غزة تقلب المشهد.. نتنياهو يواجه عزلة دولية متصاعدة

2026.09.30 - 14:53
Facebook Share
طباعة

أثار مشهد مغادرة عشرات الوفود قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة أثناء كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الدورة الـ81، في 24 أيلول/سبتمبر 2026، اهتمامًا واسعًا، بعدما بدت مقاعد عديدة خالية خلال الخطاب. وجاء المشهد في وقت تواجه فيه إسرائيل انتقادات وضغوطًا دبلوماسية متزايدة على خلفية الحرب في قطاع غزة وسياساتها في الأراضي الفلسطينية.

أقرا أيضاً:9 منظمات تونسية تدعو لمسيرة احتجاجية في أكتوبر

 


لم يكن خروج الوفود حدثًا منفصلًا عن سياق أوسع، إذ تزامن مع تحولات في مواقف عدد من الحكومات، وتغيرات في اتجاهات الرأي العام، وتزايد المسارات القانونية الدولية المتعلقة بالحرب في غزة.

من صورة الدولة الحديثة إلى أزمة السمعة

على مدى عقود، سعت إسرائيل إلى ترسيخ صورة دولة ديمقراطية حديثة، ترتبط بالتقدم العلمي والتكنولوجي وريادة الأعمال، إلى جانب تقديم نفسها بوصفها جزءًا من العالم الغربي في منطقة مضطربة.

اعتمدت هذه الصورة على أدوات متعددة، بينها النشاط الدبلوماسي والإعلامي، والحضور في الأسواق العالمية، والترويج لقطاع التكنولوجيا والسياحة، إضافة إلى حملات موجهة بلغات مختلفة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل.


أقرا أيضاً:هيغسيث يعلن خفض قيادات الجيش الأمريكي 20%

 


ساهمت اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية خلال السنوات الماضية في تعزيز هذا المسار، إذ فتحت مجالات للتعاون الاقتصادي والسياحي والأمني، وقدمتها إسرائيل باعتبارها مؤشرًا على توسع علاقاتها الإقليمية.

لكن الحرب في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 فرضت واقعًا مختلفًا، بعدما أصبحت صور الدمار وسقوط المدنيين والقيود المفروضة على دخول المساعدات جزءًا أساسيًا من النقاش الدولي حول إسرائيل.

 

غزة نقطة تحول

 

تحولت الحرب في غزة تدريجيًا من أزمة سياسية إلى قضية قانونية دولية. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتبقى هذه اتهامات قضائية وليست أحكامًا نهائية بالإدانة.

 

على مسار منفصل، تنظر محكمة العدل الدولية في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. وأصدرت المحكمة منذ كانون الثاني/يناير 2024 تدابير مؤقتة في القضية، بينما لم يصدر حكم نهائي بشأن جوهر اتهام الإبادة.

في أيلول/سبتمبر 2025، خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية في غزة، وهو استنتاج رفضته إسرائيل بشدة.

 

بذلك أصبحت سياسات إسرائيل في غزة موضع نقاش أمام مؤسسات قضائية دولية، إلى جانب الانتقادات السياسية والحقوقية التي تصاعدت منذ بداية الحرب.

 

تغير في مواقف الحلفاء

ظهر التغير كذلك في لهجة عدد من الحكومات الغربية التي حافظت تاريخيًا على علاقات وثيقة مع إسرائيل.

 

انتقد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز العمليات الإسرائيلية في غزة وسياسة الاحتلال في الضفة الغربية، فيما وصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الوضع الإنساني في القطاع بأنه غير مقبول. كما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إنهاء القيود على المساعدات الإنسانية، وانتقدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين حجم المعاناة في غزة.

لا تعني هذه المواقف بالضرورة انتقال الدول الغربية إلى سياسة موحدة تجاه إسرائيل، لكنها تعكس اتساع مساحة الخلاف بشأن إدارة الحرب والسياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.

 

الرأي العام الأمريكي

 

لم يقتصر التغيير على الحكومات، إذ أظهرت استطلاعات أمريكية خلال السنوات الأخيرة تراجعًا في بعض مؤشرات التعاطف مع إسرائيل، خصوصًا بين الشباب.

وأظهر استطلاع لجامعة كوينيبياك في أيلول/سبتمبر 2026 أن 38% من المشاركين قالوا إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 35% مع الإسرائيليين، فيما لم يحدد 27% منهم موقفًا. وقالت الجامعة إن التعاطف مع الفلسطينيين سجل أعلى مستوى منذ بدء طرح السؤال عام 2001.

 

أما استطلاع مركز بيو للأبحاث، الذي شمل 36 دولة في حزيران/يونيو 2026، فأظهر أن متوسط النظرة السلبية إلى إسرائيل بلغ 67%، مقابل 25% حملوا نظرة إيجابية، مع تفاوت واضح بين الدول.

وسجلت ألمانيا 73% من الآراء السلبية، وبريطانيا 69%، وإيطاليا 75%، والولايات المتحدة 60%، بحسب نتائج الاستطلاع.

 

أظهرت النتائج أيضًا فروقًا عمرية في عدد من الدول، إذ كانت الفئات الأصغر سنًا أكثر ميلًا إلى النظرة السلبية تجاه إسرائيل مقارنة بالفئات الأكبر سنًا في بعض المجتمعات التي شملها الاستطلاع.

 

الاعتراف بفلسطين والضغوط الدبلوماسية

 

ترافق التحول في الرأي العام مع اتساع الاعتراف الدولي بدولة فلسطين. وفي أيلول/سبتمبر 2025، أيدت 142 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة «إعلان نيويورك» المرتبط بالحل السياسي للقضية الفلسطينية وحل الدولتين.

كما انضمت دول غربية، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا، إلى الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، في تحول دبلوماسي لافت، وإن ظل موقف الولايات المتحدة مختلفًا.

 

خلال أيلول/سبتمبر 2026، اتخذت بريطانيا وفرنسا وكندا إجراءات تتعلق بمنتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بالتزامن مع عقوبات استهدفت مستوطنين إسرائيليين، ما أضاف بعدًا اقتصاديًا إلى الضغوط السياسية.

 

انتقادات من داخل إسرائيل

 

امتد الجدل إلى الساحة الإسرائيلية نفسها، حيث حذرت وسائل إعلام وشخصيات سياسية من تداعيات تدهور العلاقات الخارجية.

صحيفة «هآرتس» انتقدت أداء حكومة نتنياهو، معتبرة أن سياساتها ألحقت ضررًا بمكانة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، بينما حذر الكاتب ناحوم برنياع في «يديعوت أحرونوت» من احتمال اتساع المقاطعة والقيود الاقتصادية الأوروبية.

لا تمثل هذه الآراء موقفًا موحدًا داخل إسرائيل، لكنها تكشف عن وجود نقاش داخلي بشأن كلفة استمرار الحرب وتأثيرها على العلاقات الدولية.

 

العزلة.. إلى أي مدى؟

 

رغم اتساع الانتقادات، لا تزال إسرائيل تتمتع بعلاقات استراتيجية قوية مع الولايات المتحدة، كما أن علاقاتها التجارية والدبلوماسية مع عدد كبير من الدول لم تنقطع.

كذلك لم تتحول الإجراءات العقابية والمقاطعات إلى حصار اقتصادي شامل، فيما تستمر الشراكات الأمنية والتجارية مع دول عدة.

 

لذلك فإن توصيف الوضع بأنه «عزلة كاملة» لا يعكس جميع جوانب المشهد، بينما تشير التطورات السياسية والقانونية واستطلاعات الرأي إلى اتساع الضغوط الدولية على إسرائيل مقارنة بما كان عليه الوضع قبل حرب غزة.

تبدو نقطة التحول الأساسية مرتبطة بصورة إسرائيل الخارجية؛ فالدولة التي ركزت لعقود على التكنولوجيا والديمقراطية والاندماج مع الغرب أصبحت تواجه نقاشًا دوليًا يربط صورتها بصورة الحرب والاحتلال والاستيطان والوضع الإنساني في غزة.

 

ضمن هذا السياق، اكتسبت المقاعد الفارغة خلال خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة دلالة سياسية ورمزية، لكنها تبقى جزءًا من مشهد أوسع يتداخل فيه الموقف الحكومي مع الرأي العام والمسار القانوني والعلاقات الدولية.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 1