم
في إطار توجه أوسع لإعادة تحديد دور الدولة في الاقتصاد، تتجه السلطات السورية إلى زيادة مشاركة القطاع الخاص في إعادة تأهيل وتشغيل منشآت صناعية مملوكة للدولة، مع طرح نموذج يقوم على انتقال الدولة تدريجياً من دور المنتج المباشر إلى دور المنظم والمشرف.
ويأتي هذا التوجه ضمن سياسة اقتصادية تسعى إلى جذب الاستثمار وتوسيع دور القطاع الخاص وتعزيز الإنتاج، لكن نجاحه يرتبط بتهيئة البيئة التي تسمح للمستثمرين والصناعيين بالعمل في ظروف أكثر استقراراً.
فاستقطاب رأس المال وحده لا يكفي إذا بقيت كلفة الإنتاج مرتفعة، والوصول إلى التمويل محدوداً، والآلات متقادمة، ومدخلات التصنيع مكلفة.