أثارت صور جوية محدثة عبر تطبيق «غوغل إيرث» تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أظهرت حجم التغير الذي طرأ على مدينة رفح ومناطق واسعة في جنوب قطاع غزة خلال الحرب.
رغم إتاحة هذه اللقطات للمستخدمين، فإن تداولها بكثافة خلال الأيام الماضية جعلها محط اهتمام واسع، بعدما استخدمها فلسطينيون للبحث عن منازلهم وأحيائهم ومدارسهم والأماكن التي ارتبطت بذكرياتهم.
ونشرت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة تقريرًا بعنوان «كيف تبدو غزة على خرائط غوغل وآبل؟»، تناول تحديثات «غوغل إيرث» لعام 2026، وما أظهرته من تحولات كبيرة في المشهد العمراني للقطاع.
البحث عن أماكن اختفت معالمها
مع انتشار اللقطات، بدأ سكان القطاع والمغتربون عنه بتحديد إحداثيات منازلهم ومناطق سكنهم، ومقارنة ما يظهر في الصور الحديثة بما كان قائمًا قبل الحرب.
الكاتب الغزي تامر النوايزي نشر صورتين لمنزله وحيه، موضحًا أن الأولى توثق المكان قبل تحوله إلى أنقاض، بينما تُظهر الثانية حال المنطقة بعد تعرضها للتدمير.
وأرفق النوايزي مقطعًا مصورًا من داخل المدينة، مشيرًا إلى أن المشاهدة الجوية لا تنقل وحدها الحجم الكامل للخسائر التي يمكن رؤيتها على الأرض.
بدوره، نشر الدكتور محمد حمد مقارنة بين كلية العلوم والتكنولوجيا في خان يونس قبل الحرب وبعدها، موضحًا الفارق الكبير الذي طرأ على الموقع.
أما طبيب الأسنان أبو صالح، من غزة، فقال إنه عاد إلى تطبيق «غوغل إيرث» بحثًا عن الحي والشارع والمنزل الذي نشأ فيه، لكنه لم يجد معالم واضحة تسمح له بالتعرف إلى المكان.
ذاكرة البيوت والشوارع
لم تتوقف المقارنات عند الأبنية، إذ أعادت اللقطات إلى أصحابها ذكريات المدارس والمقاهي والأزقة والمنازل التي شكلت جزءًا من حياتهم اليومية.
ووصف أبو صالح مشاهدته للمنطقة بأنها صادمة، متحدثًا عن أماكن كانت مرتبطة بذكريات الطفولة والعلاقات الاجتماعية، قبل أن تفقد كثيرًا من معالمها.
ناشط آخر من القطاع نشر صورًا لمحيط منزله، وقال إن منزله وحارته وبلدته تعرضت للتدمير، معتبرًا أن التحديثات تتيح للجمهور الاطلاع على جانب من آثار الحرب في المناطق السكنية.
ما لا تستطيع الأقمار الصناعية إظهاره
رغم قدرة التصوير الفضائي على رصد التغيرات العمرانية، فإنه لا يستطيع توثيق التفاصيل الإنسانية التي خلفها فقدان المنازل.
أحد الناجين من القطاع كتب أن النظر إلى المباني المدمرة لا يعني بالنسبة إليه رؤية جدران وأسقف فقط، بل استحضار الأشخاص الذين عاشوا داخلها وما تركوه خلفهم من مقتنيات شخصية.
وتشمل تلك الذكريات ألعاب الأطفال والكتب والحقائب المدرسية وأقلام التلوين والأغطية والصور العائلية، إضافة إلى مفاتيح منازل قديمة ارتبطت بعائلات فلسطينية وذكريات سابقة.
تكتسب صور الأقمار الصناعية أهمية خاصة في توثيق التغيرات التي طرأت على المناطق المتضررة، خصوصًا عندما يتعذر الوصول الميداني إلى بعض المواقع. وتسمح المقارنة بين لقطات مأخوذة في فترات مختلفة برصد اختفاء المباني وتضرر الطرق وتبدل شكل الأحياء.
بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين نزحوا من مناطقهم أو غادروا القطاع، توفر هذه التقنية وسيلة لتحديد مواقع منازلهم ومؤسساتهم والأماكن المرتبطة بحياتهم، حتى عندما تصبح معالمها أقل وضوحًا في الواقع.
مع ذلك، لا تمثل الصورة الجوية سجلًا كاملًا للأضرار؛ فهي توثق التغير المادي الظاهر من الأعلى، لكنها لا تكشف الخسائر البشرية أو ما بقي داخل المباني أو التفاصيل اليومية التي عاشها السكان.
كما أن اختلاف تواريخ التقاط الصور ودقة التحديث من منطقة إلى أخرى يعني أن اللقطة المتاحة لا تعكس بالضرورة الوضع الآني للموقع، لذلك تحتاج المقارنات الجوية إلى جانبها مصادر أخرى، مثل الصور الميدانية وشهادات السكان والمواد المرئية.
صورة لمدينة متغيرة
توضح المقارنات المتاحة عبر المنصات الرقمية حجم التحولات التي أصابت أجزاء واسعة من قطاع غزة، لكنها لا تختزل ما جرى في المشهد العمراني وحده.
فاللقطة من الأعلى تكشف تغير شكل الأحياء واختفاء مبانٍ ومعالم واتساع المساحات المتضررة، بينما تبقى الخسائر البشرية والتفاصيل المرتبطة بحياة السكان خارج نطاق ما تستطيع الأقمار الصناعية إظهاره.
لهذا تحولت عملية البحث عبر «غوغل إيرث» بالنسبة إلى كثير من الغزيين إلى محاولة لاستعادة صورة المكان قبل الحرب، والاحتفاظ بسجل بصري للأحياء التي عرفوها.
وبين صورة قديمة وأخرى حديثة، يجد أصحاب تلك المواقع أنفسهم أمام جغرافيا مختلفة عن تلك التي عاشوا فيها، فيما تبقى ذكريات المنازل والشوارع والمدارس جزءًا من قصة لا تستطيع الخرائط وحدها روايتها.