تحولت واقعة انقلاب سيارة على أوتوستراد صيدا–بيروت من بلاغ عن سرقة أموال وذهب إلى قضية تتعلق بافتعال حادث والاحتيال، بعدما كشفت بيانات جهاز GPS مخفي تحركات السيارة قبل انقلابها، بما تعارض مع الرواية التي قدمها سائقها أمام الأجهزة الأمنية والقضائية.
أقرا أيضاً:أوروبا تدرس حضوراً أمنياً جديداً في جنوب لبنان
بدأت القضية في 1 حزيران، عندما حضر «يحيى. أ. س.»، فلسطيني من مواليد 1988، إلى مفرزة السعديات، وادعى على مجهولين، قائلاً إنه كان يقود سيارة «كيا فورتي» زرقاء موديل 2019 من صيدا باتجاه برجا، قبل أن تنقلب عند مفرق الوردانية على المسلك الشرقي من الأوتوستراد.
أفاد بأن السيارة كانت تحتوي على حقيبتين، زاعماً فقدان الأولى وبداخلها 6000 دولار و3 أونصات من الذهب، تزن كل واحدة منها 31 غراماً، إضافة إلى ساعة يد. أما الحقيبة الثانية، فقال إنها كانت تضم 90 ألف دولار، قبل أن يعثر عليها فارغة، مرجحاً أن مجهولين استغلوا الحادث وسرقوا محتوياتها.
نُقل السائق إلى مستشفى لبيب الطبي في صيدا، حيث أظهر التقرير الطبي إصابته في الرقبة والظهر والصدر والركبة اليمنى، لكنه رفض البقاء في المستشفى، مبرراً ذلك برغبته في البحث عن الأموال والمقتنيات المفقودة.
أقرا أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في لبنان بتاريخ 29_9_2026
في 3 تموز، دخلت معطيات مالية جديدة على الملف، بعدما حضر وكيل المدعو «أ. ع.» وأفاد بأن موكله سلّم «يحيى. أ. س.» في 27 حزيران نحو 46 ألف دولار لشراء 10 أونصات من الذهب، إلا أنه لم يتسلمها. وبحسب الإفادة، طلب «يحيى» 30 ألف دولار إضافية، وعرض على والد «أ. ع.» عقد بيع ممسوحاً مع حق الاسترداد لقسم من عقار في المية ومية مسجل باسم زوج شقيقته.
اعتبر الوكيل أن حادث السيارة استُخدم للاستيلاء على أموال موكله، واتخذ صفة الادعاء الشخصي بحق «يحيى» بجرم الاحتيال والاستيلاء على الأموال. كما أظهرت مراجعة المحفوظات وجود محاضر سابقة بحقه تتعلق بالسرقة وإساءة الأمانة والاحتيال.
جهاز GPS يكشف مسار السيارة
برز الدليل الأهم في إفادة «م. ز.»، صاحب السيارة، الذي كشف أنه وضع فيها جهاز GPS بصورة مخفية ومن دون علم السائق، ما أتاح تتبع تحركاتها قبل الحادث.
أظهرت بيانات الجهاز أن السيارة اقتربت أولاً من الحائط عند زاوية المفرق، ثم تراجعت أكثر من 15 متراً، قبل أن تتقدم مجدداً وتتجه يميناً نحو الزاوية الإسمنتية وتصطدم بها، بدلاً من الانعطاف يساراً لمتابعة الطريق.
قال صاحب السيارة إن هذه الحركة دفعته إلى اعتبار الواقعة مفتعلة، مؤكداً أمام المحققين أن الحادث «مفتعل مئة في المئة»، من دون أن يعرف الغاية منه.
رواية السائق أمام التحقيق
تمسك «يحيى. أ. س.» بأقواله، وقال إنه كان متوجهاً من صيدا إلى جدرا، وأخطأ في المفرق، ثم حاول تصحيح مساره قبل أن يصطدم بالقاطع الإسمنتي وتنقلب السيارة.
نفى التراجع بالسيارة أو تعمد افتعال الحادث، مؤكداً أنه لم يكن يعلم بوجود جهاز GPS. وأمام قاضية التحقيق في جبل لبنان رولا عبد الله، قال إنه كان متوجهاً إلى منزل شقيقته للنوم، وإنه كان يحمل 90 ألف دولار في حقيبة جلدية، إضافة إلى 6000 دولار و3 أونصات من الذهب في حقيبة ثانية.
عن اللحظات التي أعقبت الانقلاب، ذكر أنه بقي واعياً، لكنه عانى من الاختناق بسبب فتح الوسادة الهوائية، قبل أن يسمع شخصاً يسأله إن كان بخير. وأضاف أنه شاهد، رغم تشوش رؤيته، دراجة نارية حمراء متوقفة، فاستنتج أنه تعرض للسرقة.
الخلفية المالية والقضائية
تتصل القضية بمعاملات مالية سابقة بين الأطراف، أبرزها مبلغ 46 ألف دولار قيل إنه سُلّم لشراء الذهب، وطلب مبلغ إضافي قدره 30 ألف دولار. وتتقاطع هذه المعطيات مع ادعاء فقدان 96 ألف دولار و3 أونصات من الذهب عقب انقلاب السيارة.
كما أظهرت التحقيقات وجود محاضر سابقة بحق المدعى عليه تتعلق بالسرقة وإساءة الأمانة والاحتيال، وهي معطيات أُضيفت إلى الملف خلال التحقيق في الحادث والبلاغ عن الأموال المفقودة.
المسار القانوني
تتعلق المادة 402 من قانون العقوبات بالإخبار عن جريمة يعلم المبلّغ أنها لم تقع، أو التسبب ببدء تحقيق تمهيدي أو قضائي من خلال اختلاق أدلة مادية على جريمة.
أما المادة 655 فتتناول جرم الاحتيال، وتصل العقوبة المنصوص عليها فيها إلى السجن 3 سنوات.
في ختام التحقيقات، ظنت قاضية التحقيق في جبل لبنان رولا عبد الله بالمدعى عليه بموجب المادتين 655 و402، وأحالته للمحاكمة أمام القاضي المنفرد الجزائي في الدامور.
وتبقى مسؤولية المدعى عليه ووقائع القضية خاضعة لتقييم المحكمة، التي تنظر في بيانات GPS والإفادات والمعطيات المالية وسائر الأدلة لتحديد مدى ثبوت التهم المنسوبة إليه.