لم يعش جيل الشباب الحالي حقبة الثمانينيات، ولم يعرف شوارعها أو تفاصيل حياتها اليومية، ولم ينتظر أغنياته المفضلة عبر الراديو. مع ذلك، تستعيد أغنيات تلك المرحلة حضورها بين مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، ويجد فيها كثيرون إحساساً بالحنين رغم أنهم لم يعيشوا الزمن الذي صدرت فيه.
لا يرتبط هذا الحنين بالذكريات الشخصية بالضرورة، بل قد يكون مرتبطاً بإحساس يبحث عنه الإنسان في الحاضر. وترى المتخصصة في الصورة الذاتية والوعي راوية عيتاني أن التعلق بهذه الأغنيات لا يعني الرغبة في العودة إلى الماضي، بقدر ما يعكس بحثاً عن مشاعر يفتقدها الفرد في حياته الحالية.
أعادت منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما TikTok، تقديم موسيقى الثمانينيات إلى جمهور جديد، لكنها فصلتها في الوقت نفسه عن سياقها الأصلي. لم تعد الأغنية مرتبطة بالمرحلة التي ظهرت فيها، بل أصبحت جزءاً من قصص وتجارب يعيشها جيل مختلف تماماً.
في عالم سريع ومزدحم بالمحتوى والتنبيهات والمقارنات، تبدو بعض الأصوات القديمة أكثر هدوءاً ودفئاً من الناحية العاطفية. ويجد المستمع فيها مساحة مختلفة عن الإيقاع المتسارع الذي تفرضه المنصات الرقمية، ما يمنحها قدرة على جذب جمهور لم يرتبط بها تاريخياً.
لا يعني ذلك أن موسيقى الثمانينيات أفضل من إنتاج اليوم، أو أن الأغنيات المعاصرة تفتقر إلى الصدق. لكن بعض العناصر الموسيقية وطريقة الإنتاج والأداء في تلك المرحلة تمنح المستمع تجربة صوتية وعاطفية مختلفة، وهو ما يفسر جزءاً من استمرار حضورها.
TikTok يعيد كتابة قصة الأغنية
غيّرت TikTok طريقة عودة الأغنيات القديمة إلى الواجهة. فالمنصة لا تقدم العمل كاملاً كما عرفه مستمعوه الأوائل، بل تختار مقطعاً قصيراً منه وتضعه في سياق جديد، قد يكون رحلة أو قصة حب أو انفصالاً أو نجاحاً أو لحظة حزن أو مشهداً يومياً عابراً.
بهذه الطريقة، تنتقل الأغنية من ذاكرة جيل إلى تجربة جيل آخر. وقد تصبح مقطوعة صدرت قبل 40 عاماً جزءاً من فيديو ينشره شخص في العشرين من عمره، فيرتبط صوتها بحدث معاصر لم يكن موجوداً عندما ظهرت للمرة الأولى.
تلفت عيتاني إلى أن هذا التحول يغيّر مفهوم الأغنية القديمة نفسه؛ فعمر العمل لم يعد العامل الوحيد الذي يحدد هويته، بعدما أصبح قادراً على اكتساب معانٍ جديدة كلما ارتبط بتجربة إنسانية مختلفة.
الأغنية جزء من الصورة الذاتية
لا يختار مستخدمو مواقع التواصل الأغنيات لمجرد جمالها الموسيقي، بل قد تصبح الموسيقى وسيلة للتعبير عن المزاج والعلاقات والتجارب والصورة التي يرغب الشخص في تقديمها عن نفسه.
يتحول اختيار الأغنية، في هذه الحالة، إلى جزء من بناء الصورة الذاتية. فقد يستخدم شاب أغنية من الثمانينيات في مقطع يصوره اليوم، ليس لأنه يرغب في العودة إلى ذلك العقد، وإنما لأن كلماتها أو صوتها أو الحالة التي تحملها تعبّر عن تجربة يعيشها في الوقت الحالي.
تمنح المنصات الرقمية الأغنية القديمة حياة جديدة من خلال فصلها عن زمنها الأصلي وربطها بمشاعر معاصرة. وبذلك لا يعود الماضي مجرد فترة زمنية، بل يتحول إلى مادة يمكن إعادة استخدامها والتعبير من خلالها عن الحاضر.
حنين إلى إحساس لا إلى زمن
يفسر ذلك جانباً من الحنين الذي يشعر به أشخاص لم يعيشوا الثمانينيات. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى ذاكرة مباشرة كي يشعر بالقرب من زمن لم يعرفه، إذ يمكن لصوت أو لحن أو كلمات أن تمنحه إحساساً بالهدوء أو الألفة أو العاطفة.
وسط سرعة الحياة الرقمية وكثافة المحتوى وتعدد الأصوات، توفر بعض الأغنيات القديمة تجربة أكثر بطئاً وتركيزاً، بينما تمنح كلماتها وألحانها مساحة للتأمل بعيداً عن التدفق المستمر للمحتوى.
لهذا لا تعود أغنيات الثمانينيات إلى الواجهة لأنها قديمة فقط، بل لأنها ما زالت قادرة على التعبير عن مشاعر يعيشها جمهور جديد. قد يسمع شاب أغنية صدرت قبل ولادته ويشعر بالحنين إليها، لا لأنه يتذكر الثمانينيات، وإنما لأنها تلامس إحساساً موجوداً في حياته الآن.