العراق بعد الانسحاب الأميركي.. معركة جديدة لتثبيت سلطة الدولة

2026.09.30 - 20:11
Facebook Share
طباعة

نهاية مهمة وبداية اختبار
أكملت الولايات المتحدة ،الأربعاء 30، سحب قواتها من العراق، منهية المهمة العسكرية التي استمرت 12 عاماً في إطار الحرب على تنظيم "داعش"، في خطوة تنقل المسؤولية الأمنية بصورة أكبر إلى المؤسسات العراقية، وتفتح مرحلة جديدة تتصدرها قضية حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل المسلحة والمؤسسات الرسمية.
ولا يعني انتهاء الوجود العسكري الأميركي نهاية التعاون الأمني بين بغداد وواشنطن، إذ ينتقل الطرفان إلى إطار ثنائي يشمل مجالات أمنية، بينها التدريب وتبادل المعلومات، بدلاً من مهمة التحالف العسكرية التي انتهت بانسحاب القوات المتبقية من العراق.

اقرأ أيضاً: العقوبات في مواجهة السجناء.. موسكو تنفي أي صفقة مع واشنطن


الانسحاب يكتمل
غادرت آخر القوات والمعدات الأميركية القاعدة الجوية في أربيل، لتطوي واشنطن بذلك آخر فصول مهمتها العسكرية المباشرة في العراق ضمن عملية بدأت عام 2014 لمواجهة تنظيم "داعش"، بعد سنوات من سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من البلاد.
وجاء الانسحاب في إطار اتفاق أُبرم بين بغداد وواشنطن عام 2024، وحدد نهاية أيلول/سبتمبر 2026 موعداً لاختتام مهمة التحالف العسكرية في العراق، بالتزامن مع انتقال أكبر للملف الأمني إلى القوات العراقية.
ويأتي ذلك فيما لا تزال خلايا تابعة لتنظيم "داعش" تنشط بصورة محدودة، خصوصاً في مناطق متنازع عليها بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، ما يبقي مكافحة التنظيم أحد الملفات الأمنية الأساسية أمام بغداد.
اقرأ أيضاً: العراق يعلن رسمياً انتهاء مهمة التحالف الدولي


ملف السلاح
مع اكتمال الانسحاب، ينتقل ملف سلاح الفصائل المسلحة إلى واجهة المشهد الأمني العراقي.
وكانت الحكومة قد ربطت في وقت سابق بين نهاية المهمة الأميركية وبين خطة لإخضاع الأسلحة لسلطة الدولة، قبل أن يجري تمديد الجدول الزمني للعملية إلى 30 حزيران/يونيو 2027.
وتتضمن الخطة المطروحة مرحلة أولى تمتد 90 يوماً تتوقف خلالها الفصائل عن تنفيذ الهجمات، مقابل امتناع القوات الأميركية عن استهدافها، على أن تبدأ بعدها عملية تسليم الأسلحة وتنتهي في منتصف عام 2027.
لكن تنفيذ الخطة يواجه تعقيدات سياسية وأمنية، في ظل اختلاف مواقف الفصائل بشأن تسليم أسلحتها، إذ أعلنت بعض الجماعات استعدادها لوضع سلاحها تحت سلطة الدولة، بينما تتمسك فصائل أخرى بمواقف أكثر تشدداً وتربط نزع السلاح بشروط تتعلق بالوجود الأجنبي والتطورات الإقليمية.


سلطة الدولة
يضع هذا الواقع الحكومة العراقية أمام مهمة تتجاوز عملية جمع الأسلحة، لتشمل إعادة تنظيم العلاقة بين القوى المسلحة ومؤسسات الدولة، وضمان أن تكون قرارات الحرب والسلم واستخدام القوة ضمن الأطر الدستورية والرسمية.
وأكد رئيس الوزراء علي الزيدي أن حكومته تسعى إلى أن تكون الدولة صاحبة القرار النهائي في قضايا الأمن والحرب والسلم، وأن تبقى الأسلحة وأدوات القوة تحت سلطة المؤسسات الدستورية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع استمرار وجود فصائل مسلحة تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري، وبعضها يرتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، ما يجعل عملية دمج النشاط المسلح ضمن مؤسسات الدولة ملفاً شديد الحساسية داخلياً وإقليمياً.


ما بعد الوجود الأميركي
يمثل الانسحاب تحولاً في طبيعة العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن، لكنه لا يلغي التعاون بين البلدين. فبدلاً من وجود قوات ضمن مهمة عسكرية للتحالف، تتجه العلاقات نحو ترتيبات أمنية ثنائية، إلى جانب تعاون اقتصادي وتنموي أوسع.
وفي الوقت نفسه، يثير خروج القوات الأميركية تساؤلات بشأن قدرة القوات العراقية على التعامل منفردة مع التحديات الأمنية، خصوصاً خطر عودة نشاط تنظيم "داعش"، إلى جانب الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ والتهديدات التي قد تطال البنية التحتية والمناطق الحيوية.
وتبرز هذه المخاوف بصورة أكبر في إقليم كردستان، حيث أعربت جهات محلية عن قلقها من أن يؤدي الانسحاب إلى فجوات أمنية، مطالبة باستمرار التعاون الدولي في مجالات مكافحة الإرهاب والدفاع الجوي وتبادل المعلومات.


مرحلة عراقية خالصة
يعود الوجود العسكري الأميركي في العراق إلى عام 2003، قبل أن تنسحب القوات الأميركية عام 2011، ثم تعود في 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة "داعش".
ومع اكتمال الانسحاب الحالي، تدخل بغداد مرحلة تتحمل فيها مسؤولية أكبر عن إدارة المشهد الأمني، فيما يصبح نجاحها مرتبطاً بقدرتها على مواجهة التهديدات المسلحة من جهة، وتنظيم وضع الفصائل ونقل احتكار القوة إلى مؤسسات الدولة من جهة أخرى.
ولا تبدو عملية نزع السلاح مسألة تقنية تتعلق بتسليم الأسلحة فحسب، بل مساراً سياسياً وأمنياً يمتد حتى منتصف عام 2027، وسيختبر قدرة الحكومة على التوفيق بين القوى السياسية والفصائل المسلحة، مع الحفاظ على استقرار البلاد ومنع تحول الملف إلى مصدر جديد للتوتر الداخلي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 3